|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  10 / 12 / 2025                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

وطنٌ يبحث عن تنمية تُنصف قدراته

نوري حمدان
(موقع الناس)

من يتأمل واقع العراق اليوم يدرك على الفور أنّ هذا البلد يقف في مفترق طرق غير عادي؛ فثرواته النفطية الهائلة، وطاقته البشرية الشابة، وموقعه الجغرافي الفريد، كلّها عناصر تجعل منه دولة قادرة على التحليق عاليًا في مؤشرات التنمية البشرية. لكن المفارقة المؤلمة أننا ما زلنا نراوح مكاننا في مساحة "التنمية المتوسطة"، وكأنّ العراق يعيش بنصف إمكاناته فقط.

لسنوات طويلة ظلّت التنمية في العراق حبيسة صراعات سياسية، وهشاشة مؤسسات، وتفاوت كبير في الخدمات بين محافظة وأخرى. المؤشر العالمي للتنمية البشرية يضع العراق في مكانٍ وسط، لا يليق بتاريخه ولا بقدراته. فالتعليم الذي كان يومًا ما مفخرةً إقليمية أصبح يئن تحت وطأة اكتظاظ الصفوف وقلة الأبنية ونقص الكوادر، بينما القطاع الصحي يحاول النهوض وسط بنية تحتية أنهكها الزمن ونزيف مستمر في الكفاءات.

أما الاقتصاد، فقصته معروفة: بلد غني يعتمد اعتمادًا شبه كلي على النفط، ويعجز عن خلق فرص عمل كافية للشباب الذين يشكلون أكثر من نصف السكان. مفارقة أخرى تضاف إلى سجل المفارقات العراقية.

ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل. فخلال السنوات الأخيرة ظهرت مؤشرات تعافٍ هنا وهناك: مشاريع إعادة الإعمار، توسع التعليم الجامعي، دخول القطاع الخاص الصحي، برامج دعم الشباب وريادة الأعمال، وتحسن تدريجي في بعض المحافظات. لكن هذه الخطوات، على أهميتها، ما تزال أقل بكثير مما يحتاجه العراقيون للانتقال من "الدولة الواعدة" إلى "الدولة الفاعلة".

الحقيقة أن العراق لا يحتاج إلى معجزة؛ بل إلى إدارة. إدارة تكسر دورة الفساد، وتدعم التعليم والصحة، وتفتح أبواب الاقتصاد للمنافسة، وتؤمن للمواطنين خدمات تحترم إنسانيتهم. فمجرد تحسين منظومة الحكم كفيل بأن يرفع مؤشرات التنمية البشرية قفزة كبيرة خلال سنوات قليلة، كما تشير تجارب دول عديدة.

يستحق العراقيون مستقبلًا أفضل مما يعيشونه اليوم. ويستحق بلدٌ بهذا الحجم الحضاري والمادي أن يكون في مقدمة الدول لا في منتصف القائمة. التنمية ليست حلمًا بعيدًا، بل مشروعًا ممكنًا ينتظر قرارًا شجاعًا: أن نؤمن بالعراق كما يجب، وأن نطلق طاقاته الكامنة المتوقفة عند بوابة السياسة منذ عقود.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter