| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 11 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
السياحة العراقية.. كنز لم يُفتح بعد
نوري حمدان
(موقع الناس)
في وقت تتجه فيه دول المنطقة إلى تنويع اقتصاداتها عبر الاستثمار في السياحة، ما يزال العراق متردداً أمام واحد من أهم كنوزه غير المستثمرة. فالبلد الذي يمتلك إرثاً حضارياً لا يضاهى، ومزارات دينية تستقطب ملايين الزوار سنوياً، ومشاهد طبيعية تأسر العين من جبال كردستان إلى أهوار الجنوب، لا يزال يعاني فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة والواقع الفعلي للقطاع السياحي.
السياحة الدينية تُعد اليوم العمود الأكثر صلابة في المشهد السياحي العراقي، ملايين الزائرين الذين تقودهم العتبات المقدسة إلى مدن مثل كربلاء والنجف نجحوا في خلق حركة اقتصادية ملموسة، لكن هذه الطاقة الهائلة لم تُحوّل بعد إلى صناعة متكاملة. فالبنية التحتية ما زالت عاجزة عن مواكبة الأعداد المتزايدة، وخدمات الإيواء والنقل تعاني تذبذباً واضحاً، فيما لا تزال المدن الدينية تعيش موسمية النشاط بدلاً من استدامته.
أما المواقع الأثرية، من بابل إلى أور ونينوى، فهي تستحق أن تكون وجهة عالمية من الدرجة الأولى، لكنها تعاني الإهمال ونقص الاستثمار، رغم أن إدراج بعضها على لائحة اليونسكو فتح نافذة أمل جديدة. وفي شمال البلاد، يقدم إقليم كردستان نموذجاً واعداً لبيئة سياحية أكثر نضجاً، لكنه بدوره بحاجة إلى ربط أكبر مع الداخل وتسهيلات أكثر للزوار العرب والأجانب.
العراق لا يحتاج إلى معجزة ليصبح بلداً سياحياً، بل يحتاج فقط إلى قرار جريء يضع السياحة في صدارة أولويات التنمية. المطلوب رؤية موحدة تنهي تشتت الصلاحيات، وتطلق حملة ترويجية تحسن صورة البلاد خارج حدودها، وتوفر حوافز استثمارية تشجع القطاع الخاص على دخول هذا المجال بثقة.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لعقود من الاضطراب، لكن المستقبل مفتوح لمن يملك الإرادة. والسياحة قد تكون أحد أسرع الطرق لإعادة بناء صورة العراق وإحياء اقتصاده، شرط أن نتعامل معها كصناعة استراتيجية.. لا مجرد مشهد جغرافي جميل أو موسم ديني عابر.