|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  12 / 2 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يستعرض هذا النص الأزمة المزمنة لقطاع الكهرباء في العراق رغم المخصصات المالية الهائلة التي بلغت تريليونات الدنانير سنوياً منذ عام 2003. ويوضح الكاتب أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد المالية أو الطبيعية، بل في سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي الذي جعل الإنفاق الحكومي يستنزف الميزانية من دون تحقيق استقرار حقيقي للتيار.

حين تُنفق تريليونات ويبقى البلد عارياً من الكهرباء

نوري حمدان
(موقع الناس)

لم يكن الرقم الذي أعلنه محافظ البنك المركزي العراق مجرد تفصيل مالي عابر، بل كان صدمة واعترافاً في آنٍ واحد؛ إذ إن إنفاق ما بين 23 و25 تريليون دينار سنوياً على قطاع الكهرباء يكشف حجم المفارقة العراقية المزمنة. فمنذ عام 2003، والكهرباء تتحول من خدمة عامة إلى عقدة سياسية واقتصادية واجتماعية، تتوارثها الحكومات كما يتوارث العراقيون صيفاً ثقيلاً لا يرحم. خلال أكثر من عقدين، تعاقبت إدارات وارتفعت موازنات ووقعت عقود وأُنشئت محطات وأُعلنت خطط طارئة واستراتيجيات بعيدة المدى، لكن النتيجة بقيت متعثرة؛ تيار متذبذب، تجهيز غير مستقر، واعتماد دائم على حلول مؤقتة لا تصمد أمام أول موجة حر.

صحيح أن العراق خرج من 2003 ببنية تحتية منهكة، غير أن سنوات الوفرة النفطية اللاحقة كانت فرصة تاريخية لإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس حديثة ومستدامة. غير أن المسار الذي اتُخذ بدا أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منه إلى بناء منظومة متكاملة. توسع في قدرات الإنتاج من دون تحديث متوازن لشبكات النقل والتوزيع، اعتماد متزايد على استيراد الغاز والطاقة، ضعف في الجباية، وفاقد فني وتجاري يلتهم جزءاً كبيراً من المنظومة، فضلاً عن اختلالات إدارية ومالية أفقدت الإنفاق كفاءته. وهكذا تحولت الكهرباء من مشروع تنموي يفترض أن يكون رافعة للاقتصاد إلى بند إنفاق ثقيل يستنزف الموازنة عاماً بعد عام.

إن الحديث عن 25 تريليون دينار سنوياً لا يعني أرقاماً مجردة في جداول الحسابات، بل يعني موارد كان يمكن أن تعيد تشكيل البنية الخدمية في البلاد لو أُديرت وفق رؤية استراتيجية واضحة. جزء كبير من هذه الأموال يذهب إلى دعم الوقود، والاستيراد، والصيانة والتشغيل، وتعويض خسائر مزمنة في الشبكات، ما يجعل القطاع يدور في حلقة مغلقة؛ نفقات عالية مقابل مردود لا يرتقي إلى مستوى التوقعات. وهنا يتبدى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أصبحت الكهرباء في العراق مشروع إنفاق دائم بدلاً من أن تكون مشروع استثمار منتج يحقق الاستدامة والكفاءة؟

المفارقة أن العراق، وهو من أغنى بلدان المنطقة بالطاقة الأولية، ما يزال عاجزاً عن تحويل هذه الثروة إلى استقرار كهربائي شامل. يمتلك النفط والغاز، وتتاح له فرص واسعة في الطاقة الشمسية، لكن الإشكال لم يكن يوماً في الموارد بقدر ما كان في الإدارة والحوكمة والتخطيط بعيد المدى. فالأزمة لم تعد تقنية صِرفة، بل أصبحت مرآة لطبيعة إدارة الدولة لمواردها، ولمدى قدرتها على الانتقال من منطق المعالجة المؤقتة إلى منطق الإصلاح الهيكلي.

على مدى أكثر من عشرين عاماً، ارتبط ملف الكهرباء بالدورات الانتخابية والوعود الحكومية، وتحوّل إلى عنوان دائم في خطابات الإصلاح. غير أن المواطن لم يعد ينتظر لغة الأرقام ولا بيانات الميغاواط المضافة، بل يبحث عن استقرار فعلي في التيار الكهربائي، وعن شعور بأن الدولة قادرة على تحويل الإنفاق إلى خدمة ملموسة. إن تصريح محافظ البنك المركزي لم يكن مجرد كشف لحجم الإنفاق، بل كان إضاءة قاسية على سؤال الكفاءة والشفافية والمساءلة.

لقد آن الأوان لأن يُقرأ هذا الرقم لا بوصفه إنجازاً في حجم التخصيص، بل بوصفه دعوة لمراجعة جذرية لفلسفة إدارة قطاع الكهرباء. فالدول لا تُقاس بحجم ما تنفق، بل بقدرتها على تحويل الإنفاق إلى نتائج مستدامة. وبين تريليونات تُصرف وصيفٍ يتكرر بعتمته، يبقى التحدي الحقيقي أمام العراق هو الانتقال من اقتصاد الإنفاق إلى اقتصاد الإدارة الرشيدة، ومن وعود المواسم إلى استقرار الدولة.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter