| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 13 / 2 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
في اليوم العالمي للإذاعة، أستعيد مسيرتي بين التفاعل مع الجمهور في "قضايا الناس" عبر راديو الناس، والحوار في راديو المدى، والتجربة اليومية في راديو نوا، وصولًا إلى تأسيس "راديو الملتقى" رقميًا خلال جائحة كورونا. مسيرة تؤكد أن الإذاعة رسالة إنسانية متجددة تصنع الثقة والرأي العام.
اليوم العالمي للإذاعة.. سيرة عراقية بين الأثير والتحول الرقمي
نوري حمدان
(موقع الناس)
في الثالث عشر من شباط/ فبراير من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للإذاعة، المناسبة التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة عام 2011 تخليدا لذكرى انطلاق إذاعة الأمم المتحدة عام 1946. غير أن هذا اليوم، بالنسبة لنا في العراق، لا يمر بوصفه احتفاءً رمزيًا بوسيلة إعلامية فحسب، بل استذكارًا لدورٍ حيوي أدّته الإذاعة في لحظات التحول، وفي زمن الأزمات، وفي صناعة الرأي العام حين كانت الكلمة تبحث عن مساحة آمنة لتُقال.
كانت بدايتي الإذاعية مع راديو الناس عبر البرنامج التفاعلي "قضايا الناس"، حيث لم يكن الميكروفون أداة بث فقط، بل جسرًا مباشرًا بين المواطن وصانع القرار. هناك تعلّمت أن الإذاعة ليست نقلًا للصوت بقدر ما هي إنصاتٌ له؛ وأن فتح خطوط الهاتف يعني فتح نوافذ الأمل أمام من يبحث عن منبر. تحوّلت شكاوى الناس إلى ملفاتٍ للنقاش، وصار الأثير مساحةً لتشكيل رأي عام ينطلق من تفاصيل الحياة اليومية.
ثم جاءت تجربتي في راديو المدى، حيث انتقلتُ من التفاعل الشعبي المباشر إلى فضاء الحوار العميق. في البرامج الحوارية، أدركت أن إدارة النقاش مسؤولية مضاعفة، وأن التوازن بين الرأي والرأي الآخر هو جوهر العمل الإذاعي المهني، خصوصًا في بيئة سياسية واجتماعية معقدة. لم يكن الهدف استضافة ضيف فحسب، بل خلق مساحة تفكير، وتحويل الاختلاف إلى فرصة للفهم.
وفي راديو نوا عشت تجربة مختلفة عبر "صباحات نوا" اليومي و"لقاء خاص" الأسبوعي، حيث تداخل الإيقاع الصباحي بالحوار المتخصص، وصار القرب من الجمهور جزءًا من هوية البرنامج. هناك تبلورت لدي قناعة بأن الإذاعة الناجحة هي التي تجمع بين الخفة المهنية والعمق الفكري، وتخاطب المستمع بوصفه شريكًا لا متلقيًا.
لكن التجربة الأكثر فرادة جاءت مع تأسيس راديو الملتقى خلال جائحة COVID-19، حين أُغلقت الاستوديوهات، وتحوّل العالم إلى عزلة صحية قسرية. يومها لم نتوقف؛ بل غيّرنا شكل الحضور. كان البث يتم حصريًا عبر منصة YouTube، ومن داخل المنازل التي تحولت إلى غرف أخبار واستوديوهات إنتاج. لم يكن العمل سهلًا في ظل القلق العالمي والظروف النفسية الضاغطة، لكنه كان فعل إيمان بالمهنة. شاركني في هذه التجربة نخبة من الزملاء: ديار الطائي، أحمد محسن، محمد الجراح، إيهاب الركابي، وخديجة الحمداني، حيث أثبت العمل الجماعي أن الإذاعة فكرة قبل أن تكون مكانًا، وأن الرسالة يمكن أن تجد طريقها مهما تغيّرت الظروف.
واليوم، تقف الإذاعة عند منعطف جديد مع صعود الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة دافعة للموجة المقبلة من الابتكار الإعلامي. فالتقنيات الحديثة قادرة على أتمتة المهام الروتينية، وتحليل تفاعل الجمهور، وتخصيص المحتوى، وتعزيز أدوات التحقق من المعلومات، بما يتيح للصحفيين والمذيعين مساحة أوسع للإبداع وبناء الثقة. غير أن هذه التحولات تقتضي استراتيجية أخلاقية واضحة، تحمي الخصوصية، وتصون ملكية البيانات، وتضمن الشفافية، وتُبقي الحكم الإنساني في صلب العملية الإعلامية. فجوهر الإذاعة لا يكمن في التقنية، بل في الدفء والموثوقية واللمسة الإنسانية التي تمنح الصوت معناه.
هكذا أستعيد مسيرتي الإذاعية في يومها العالمي، لا بوصفها سيرة شخصية فحسب، بل بوصفها جزءًا من مسار إعلامي عراقي امتد من الأثير التقليدي إلى الفضاء الرقمي، ومن البث الأرضي إلى المنصات المرئية، ومن الحوار المباشر إلى استشراف الذكاء الاصطناعي. لقد تغيّرت الأدوات، وتبدّلت البيئات، لكن بقي المبدأ واحدًا: أن الميكروفون أمانة، وأن الكلمة حين تُقال بصدق تستطيع أن تصنع رأيًا عامًا، وتبني جسور ثقة، وتبقي الإنسان في قلب الرسالة الإعلامية.