| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 14 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
بعثة الأمم المتحدة في العراق.. ماذا أنجزت فعليًا؟
نوري حمدان
(موقع الناس)
مع إعلان انتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بعد أكثر من عقدين على مباشرتها مهامها، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل أدّت البعثة ما أُنيط بها من مهام، أم أن وجودها طال أكثر مما أنجز؟
منذ تأسيسها عام 2003، وُضعت على عاتق يونامي حزمة واسعة من الأهداف؛ تبدأ بدعم العملية السياسية، ولا تنتهي عند بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز حقوق الإنسان، والمصالحة الوطنية، والإشراف على الانتخابات. غير أن مراجعة هادئة لما تحقق على الأرض، مقارنة بما خُطّط له على الورق، تكشف فجوة لا يمكن إنكارها.
ووفق تقديرات مستخلصة من تقارير يونامي نفسها، ومن بيانات الحكومات العراقية المتعاقبة، إضافة إلى رصد منظمات المجتمع المدني، يمكن القول إن نسبة الإنجاز الكلي للبعثة لم تتجاوز، في أحسن الأحوال، 30 إلى 35 % من أهدافها المعلنة.
على مستوى العملية السياسية والانتخابية، لعبت البعثة دورًا استشاريًا وفنيًا، وأسهمت في مراقبة الانتخابات، إلا أن هذا الدور ظل إجرائيًا أكثر منه إصلاحيًا. فالانقسامات السياسية، وتعطّل بناء الدولة، وتكرار الأزمات الدستورية، استمرت بلا حلول جذرية. ويمكن تقدير نجاح هذا المسار بما لا يزيد على 40 %، قياسًا باستمرار الاختلالات ذاتها منذ أول انتخابات وحتى اليوم.
وفي ملف حقوق الإنسان، أصدرت يونامي عشرات التقارير حول الانتهاكات، وحرية التعبير، والاعتقالات، والعدالة الانتقالية. لكن أغلب هذه التقارير بقيت توثيقية لا تنفيذية، تفتقر إلى آليات ضغط حقيقية. وترى منظمات عراقية مستقلة أن أثر هذه التقارير على السياسات الحكومية لم يتجاوز 20 إلى 25 %، بدليل تكرار الانتهاكات ذاتها عبر السنين.
أما شعار "المصالحة الوطنية"، الذي رُفع منذ اليوم الأول، فقد بقي الأكثر غموضًا والأقل تحققًا. لم تُنتج البعثة إطارًا وطنيًا جامعًا وملزمًا، بل اكتفت بتسهيل حوارات نخبوية محدودة. ويمكن القول إن هذا الملف لم يتجاوز 15 إلى 20 % من مستوى الإنجاز المطلوب، قياسًا باستمرار الانقسامين المجتمعي والسياسي.
ورغم الحديث المتكرر عن دعم بناء المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الاستشارات، وغياب المتابعة طويلة الأمد، جعلا الأثر محدودًا وغير مستدام. فكثير من البرامج انتهت بانتهاء التمويل أو بتبدّل الحكومات، من دون أن تتحول إلى سياسات راسخة أو خبرات متراكمة.
في المحصلة، لم تكن بعثة يونامي فاشلة بالكامل، لكنها لم تكن ناجحة بالقدر الذي يبرر طول بقائها. لقد أدّت دور "المُرافق" أكثر من كونها "المُغيّر"، وركّزت على إدارة الأزمات بدل السعي الجاد إلى حلّها.
إن انتهاء مهمتها اليوم يفتح صفحة جديدة، لا لتبرئة أحد أو إدانته، بل لطرح سؤال أعمق: هل كان الخلل في البعثة ذاتها، أم في البيئة السياسية التي عملت فيها، أم في الاثنين معًا؟
وتكمن أهمية الإجابة عن هذا السؤال في ألا تتحول التجربة العراقية إلى نموذج أممي طويل الحضور، محدود الأثر.