| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 14 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الإيفاد.. حين يغيب الأثر ويبقى السفر
نوري حمدان
(موقع الناس)
ليست الإيفادات الحكومية في الدول المتقدمة مجرّد رحلات عمل أو تمثيل بروتوكولي، بل هي جزء أصيل من منظومة إنتاج المعرفة داخل الدولة. فالموفد هناك لا يعود بحقائب شخصية فقط، بل بملفات مكتوبة، وتجارب موثقة، ودروس قابلة للتداول، تشكّل لاحقًا مادة تدريبية ومعرفية للأجيال اللاحقة. ولهذا تزخر مكتبات تلك الدول بسير وتجارب كتبها دبلوماسيون، إداريون، أمنيون، اقتصاديون، وحتى عاملون في منظمات المجتمع المدني، دوّنوا فيها ما عاشوه في مهامهم، وما واجهوه من تحديات، وما تعلموه من نجاحات وإخفاقات.
هذه الكتابات لم تكن ترفًا ثقافيًا ولا نزوة شخصية، بل ممارسة مؤسسية واعية، تُدرك أن الدولة لا تتقدم فقط بالقرارات، بل بتراكم الخبرات، وأن التجربة غير الموثقة تجربة مهدورة.
في المقابل، يبرز سؤال مشروع في الحالة العراقية: أين ذهبت تجارب آلاف الموفدين العراقيين الذين أوفدتهم مؤسسات الدولة، منذ عقود، إلى معظم دول العالم، وعلى مختلف المستويات الدبلوماسية والإدارية والأمنية والاقتصادية والثقافية؟ لماذا لا نجد في مكتباتنا أو أرشيف مؤسساتنا مؤلفات أو دراسات أو حتى تقارير معمّقة توثّق تلك التجارب؟
الفارق لا يمكن تفسيره بالصدفة، ولا بعجز العراقي عن الكتابة أو التحليل، وهو الذي أنجب أدباء وباحثين ومفكرين في أصعب الظروف. إنما يعود، على الأرجح، إلى خللٍ مركّبٍ يبدأ من آلية اختيار الموفَد، ولا يتوقف عند غياب ثقافةٍ مؤسسيةٍ ترى في الإيفاد امتيازًا وظيفيًا لا مسؤوليةً معرفية.
في كثير من الحالات، يُختار الموفد لدينا وفق اعتبارات لا تمت بصلة مباشرة إلى الكفاءة أو القدرة على التحليل والتوثيق، بل تخضع لموازين إدارية أو سياسية أو علاقات شخصية. ثم تُدار الإيفادات بوصفها إجراءً إداريًا مغلقًا: مهمة تنتهي بتقرير شكلي، يُحفظ في الأدراج، دون نقاش أو نشر أو تحويله إلى معرفة عامة.
كما أن البيئة الحكومية نفسها لا تشجّع على الكتابة الصريحة، ولا تضمن حماية الموفد إذا قرر أن يوثّق تجربته بجرأة وموضوعية، فيتحوّل الصمت إلى خيار آمن، والذاكرة إلى عبء.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يكتب الموفد العراقي؟ بل: هل تريد الدولة العراقية من موفديها أن يكونوا منتجين للمعرفة أم مجرد عابرين للحدود؟ فحين تُعاد صياغة فلسفة الإيفاد، سيعود القلم تلقائيًا إلى يد الموفد، لا بقرار، بل بوعي.