| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 2 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول المقال قرار منع مهرجان "الناصرية تقرأ"، منتقدًا تحويل الفعاليات الثقافية إلى هواجس أمنية. يؤكد أن الناصرية مدينة تاريخ الحرف والوعي، وأن القراءة بداية الحرية وصناعة السؤال. ويرى أن دعم المبادرات الثقافية يعزز سمعة المدن وتنميتها، بينما المنع يكرّس الخوف من المعرفة ويضعف الثقة بالمجتمع.
الناصرية تقرأ.. والتاريخ يشهد
نوري حمدان
(موقع الناس)
في مدينةٍ مثل الناصرية، لا يُفترض أن يُخاف من كتاب، ولا أن تتحوّل فعالية ثقافية إلى ملفّ أمني. هذه المدينة التي تمتد جذورها إلى تخوم التاريخ، وتجاور أطلال أور، حيث كُتبت أولى الكلمات على ألواح الطين، لا يمكن أن تُختصر بقرار منع، ولا أن يُختزل وعيها بختم إداري متعجل. فالناصرية لم تكن يومًا مدينة هامشية في سجل الحضارة، بل كانت منذ فجر سومر مساحةً لولادة الحرف، وبداية السؤال، وتشكّل المعنى.
قرار منع مهرجان "الناصرية تقرأ" لا يبدو إجراءً احترازيًا بقدر ما يبدو إعلانًا غير مباشر عن خوفٍ من الفكرة. إن كانت هناك عناوين مثار جدل، فلتُحجب تلك الكتب بعينها وفق القانون، لا أن يُلغى المعرض بأكمله. وإن وُجد تخوّف من استغلال بعض المندسين للفعالية، فواجب الدولة أن تؤمّنها وتحمي جمهورها، لا أن تعاقب المجتمع الثقافي كله بذريعة الاحتمال. المنع الشامل ليس حلاً، بل هو أقصر الطرق إلى تكريس صورة سلطةٍ ترتاب من المعرفة أكثر مما ترتاب من الفوضى.
"من يستطيع إيهام الجماهير يصبح سيدًا لهم، ومن يحاول إزالة الأوهام عن أعينهم يصبح ضحيةً لهم"، كما يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون. ولعلّ في هذا القول مفتاحًا لفهم ما يجري: فالقراءة لا تمنح معرفة فحسب، بل توقظ سؤالًا، والسؤال بداية الحرية. حين يبدأ العقل بالمقارنة والشك، يتراجع الخوف، وتصبح الطاعة خيارًا لا قدرًا. لذلك تضيق بعض السلطات بالوعي أكثر مما تضيق بالخصومة؛ فالسلاح يمكن مواجهته بسلاح، أما الفكرة فتفتح بابًا يصعب إغلاقه.
في العالم كلّه، لا تنمو المهرجانات الثقافية الكبرى دائمًا بقرار رسمي، بل كثيرًا ما تبدأ فكرةً شبابيةً صغيرة ثم تتحوّل، بإصرار المجتمع، إلى حدث دولي راسخ. فـمهرجان هاي للأدب في بريطانيا انطلق عام 1988 بمبادرة من مجموعةٍ من عشّاق الكتب في بلدةٍ صغيرة، قبل أن يصبح محطةً عالمية تستقطب أبرز الكتّاب والمفكرين. ومهرجان إدنبرة الدولي للكتاب بدأ بروحٍ تطوعية ثقافية، ثم غدا واحدًا من أهم الفعاليات الأدبية في أوروبا. وحتى في عالم السينما، فإن مهرجان ساندانس في الولايات المتحدة نشأ كمبادرة لدعم السينما المستقلة خارج الأطر التجارية الكبرى، قبل أن يتحول إلى منصة عالمية لاكتشاف المواهب. هكذا تُصنع التقاليد الثقافية: من شغف الناس، ومن ثقة المجتمع بقوة الفكرة، لا من قرارات المنع والإلغاء. الدول الواثقة تفسح المجال للمبادرات الشعبية كي تكبر، لأنها تدرك أن الثقافة حين تنبت من الأرض تكون أرسخ وأبقى.
أما الناصرية، فليست مجرد مدينة جنوبية عادية؛ إنها فضاءٌ ثقافي ظلّ نابضًا بالشعر والمسرح والمنتديات الأدبية، وحاضنةً للنقاش العام والحراك السلمي. من مقاهيها التي احتضنت الحوارات الفكرية، إلى جامعتها التي خرّجت أجيالًا من المثقفين، ظلّت الكلمة حيّة في وجدانها. كيف لمدينةٍ هذا تاريخها أن يُمنع فيها مهرجان قراءة؟ وكيف يُنظر إلى تجمعٍ للكتاب بوصفه خطرًا، لا بوصفه فرصة؟
كان الأجدر بالحكومة المحلية في ذي قار أن تدعم هذا المهرجان، وأن تعمل على تطويره ليصبح تقليدًا سنويًا راسخًا، ثم فعالية وطنية واسعة، وربما منصة دولية تستقطب دور نشر عربية وعالمية. هكذا تُبنى سمعة المدن، وهكذا تتحول الثقافة إلى رافعة تنموية وسياحية واقتصادية. أما المنع، فلا ينتج سوى رسالة سلبية توحي بأن الكتاب عبء، وأن القارئ مشكلة.
لماذا يخافون من القراءة؟ ولماذا يرتابون من الفكر؟ ألهذا يُصرّ البعض على تردّي التعليم، ونشر الخرافة، وامتهان الثقافة؟ لأن الإنسان القارئ يصعب قياده، ولأن الكتاب لا يمنح معلومات فقط، بل يخلق وعيًا، والوعي لا يقبل أن يُدار بالعتمة. إن المدينة التي بدأت رحلتها مع أول حرف في التاريخ لن تُخيفها أوراق مطبوعة، ولن تُطفئ ذاكرتها قرارات عابرة. كما قال السياسي الشيوعي البارز جاسم الحلفي "الناصرية قرأت.. وستبقى تقرأ".
* قد يُمنع مهرجان، لكن الفكرة لا تُصادر بقرار.