| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 3 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول هذا العمود كيفية تعاطي وسائل الإعلام الأميركية مع الحرب ضد إيران في ظل الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة. كما يناقش الجدل المتصاعد بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتهديد بعدم تجديد تراخيص بعض المؤسسات الإعلامية، ما يطرح تساؤلات جديدة حول حدود حرية الصحافة ودورها في تشكيل الرأي العام.
الحرب مع إيران.. حين يصبح الإعلام جزءاً من المعركة
نوري حمدان
(موقع الناس)
مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد الحرب تدور فقط في الميدان العسكري أو في الحسابات الجيوسياسية، بل امتدت أيضاً إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية: ساحة الإعلام.
ففي الولايات المتحدة، حيث تلعب وسائل الإعلام دوراً مركزياً في تشكيل الرأي العام، تحولت تغطية الحرب إلى موضوع صراع سياسي بحد ذاته. وبينما انقسمت المنابر الإعلامية في قراءتها لما يجري، جاءت التطورات الأخيرة لتضيف بعداً جديداً إلى هذا الجدل.
فقد وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات حادة لوسائل إعلام كبرى، متهماً إياها بنشر ما وصفه بـ“الأخبار الكاذبة” حول مجريات الحرب. ولم يقتصر الأمر على التصريحات السياسية، إذ لوّحت هيئة تنظيم البث في الولايات المتحدة بإمكانية سحب أو عدم تجديد تراخيص بعض الشبكات إذا اعتُبرت تغطيتها مضللة أو لا تخدم ما يسمى "المصلحة العامة".
هذا التطور يعكس مرحلة جديدة في العلاقة المتوترة أصلاً بين الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام. فبينما يرى مؤيدو الإدارة أن بعض المنابر الإعلامية تمارس انحيازاً سياسياً واضحاً في تغطية الحرب، يحذر منتقدون من أن استخدام أدوات تنظيمية للضغط على وسائل الإعلام قد يشكل سابقة خطيرة تمس بحرية الصحافة.
وفي خضم هذه الأجواء، يمكن رصد ثلاث مقاربات رئيسية في الإعلام الأميركي تجاه الحرب.
المقاربة الأولى تمثلها وسائل إعلام قريبة من التيار المحافظ، حيث تركز التغطية على الرواية الرسمية للإدارة الأميركية. في هذا السياق، يتم إبراز النجاحات العسكرية للعمليات الأميركية، والتأكيد على أن الضربات تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية وتعزيز الردع الأميركي في المنطقة.
أما المقاربة الثانية، فتتبناها منابر إعلامية تميل إلى طرح أسئلة أكثر نقداً حول مبررات الحرب ومسارها. هذه الوسائل تناقش الأساس القانوني للتصعيد العسكري، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت العمليات تحظى بتفويض واضح من الكونغرس أو بدعم دولي كافٍ، كما تحذر من مخاطر اتساع رقعة الصراع في المنطقة.
في المقابل، تسعى مقاربة ثالثة إلى التركيز على التغطية الإخبارية المباشرة، بعيداً عن الاصطفاف السياسي. وتتبنى هذا النهج عادة وكالات الأنباء والشبكات الإخبارية الكبرى التي تركز على متابعة التطورات الميدانية وردود الفعل الدولية وتأثير الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
لكن التطور الأخير المتعلق بالتهديد بسحب التراخيص يضيف بعداً جديداً إلى هذا المشهد. فالمعركة لم تعد فقط حول كيفية تغطية الحرب، بل حول حدود حرية الإعلام نفسه.
وهكذا، تتحول الحرب ضد إيران إلى اختبار مزدوج في الولايات المتحدة: اختبار للقوة العسكرية في الخارج، واختبار لطبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام في الداخل.
فالإعلام، كما السياسة، لا يتحدث بصوت واحد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل سيبقى هذا التعدد في الأصوات سمة من سمات المشهد الإعلامي الأميركي، أم أن ضغوط الحرب ستدفع نحو تضييق مساحة الاختلاف؟