|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  15 / 4 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يتناول المقال تعثر تشكيل الحكومة في العراق، والانقسامات داخل الإطار التنسيقي، وتأثير الضغوط الداخلية والخارجية، وخطورة تجاوز المدد الدستورية على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

أزمة التوافق وضغوط تشكيل الحكومة

نوري حمدان
(موقع الناس)

في لحظةٍ سياسيةٍ دقيقة تتكثف فيها التحديات وتتقاطع فيها المصالح، يقف العراق أمام مفترق طرق حاسم يتجاوز في دلالاته مجرد اختيار رئيسٍ جديدٍ لمجلس الوزراء، ليصل إلى اختبارٍ عميق لمدى قدرة النظام السياسي على الالتزام بروحه الدستورية والحفاظ على توازناته الداخلية والخارجية. فالمشهد الراهن، كما يتضح من المعطيات الميدانية والسياسية، لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل أو المناورة، خاصة في ظل اقتراب المدد الدستورية من نهايتها، وسط انقسامات حادة داخل قوى الإطار التنسيقي وعجز واضح عن حسم هذا الملف الحيوي.

إن الحديث عن تجاوز المدد الدستورية لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد إجراء شكلي أو تفصيل قانوني، بل هو مسألة تمس جوهر الدولة وهيبتها. فالدستور، بوصفه العقد الناظم للحياة السياسية، يفقد قيمته تدريجياً كلما تم الالتفاف على نصوصه أو تعطيلها تحت ذرائع التوافق أو الضرورات السياسية. وفي هذا السياق، يحذر العديد من القانونيين والمراقبين من أن أي خرق جديد لهذه المدد قد يؤسس لسابقة خطيرة تفتح الباب أمام مزيد من الفوضى السياسية، وتكرّس منطق إدارة الدولة خارج الأطر القانونية.

غير أن الأزمة لا تتوقف عند حدود النص الدستوري، بل تمتد إلى عمق البنية السياسية التي تعاني من خلل بنيوي في آليات اتخاذ القرار. فالإطار التنسيقي، الذي يُفترض أن يكون قادراً على إدارة التوازنات داخل البيت السياسي الشيعي، يجد نفسه اليوم أمام اختبار صعب، يتمثل في قدرته على تجاوز خلافاته الداخلية وتحويلها من عامل تعطيل إلى مساحة تفاهم. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك، حيث تتكرر مشاهد تأجيل الاجتماعات وغياب بعض الأطراف، ما يعكس حجم التباين في الرؤى والمصالح.

ويبرز في قلب هذا الانقسام جدلٌ واضح حول طبيعة الشخصية المطلوبة لرئاسة الحكومة. فهناك من يدفع باتجاه اختيار شخصية سياسية تقليدية تمتلك خبرة في إدارة الدولة وتفهم تعقيدات المشهد العراقي، في حين يطالب آخرون بضرورة الذهاب نحو خيار تكنوقراطي قادر على إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية بعيداً عن ضغوط الأحزاب. وبين هذين الخيارين، تضيق دائرة التوافق، ما يزيد من احتمالات استمرار الانسداد السياسي.

ولا يمكن فصل هذا التعثر عن الضغوط المتزايدة، سواء كانت داخلية أم خارجية. فعلى المستوى الداخلي، يتصاعد صوت الشارع المطالب بالإسراع في تشكيل حكومة فاعلة قادرة على معالجة الأزمات المتراكمة، من بطالة وفقر وتدهور في الخدمات. أما على المستوى الخارجي، فإن العراق ما يزال ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تسعى أطراف متعددة إلى التأثير في مسار القرار السياسي بما يحقق توازنات دقيقة، خصوصاً في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي معادلة شديدة الحساسية تتطلب قيادة سياسية تمتلك مهارة عالية في إدارة التوازنات.

إن استمرار حالة الفراغ أو التأخير في تشكيل الحكومة لا ينعكس فقط على المشهد السياسي، بل يمتد تأثيره ليطال مختلف جوانب الحياة في البلاد. فالاقتصاد، الذي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية، يتأثر بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار، سواء من خلال تذبذب الاستثمارات أو تعثر المشاريع الحيوية. كما أن ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الخدمات يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، ما يهدد بعودة موجات الاحتجاج التي قد تكون أكثر حدة في ظل فقدان الثقة بالمؤسسات.

وفي هذا الإطار، يرى مختصون أن الإطار التنسيقي لا يواجه فقط تحدي اختيار رئيس وزراء، بل يقف أمام مسؤولية تاريخية تتعلق برسم ملامح المرحلة المقبلة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد توافق على اسم، بل توافق على برنامج حكومي واضح يحدد أولويات المرحلة، ويقدم حلولاً واقعية للأزمات المتراكمة. وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة، والانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الدولة.

كما أن ملف العلاقات الخارجية يفرض نفسه بقوة في هذا السياق، حيث يحتاج العراق إلى سياسة متوازنة تحافظ على مصالحه الوطنية من دون الانخراط في صراعات المحاور. فالتحدي الأكبر يتمثل في القدرة على إدارة العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران بطريقة تضمن استقلال القرار العراقي، وتجنب البلاد تداعيات أي تصعيد إقليمي.

ومع اقتراب المواعيد الدستورية من نهايتها، تتجه الأنظار إلى الاجتماعات المقبلة للإطار التنسيقي، والتي ستحدد إلى حد كبير مسار المرحلة القادمة. فإما أن تنجح هذه الاجتماعات في إنتاج توافق حقيقي ينهي حالة الجمود، أو أنها ستعيد إنتاج مشهد التأجيل، بما يحمله من تداعيات قد تكون أكثر تعقيداً وخطورة.


إن الرهان اليوم لم يعد على قدرة القوى السياسية على المناورة، بل على قدرتها على اتخاذ قرار شجاع يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار. فالعراق، الذي يمر بمرحلة حساسة، يحتاج إلى قيادة قادرة على استعادة ثقة المواطن، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، والانطلاق نحو مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي.

إن أزمة تشكيل الحكومة في العراق ليست أزمة عابرة، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي وآليات عمله. ومع ذلك، فإن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة تصحيح المسار، إذا ما توفرت الإرادة السياسية اللازمة لذلك. فالتاريخ لا يرحم المترددين، واللحظات المفصلية لا تحتمل أنصاف الحلول، بل تتطلب قرارات حاسمة تعيد للدولة هيبتها، وتفتح أمامها آفاقاً جديدة نحو الاستقرار والتنمية.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter