| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 17 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
نوري حمدان
(موقع الناس)
صادَق مجلس المفوضين في مفوضية الانتخابات على قرار دائرة شؤون الأحزاب والتنظيمات السياسية القاضي برفض منح إجازات التسجيل لعدد من الأحزاب والحركات السياسية الجديدة، بلغ عددها (26) حزبًا، وذلك لعدم استيفائها الشروط القانونية المنصوص عليها في قانون الأحزاب السياسية.
ورغم أن القرار يأتي ضمن سياقه الإجرائي والقانوني، إلا أنه يفتح الباب مجددًا أمام نقاش أعمق يتجاوز مسألة القبول والرفض، ليصل إلى جوهر الإشكالية المرتبطة بطبيعة العمل الحزبي في العراق.
منذ عام 2003، شهد المشهد السياسي العراقي تضخمًا غير مسبوق في عدد الأحزاب والتيارات والتنظيمات، حتى بات من الصعب حصرها أو التمييز بين برامجها وخطاباتها. هذا التضخم العددي لم يُترجم، في أغلب الأحيان، إلى تنوّع حقيقي في الرؤى أو إلى تنافس إيجابي على تقديم حلول واقعية لأزمات الدولة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء سياسي وإداري، وأسهم في تشظّي القرار، وإرباك العملية الديمقراطية، وإضعاف ثقة المواطن بالعمل الحزبي برمّته.
إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في عدد الأحزاب بحد ذاته، فالتعددية السياسية مبدأ راسخ في الأنظمة الديمقراطية، وإنما تكمن في نوعية الأحزاب، وطبيعة مشاريعها، ومدى قدرتها على تمثيل مصالح المجتمع والدولة لا المصالح الضيقة. فالكثير من الكيانات الحزبية نشأت كردود أفعال آنية، أو كامتدادات لشخصيات ونفوذ فردي، أو كمظلات انتخابية مؤقتة، دون أن تمتلك برامج واضحة، أو بنى تنظيمية رصينة، أو رؤى استراتيجية بعيدة المدى.
اليوم، يقف العراق أمام تحولات إقليمية ودولية متسارعة، وتحديات داخلية مركبة، تبدأ من الأزمة الاقتصادية، ولا تنتهي عند إشكاليات الحكم والإدارة، وإصلاح المؤسسات، وبناء الدولة. وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد البلد بحاجة إلى مزيد من الأسماء واللافتات الحزبية، بقدر حاجته إلى نهج سياسي ناضج، قادر على إنتاج وعي سياسي جديد، يعيد تعريف مفهوم العمل الحزبي بوصفه مسؤولية وطنية لا وسيلة للتموضع أو المكاسب.
إن المطلوب اليوم هو انتقال الأحزاب، القائمة والجديدة على حد سواء، من منطق الكم إلى منطق الكيف، ومن خطاب الشعارات إلى برامج قابلة للتنفيذ، ومن حسابات اللحظة إلى استراتيجيات الدولة. كما أن بناء طبقة سياسية قادرة على محاكاة التغيرات الجيوسياسية، وفهم موازين القوى، والتعامل بعقلانية مع الداخل والخارج، بات ضرورة لا ترفًا سياسيًا.
قرار رفض تسجيل عدد من الأحزاب قد يكون إجراءً قانونيًا في ظاهره، لكنه يعكس في العمق حاجة النظام السياسي إلى وقفة مراجعة شاملة، ليس فقط لشروط تسجيل الأحزاب، بل لدورها، ووظيفتها، ومسؤوليتها أمام المجتمع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضافة لاعبين جدد إلى مشهد مزدحم، بل بإعادة تنظيم المشهد نفسه على أسس أكثر نضجًا، ووضوحًا، ومساءلة.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الاستقرار السياسي في العراق لن تصنعه كثرة الأحزاب، بل قدرتها على التحول إلى أدوات فاعلة في إدارة الدولة، وحماية الديمقراطية، واستعادة ثقة المواطن، وهي المهمة الأصعب، لكنها الأكثر إلحاحًا في هذه المرحلة.