| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 18 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
بين خطط الاستثمار المناخي.. وهواء بغداد المختنق
نوري حمدان
(موقع الناس)
في الوقت الذي تعلن فيه الهيئة الوطنية للاستثمار عن إطلاق خطة الاستثمار المناخي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وتروّج لحزمة مشاريع وُصفت بالاستراتيجية في مجالات الطاقة المتجددة، والأمونيا الزرقاء، ومعالجة النفايات، تبدو بغداد - على الأرض - مدينةً تختنق يومًا بعد آخر تحت وطأة التلوث، بلا مؤشرات ملموسة على تحسّن نوعية الهواء أو البيئة الحضرية.
لا شك أن ما أُعلن عنه من مشاريع وخطط يمثل، نظريًا، تحوّلًا مهمًا في الخطاب الحكومي تجاه قضايا المناخ والاستدامة، خصوصًا في بلد يُعد من أكثر الدول تضررًا من التغير المناخي. فمشاريع الطاقة الشمسية في البصرة وكربلاء، ومشروع الأمونيا الزرقاء المرتبط باستثمار الغاز المحروق، فضلًا عن مشاريع معالجة النفايات وتوليد الطاقة، كلها عناوين كبيرة طال انتظارها.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: أين تقف بغداد من كل ذلك؟
العاصمة التي تضم أكثر من ثلث سكان العراق، وتحتضن الكثافة المرورية الأعلى، والمولدات الأهلية، والمطامر العشوائية، وحرق النفايات، ما تزال تعاني من مستويات تلوث تُصنّف في كثير من الأيام ضمن النطاقات الخطرة صحيًا. هواءٌ ملوّث، مساحات خضراء تتقلص، أنهار ملوثة، ونفايات تُدار بمنطق الترقيع لا بمنطق الحلول المستدامة.
مشروع معالجة النفايات في النهروان، ثم الإعلان عن مرحلة ثانية في أبو غريب، يمثل خطوة إيجابية لا يمكن إنكارها، لكنه يبقى نقطة في بحر الأزمة إذا لم يُدرج ضمن رؤية شاملة لإدارة بيئة العاصمة، تبدأ من تقليل مصادر التلوث، ولا تنتهي عند توليد الكهرباء من النفايات.
المفارقة المؤلمة أن الخطط تُصاغ بلغة المستقبل، وتُدرج ضمن وثائق الأمم المتحدة، بينما يعيش المواطن البغدادي حاضرًا بيئيًا مثقلًا بالأمراض التنفسية، والضباب الدخاني، وانعدام العدالة البيئية بين المحافظات. فكيف يمكن إقناع المواطن بجدية التحول المناخي، وهو لا يرى أثرًا مباشرًا لهذه المشاريع في حياته اليومية؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق الخطط أو الحصول على المصادقات الدولية، بل في تحويل هذه الخطط إلى سياسات حضرية ملموسة، تبدأ من بغداد بوصفها الاختبار الأصعب والأكثر إلحاحًا. فالعاصمة ليست مجرد محافظة إضافية، بل مرآة الدولة كلها، وأي نجاح أو إخفاق فيها ينعكس على صورة العراق داخليًا وخارجيًا.
ختامًا، يمكن القول إن الاستثمار المناخي في العراق يسير اليوم على مسارين متوازيين: مسارٍ طموح على الورق، مدعوم دوليًا ومليء بالعناوين الكبيرة، ومسارٍ واقعي في بغداد، حيث لا يزال الهواء ملوثًا، والبيئة مهمّشة، والمواطن ينتظر أن يرى أثر هذه الخطط لا أن يسمع عنها فقط.
والسؤال المفتوح يبقى: متى تتحول بغداد من ملف مؤجل في خطط المناخ، إلى أولوية حقيقية في سياسات الدولة البيئية؟