| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 19 / 2 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
تصاعد العنف الأسري في العراق لم يعد ظاهرة هامشية، بل أزمة مجتمعية تتفاقم بوتيرة مقلقة بعد ارتفاع الحالات المسجلة بنسبة 150% خلال عام واحد. الأرقام تكشف خللاً قانونياً واجتماعياً يفاقم معاناة الضحايا، ويهدد بتوارث العنف عبر الأجيال، ما يستدعي إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عاجلة لحماية الأسرة وصون الكرامة الإنسانية.
العنف الأسري في العراق.. أرقام تصرخ في وجه الصمت
نوري حمدان
(موقع الناس)
لا يمكن التعامل مع ما يحدث داخل بعض البيوت العراقية باعتباره شأناً عائلياً خاصاً بعد اليوم. حين تقفز حالات العنف الأسري بنسبة 150% خلال عام واحد، متجاوزة 36 ألف حالة مسجلة، فإننا لا نتحدث عن أرقام جامدة، بل عن تصدع عميق في بنية المجتمع ذاته.
قد يقول قائل إن ارتفاع الأرقام يعني زيادة في الوعي والإبلاغ، وربما في ذلك جانب من الحقيقة، لكن هذا لا يخفف من هول الواقع. لأن كل حالة مسجلة تعني أن بيتاً فقد طمأنينته، وأن امرأة أو طفلاً أو مسناً عاش تجربة خوف لم يكن يفترض أن يعيشها في أكثر الأماكن أمناً: الأسرة.
اللافت أن اعتداءات الأزواج تتصدر المشهد، وهذه ليست مجرد إحصائية عابرة، بل إشارة إلى خلل ثقافي واجتماعي يتوارث مفاهيم السلطة داخل الأسرة بصورة مشوهة. ما زال البعض ينظر إلى العلاقة الزوجية بوصفها علاقة هيمنة لا شراكة، وحق تأديب لا مسؤولية متبادلة، وهو فهم خطير يختبئ خلف تفسيرات قانونية واجتماعية فضفاضة.
المشكلة لا تكمن في العنف وحده، بل في البيئة التي تحميه. هناك ثغرات قانونية تسمح بالالتفاف على جوهر العدالة، ونصوص تُستخدم لتبرير الاعتداء بدل تجريمه بوضوح. وهناك نقص حاد في دور الإيواء، ما يجعل الضحية أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الصمت تحت وطأة الخوف والاعتماد الاقتصادي، أو الشكوى مع غياب ضمانات حقيقية للحماية.
والأخطر من كل ذلك هو الأثر الممتد على الأطفال. فالطفل الذي ينشأ في بيت يمتلئ بالصراخ والضرب والإهانة، لا يتعلم فقط الخوف، بل قد يتعلم العنف بوصفه وسيلة طبيعية لحل النزاعات. وهنا تبدأ الدوامة التي تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، فيتحول الألم الفردي إلى ظاهرة اجتماعية مستدامة.
لا يجوز أن نبقى أسرى خطاب التبرير أو التسويات العشائرية التي تُغلق الملفات من دون أن تُغلق الجراح. ولا يمكن القبول بأن تبقى كرامة الإنسان رهينة أعراف أو مصالح أو خوف من الوصمة. الأسرة ليست مساحة خاصة خارج نطاق القانون، بل هي أول فضاء يجب أن تُصان فيه الكرامة.
ما نحتاجه اليوم ليس مجرد تعاطف عابر، بل موقف تشريعي ومؤسسي حاسم: قانون واضح لا يقبل التأويل في تجريم العنف الأسري، مراجعة النصوص التي تُستغل لتبرير الاعتداء، شبكة إيواء حقيقية تغطي جميع المحافظات، وبرامج توعية تعيد تعريف مفهوم القوة داخل الأسرة على أساس الاحترام لا السيطرة.
الأرقام التي نقرأها ليست نهاية القصة، بل بدايتها. وإذا لم نواجه هذه الحقيقة بشجاعة، فإن الصمت لن يحمي أحداً، بل سيمنح العنف فرصة أخرى لينمو في الظل.