| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 20 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المبادرة؟
نوري حمدان
(موقع الناس)
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2025 حدثًا عابرًا في المسار السياسي العراقي، بل مثلت لحظة كاشفة لعمق الأزمة التي تعانيها القوى المدنية والديمقراطية، وفي القلب منها التيار الديمقراطي العراقي. فالإخفاق الانتخابي، مهما تنوّعت أسبابه وتداخلت عوامله، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد محطة عابرة أو نتيجة ظرفية، بل ينبغي النظر إليه بوصفه إنذارًا سياسيًا يستدعي وقفة جادة، لا للمراجعة الداخلية فحسب، بل لإعادة التفكير في طبيعة الدور المنتظر من هذا التيار في مرحلة شديدة التعقيد.
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في خسارة مقاعد أو تراجع تمثيل، بل في اتساع الفجوة بين الخطاب الديمقراطي وبين قطاعات واسعة من المجتمع، وفي تنامي شعور عام بأن البديل المدني، رغم وجاهته الأخلاقية والفكرية، ما زال عاجزًا عن التحول إلى قوة سياسية قادرة على التأثير وصناعة القرار. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل ما زال التيار الديمقراطي يتعامل مع السياسة بمنطق ردّ الفعل، أم أنه مستعد للانتقال إلى موقع المبادرة وصياغة مشروع وطني واضح المعالم؟
لقد اعتادت القوى الديمقراطية في العراق، خلال السنوات الماضية، أن تتموضع في خانة المراقب الناقد للمشهد، وهو دور مشروع ومهم، لكنه غير كافٍ في لحظة تتطلب مبادرات جريئة تتجاوز توصيف الأزمات إلى اقتراح مخارج واقعية لها. فالاكتفاء بتشخيص علل النظام السياسي، أو الاكتفاء برفض المحاصصة والفساد، لم يعد خطابًا مقنعًا لشارع يرزح تحت ثقل الأزمات المعيشية، ويبحث عن إجابات عملية لا عن شعارات أخلاقية فقط.
إن التيار الديمقراطي، بما يملكه من رصيد نضالي وفكري، مدعو اليوم إلى بلورة مبادرة سياسية جامعة تعبّر بوضوح عن موقفه من شكل الحكومة المقبلة، ومن طبيعة الإصلاح الممكن في ظل موازين القوى القائمة. فالمبادرة لا تعني القفز على الواقع، بل التعامل معه بوعي وشجاعة، وتقديم بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ، حتى وإن بدت صعبة أو مكلفة سياسيًا في المدى القصير.
ومن بين أبرز التحديات التي تواجه التيار، مسألة العمل المنفرد. فالتجربة أثبتت أن القوى المدنية، مهما كانت نزيهة ومخلصة، لا تستطيع بمفردها اختراق بنية سياسية شديدة التعقيد، تهيمن عليها تحالفات منظمة وموارد ضخمة وخطاب تعبوي واسع التأثير. إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تضخيم الذات، بل في بناء جبهة مدنية ديمقراطية واسعة، تقوم على برنامج مشترك واضح، وتحترم في الوقت نفسه استقلالية مكوناتها وتنوّع خلفياتها الفكرية والاجتماعية.
إن هذه الجبهة المنشودة لا ينبغي أن تكون تحالفًا انتخابيًا ظرفيًا، بل إطارًا سياسيًا - اجتماعيًا طويل النفس، يضم قوى يسارية ونقابية وشبابية ونسوية، ويعيد وصل السياسة بالمجتمع، لا بالصالونات النخبوية وحدها. فالديمقراطية لا تُبنى من فوق، بل تتجذر حين تشعر الفئات الاجتماعية المختلفة بأنها شريكة في صياغة المشروع، لا مجرد جمهور يُستدعى عند الانتخابات.
وفي سياق النقد المسؤول، لا يمكن تجاوز ملف الإخفاق الانتخابي دون قدر عالٍ من الشفافية مع الرأي العام. فالتقييم الداخلي، مهما كان صريحًا، يظل ناقصًا إن لم يتحول إلى تقرير علني يشرح للناس ما الذي جرى، وأين كانت نقاط الضعف، وكيف يمكن تلافيها مستقبلاً. إن الاعتراف بالأخطاء لا يُضعف التيار، بل يعزّز مصداقيته، ويعيد بناء الثقة مع جمهور فقد ثقته أصلًا بالسياسة والسياسيين.
كما أن الحديث عن الإصلاح يظل ناقصًا إذا لم يترافق مع مراجعة جدية للبناء التنظيمي للتيار. فالتنظيم ليس مسألة إدارية فحسب، بل شرط أساسي لأي حضور سياسي فاعل. إن تحديث التنسيقيات، واعتماد معايير موضوعية لاختيار قياداتها، وتفعيل اللجان التخصصية، وتوحيد الخطاب الإعلامي، كلها خطوات ضرورية لتحويل التيار من كيان مشتت الجهود إلى قوة منسجمة قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة واحدة واضحة.
غير أن التحدي الأهم، وربما الأكثر إلحاحًا، يتمثل في طبيعة الخطاب الموجّه إلى المجتمع. فالكثير من المواطنين لا يقيسون البرامج السياسية بمدى انسجامها النظري، بل بقدرتها على الإجابة عن أسئلة بسيطة ومباشرة: كيف سأعيش؟ هل ستبقى رواتبي؟ ماذا عن الخدمات؟ ماذا عن العمل؟ وهنا، يصبح لزامًا على التيار الديمقراطي أن يقدّم رؤية اقتصادية واقعية، تأخذ في الحسبان احتمالات تراجع أسعار النفط، وضغط الموازنة، ومحدودية الموارد، بدل الاكتفاء بشعارات عامة عن العدالة الاجتماعية.
إن الدفاع عن دولة المواطنة والعدالة لا يتحقق عبر خطاب معقّد أو مصطلحات نخبوية، بل عبر لغة واضحة ومباشرة تلامس هموم الناس اليومية، وتربط بين الديمقراطية وبين تحسين شروط الحياة. فالديمقراطية، في وعي المواطن البسيط، ليست قيمة مجردة، بل وسيلة للعيش الكريم.
في المحصلة، يقف التيار الديمقراطي العراقي اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن يكتفي بدور الضمير الناقد، وهو دور نبيل لكنه محدود الأثر، أو أن يخوض مغامرة المبادرة، بكل ما تحمله من مخاطر وتحديات، ليصبح مشروعًا سياسيًا قادرًا على المنافسة والتأثير. إن اللحظة، رغم قسوتها، تحمل فرصة نادرة لإعادة التموضع، شرط امتلاك الشجاعة الفكرية والسياسية للاعتراف، والمراجعة، والانفتاح على المجتمع لا الاحتماء بالنخبة.
إن الرهان على القوى المدنية والديمقراطية سيظل قائمًا ما دامت قادرة على تجديد نفسها، وعلى تحويل النقد إلى فعل، والهزيمة إلى درس، والخيبة إلى أفق جديد.
إن تحويل هذه الرؤية إلى مسار فعلي لا يحتمل مزيدًا من التأجيل. ففي الأيام القليلة المقبلة، يصبح مطلوبًا من التيار الديمقراطي أن يخطو خطوات عملية واضحة، تبدأ بإعلان مبادرة سياسية مختصرة ومعلنة للرأي العام، تحدد موقفه من تشكيل الحكومة المقبلة، وترسم خطوطه الحمراء في ما يتعلق بالمحاصصة والسلاح والفساد، دون مواربة أو غموض. فالصمت أو الانتظار في هذه اللحظة لا يُفسَّر حكمة، بل يُقرأ تراجعًا عن الدور.
وبالتوازي، تبرز الحاجة إلى الدعوة العاجلة لحوار مفتوح مع القوى المدنية والديمقراطية خارج أطر الاجتماعات المغلقة، حوار يُدار بشفافية، ويهدف إلى بلورة برنامج مشترك أولي، لا تحالف انتخابي مؤجل. إن مجرد إطلاق هذا الحوار، حتى قبل اكتماله، سيعيد للتيار موقعه بوصفه قوة جامعة لا طرفًا منغلقًا على ذاته.
كما أن من الضروري أن يُصار خلال فترة قصيرة إلى تقديم تقرير علني مختصر عن تجربة الانتخابات الأخيرة، يضع الحقائق أمام الناس بلا تبرير ولا جلد ذات، ويعلن بوضوح ما الذي سيتغير في أسلوب العمل والتنظيم والخطاب. فالناس لا تنتظر الكمال، لكنها تنتظر الصدق.
وفي الميدان الاجتماعي، لا يقلّ أهمية أن يبدأ التيار فورًا بالظهور المنظم في القضايا المعيشية الملحّة، عبر بيانات محددة، ومواقف عملية، ومخاطبة مباشرة للشارع حول الرواتب والخدمات والاقتصاد، لا بوصفه معارضًا دائمًا، بل بوصفه شريكًا في البحث عن حلول، حتى من خارج السلطة.
بهذه الخطوات البسيطة في شكلها، العميقة في دلالتها، يمكن للتيار الديمقراطي أن يبعث رسالة واضحة مفادها أن الهزيمة الانتخابية لم تكن نهاية الطريق، بل بداية مراجعة جدية ومسار جديد. فالسياسة لا تُقاس بعدد المقاعد فقط، بل بالقدرة على المبادرة حين يتراجع الآخرون، وبالاقتراب من الناس حين تبتعد النخب، وبالوضوح حين يسود الالتباس.