| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 21 / 4 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
العراق يواجه تعقيدات داخلية وضغوطاً إقليمية متصاعدة، تعرقل تشكيل الحكومة وتزيد هشاشة التوازنات، ما يفرض تحدي تحقيق الاستقرار عبر سياسة متوازنة داخلياً وخارجياً.
العراق بين تعقيدات الداخل وضغوط الإقليم: توازنات هشة في لحظة مفصلية
نوري حمدان
(موقع الناس)
يشهد العراق اليوم مرحلة دقيقة تتقاطع فيها أزماته الداخلية مع تحولات إقليمية متسارعة، ما يجعله في قلب معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد، وتفرض عليه تحديات تتجاوز حدوده الجغرافية. فبين تعثر تشكيل الحكومة، وضيق المهل الدستورية، وتصاعد التوترات في المنطقة، يبدو المشهد العراقي وكأنه انعكاس مباشر لحالة السيولة الإقليمية التي لم تستقر بعد على معادلة واضحة.
في الداخل، ما تزال القوى السياسية العراقية تواجه صعوبة في حسم ملف تشكيل الحكومة، رغم تضييق دائرة الترشيحات واقتراب انتهاء المدة الدستورية. هذا التعثر لا يمكن فصله عن حجم الانقسام السياسي وتباين الرؤى بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، فضلاً عن ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق القوى الفاعلة في اختيار شخصية قادرة على إدارة ملفات معقدة ومتداخلة.
هذا التأجيل، وإن بدا في ظاهره مرتبطاً بالخلافات الداخلية، إلا أنه في عمقه يعكس أيضاً تأثر القرار السياسي العراقي بالبيئة الإقليمية المحيطة. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي، لا يتحرك بمعزل عن التوازنات بين القوى الكبرى في المنطقة، خصوصاً في ظل التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي يضع بغداد في موقع حساس بين طرفين يمتلكان نفوذاً واسعاً داخل أراضيه.
التوتر الأميركي الإيراني، الذي يتجلى في التهديدات المتبادلة واحتمالات انهيار الهدنة، يفرض ضغطاً مباشراً على الساحة العراقية. فالعراق ليس فقط ساحة محتملة لتصفية الحسابات، بل أيضاً طرف متأثر بأي تصعيد قد يطال الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، ما ينعكس بدوره على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وبالتالي على الاقتصاد العراقي المعتمد بشكل كبير على النفط.
وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات الجارية أو المرتقبة بين واشنطن وطهران، رغم هشاشتها، عاملاً مؤثراً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة في العراق. فنجاح هذه المفاوضات قد يفتح المجال أمام تهدئة نسبية تسمح للقوى السياسية العراقية بالتحرك بحرية أكبر، بينما فشلها قد يدفع باتجاه مزيد من الاستقطاب الداخلي، ويزيد من صعوبة التوافق على حكومة مستقرة.
إلى جانب ذلك، فإن التوترات الإقليمية لا تقتصر على العلاقة الأميركية الإيرانية، بل تمتد إلى ملفات أخرى، أبرزها الوضع في لبنان، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق البلاد إلى مواجهة واسعة، في ظل انقسام داخلي حاد وتداخل حسابات القوى الإقليمية. هذا المشهد يعكس نمطاً متكرراً في المنطقة، حيث تتحول الدول ذات البنية الهشة إلى ساحات صراع غير مباشر، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول مدى قدرة العراق على تجنب السيناريو ذاته.
العراق، الذي عانى لسنوات من تداعيات الصراعات الإقليمية، يدرك أن أي انفجار في الساحة اللبنانية أو تصعيد في الخليج قد ينعكس عليه بشكل مباشر. فالتشابك الأمني والسياسي بين دول المنطقة يجعل من الصعب عزل أي أزمة عن محيطها، خاصة في ظل وجود فاعلين غير دولتيين يرتبطون بمحاور إقليمية متعددة.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار التوتر في الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، يضيف بعداً اقتصادياً للأزمة. فالعراق، رغم امتلاكه موارد نفطية كبيرة، يعتمد بشكل أساسي على استقرار الأسواق العالمية لتصريف إنتاجه، وأي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في تكاليف النقل قد يؤثر سلباً على عائداته المالية، وبالتالي على قدرته في إدارة الشأن الداخلي.
هذا الواقع يفرض على العراق تحدياً مزدوجاً: كيف يمكنه تحقيق الاستقرار الداخلي في ظل بيئة إقليمية مضطربة؟ وكيف يمكنه الحفاظ على توازن علاقاته الخارجية من دون الانحياز إلى محور على حساب آخر؟
الإجابة على هذا السؤال تكمن إلى حد كبير في طبيعة الحكومة المقبلة. فالعراق بحاجة إلى حكومة كاملة الصلاحيات، تمتلك رؤية واضحة لإدارة التوازنات الداخلية والخارجية، وقادرة على اتخاذ قرارات حاسمة في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
لكن الوصول إلى هذه الحكومة ليس بالأمر السهل، في ظل استمرار الخلافات بين القوى السياسية، وتباين أولوياتها، فضلاً عن الضغوط الزمنية المرتبطة بالمهل الدستورية. فكل يوم تأخير لا يعني فقط إطالة أمد حكومة تصريف الأعمال، بل أيضاً زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع ثقة الشارع في قدرة النظام السياسي على إنتاج حلول.
ومن جهة أخرى، فإن المجتمع العراقي، الذي يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية متزايدة، لم يعد يحتمل مزيداً من التعطيل السياسي. فالأزمات المتراكمة، من البطالة إلى ضعف الخدمات، تتطلب استجابة سريعة وفعالة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل غياب حكومة قوية ومستقرة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن العراق يقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقواه السياسية، بل أيضاً لقدرة نظامه السياسي على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية. فإما أن تنجح هذه القوى في تجاوز خلافاتها وتشكيل حكومة قادرة على إدارة المرحلة، أو أن يستمر التعثر، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية وتعقيد المشهد.
على المستوى الإقليمي، تبدو الصورة أكثر ضبابية. فالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ما تزال غير مستقرة، والتهديدات العسكرية لم تختفِ، فيما تستمر الوساطات الدولية في محاولة احتواء التصعيد. في المقابل، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة النزاع، خاصة في ظل وجود ملفات مفتوحة في أكثر من ساحة، من الخليج إلى بلاد الشام.
هذه المعطيات تضع العراق في موقع حساس، حيث لا يملك ترف الانتظار أو الحياد الكامل، بل يحتاج إلى سياسة خارجية متوازنة، قادرة على حماية مصالحه من دون الانخراط في صراعات الآخرين.
في المحصلة، يمكن القول إن الوضع العراقي اليوم هو نتاج تفاعل معقد بين الداخل والخارج، حيث تتداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية في تشكيل مشهد لا يخلو من المخاطر، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من الفرص. فالعراق، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وموارد بشرية وطبيعية، قادر على لعب دور إيجابي في المنطقة، إذا ما تمكن من تحقيق الاستقرار الداخلي وتبني سياسة خارجية متوازنة.
لكن ذلك يبقى مرهوناً بقدرة القوى السياسية على إدراك حجم التحديات، والتحرك بسرعة وحكمة لتجاوز المرحلة الحالية، قبل أن تتحول الضغوط الإقليمية إلى أزمات داخلية يصعب احتواؤها.