|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  22 / 4 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يناقش المقال أزمة اختيار رئيس الحكومة في العراق، منتقداً هيمنة التوافقات الضيقة، ومؤكداً ضرورة ترسيخ الديمقراطية والدولة المدنية واحترام إرادة الناخبين والمؤسسات الدستورية الشرعية

الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب

نوري حمدان
(موقع الناس)

في خضمّ هذا الحراك السياسي المتسارع، تبدو مسألة اختيار رئيس الحكومة الجديدة في العراق وكأنها مرآة عاكسة لأزمة أعمق من مجرد خلاف على الأسماء. هي أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التمثيل الديمقراطي في ظل هيمنة التوافقات الضيقة. وقد جاءت متابعتي لحلقة برنامج الحق يقال الذي يقدمه الزميل عدنان الطائي لتكشف جانباً إضافياً من هذه الإشكالية، وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة المدنية في العراق.

ما طرحه السياسي قصي محبوبة، بشأن مقترح تصويت نواب الإطار التنسيقي على اختيار رئيس الوزراء، يبدو للوهلة الأولى خطوة تنظيمية تهدف إلى حسم الخلافات الداخلية. غير أن التدقيق في هذا الطرح يكشف أنه يعيد إنتاج الأزمة نفسها ولكن بأدوات مختلفة. فبدلاً من توسيع دائرة القرار لتشمل الإرادة الشعبية ومخرجات العملية الانتخابية، يجري حصره داخل إطار سياسي مغلق، يفتقر في كثير من الأحيان إلى الشفافية والمساءلة.

إن الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد آلية تصويت داخل تحالفات سياسية، بل هي منظومة قيم تقوم على التعددية، واحترام إرادة الناخب، والفصل بين السلطات، وضمان التداول السلمي للسلطة. وعندما تتحول عملية اختيار رئيس الحكومة إلى شأن داخلي بين قوى محددة، فإن ذلك يعني عملياً تقليص دور المواطن، وتحويله إلى متفرج على صراعات النخب.

من جهة أخرى، تبرز ملاحظات الدكتور إياد العنبر لتسلط الضوء على مفارقة خطيرة: اجتماعات الإطار التنسيقي تجري بمعزل عن مسارات أخرى تهدف إلى الحفاظ على المكاسب الاقتصادية. هذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً، بل تكشف عن تداخل معقد بين السياسة والاقتصاد، حيث تتحول السلطة إلى وسيلة لحماية المصالح، بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الصالح العام.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات النظام السياسي العراقي في مرحلته الراهنة: غياب المعايير الواضحة في اختيار القيادات. فعندما يتساءل العنبر عن معايير ترشيح بعض الشخصيات، ويصل إلى حد القول إن "لم يعد هناك معنى للانتخابات"، فإن ذلك يعكس حالة من فقدان الثقة في العملية السياسية برمتها. هذه الثقة، إذا ما انهارت، فإنها تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي.

أما الحديث عن "مرشح التسوية"، الذي حذر منه محبوبة، فهو بدوره يحمل دلالة مزدوجة. فمن جهة، يعكس إدراكاً لخطورة اختيار شخصية لا تحظى بقبول واسع، ومن جهة أخرى، يكشف عن عجز القوى السياسية عن التوافق على مشروع وطني جامع. فالتسوية، في السياق الديمقراطي، ينبغي أن تكون نتاج حوار شفاف ومبني على برامج واضحة، لا مجرد صفقة سياسية تهدف إلى تقاسم النفوذ.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي الذي أشار إليه بعض المتحدثين، ولاسيما ما يتعلق بالصراع الأميركي الإيراني. صحيح أن العراق يتأثر بهذا الصراع بحكم موقعه الجيوسياسي، لكن تحويل هذا العامل إلى مبرر للاستعجال في اتخاذ قرارات مصيرية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فبناء الدولة لا يتم تحت ضغط الزمن أو التوازنات الخارجية، بل عبر ترسيخ مؤسسات قوية وقادرة على الصمود.

من زاوية أخرى، يثير الحديث عن "انتعاش المكاتب الاقتصادية" خلال فترة الحكومة الحالية تساؤلات جدية حول طبيعة إدارة الموارد في الدولة. فإذا كانت هذه المكاتب تمثل واجهات لمصالح حزبية أو فئوية، فإن استمرارها يعني تكريس نموذج اقتصادي غير شفاف، يعيق التنمية الحقيقية، ويعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

إن الدولة المدنية التي ننشدها لا يمكن أن تقوم على أساس المحاصصة أو التوازنات الهشة، بل تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. وهذا يتطلب، أولاً، الاعتراف بالأخطاء، وهو ما أشار إليه العنبر حين تحدث عن عدم اعتراف منظومة الإطار بأخطائها. فالمراجعة النقدية هي شرط أساسي لأي عملية إصلاح حقيقية.

كما يتطلب الأمر، ثانياً، إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، بحيث يكون الانتماء إلى الدولة فوق أي انتماء آخر. وهذا لا يتحقق إلا عبر قوانين عادلة، ومؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، وإعلام حر قادر على كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين.

من هنا، فإن الجدل الدائر حول اختيار رئيس الحكومة يجب ألا يُختزل في صراع أسماء أو تحالفات، بل ينبغي أن يكون فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى: ما هو شكل الدولة التي نريدها؟ ما هي المعايير التي يجب أن تحكم اختيار قياداتها؟ وكيف يمكن ضمان أن تكون هذه القيادات معبرة عن إرادة الشعب، لا عن مصالح ضيقة؟

لقد أظهرت حلقة "الحق يقال" أن الأزمة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية لتبني حلول جذرية. وبينما تستمر القوى السياسية في إدارة خلافاتها داخل غرف مغلقة، يبقى المواطن العراقي ينتظر دولة تحترم صوته، وتلبي تطلعاته، وتؤمن له حياة كريمة.

إن مستقبل العراق لا يتوقف على اسم رئيس الحكومة بقدر ما يتوقف على طبيعة النظام الذي ينتجه. فإذا استمرت الآليات الحالية في إنتاج الأزمات، فإن تغيير الوجوه لن يكون كافياً. أما إذا تم تبني نهج إصلاحي حقيقي، قائم على الديمقراطية والحريات والدولة المدنية، فإن الأمل يظل قائماً في بناء عراق يستحقه أبناؤه.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter