|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  25 / 12 / 2025                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يتناول المقال أزمة توقف تصدير الغاز الإيراني إلى العراق، بوصفها كاشفًا لاختلالات هيكلية مزمنة في قطاع الطاقة. ويطرح تساؤلات جوهرية حول غياب الحلول الوطنية، وتداعيات فقدان الكهرباء على الاقتصاد والموازنة والخدمات، وسط شكوك باستمرار ترحيل الأزمة وغياب الإرادة السياسية لمعالجتها جذريًا.

كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة

نوري حمدان
(موقع الناس)

مرة أخرى، يجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد مألوف يتكرر كل شتاء وصيف تقريبًا: تراجع ساعات التجهيز بالكهرباء بسبب توقف أو تقليص إمدادات الغاز الإيراني، وكأن هذا القطاع الحيوي كُتب عليه أن يبقى رهينة قرار خارجي لا يخضع لحسابات الداخل ولا لاحتياجات المواطنين. السؤال لم يعد لماذا تتوقف الإمدادات، بل إلى متى سيبقى العراق عاجزًا عن فك هذا الارتهان، في ظل غياب حلول داخلية جذرية تضع حدًا لأزمة مزمنة تحولت إلى جزء من الحياة اليومية.

إن استمرار اعتماد منظومة الكهرباء العراقية على الغاز المستورد يكشف خللًا بنيويًا عميقًا في إدارة ملف الطاقة. فعلى الرغم من مرور سنوات طويلة على الحديث عن خطط الاكتفاء الذاتي واستثمار الموارد الوطنية، ما زالت الحكومات المتعاقبة تكتفي بإدارة الأزمة بدل حلها. ومع كل توقف مفاجئ، تتبخر الوعود، وتُستعاد اللغة ذاتها: أعطال فنية طارئة، ظروف خارجة عن الإرادة، وحلول مؤقتة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي.

الأكثر إثارة للتساؤل أن العراق، وهو من أكثر دول العالم حرقًا للغاز المصاحب، يقف عاجزًا عن استثماره محليًا لتشغيل محطاته الكهربائية. هذا التناقض الصارخ لا يمكن تبريره بعوامل تقنية فقط، بل يعكس سنوات من سوء التخطيط، وضعف الحوكمة، وتعثر المشاريع، وغياب الإرادة السياسية الحقيقية لتحويل الغاز من مشكلة بيئية واقتصادية إلى فرصة سيادية. مليارات الأمتار المكعبة من الغاز تُحرق سنويًا في الحقول، فيما تُنفق مليارات أخرى على الاستيراد، في معادلة لا تخدم سوى استمرار الهدر.

وفي كل مرة يتوقف فيها الغاز الإيراني، يُطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام أزمة فنية عابرة، أم أمام ورقة ضغط سياسية واقتصادية تُستخدم عند كل منعطف حساس؟ تكرار التوقف، وتزامنه في الغالب مع استحقاقات مالية أو ضغوط إقليمية ودولية، يجعل من الصعب الفصل بين الفني والسياسي. النتيجة واحدة في كل الأحوال: عراق مكشوف طاقيًا، واقتصاد هش، ومواطن يدفع الثمن.

فقدان أكثر من أربعة آلاف ميغاواط من الطاقة الكهربائية خلال ذروة الأحمال الشتوية لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بتداعياته الواسعة على الاقتصاد والمجتمع. مصانع تتوقف، خدمات تتراجع، إنفاق إضافي على المولدات والبدائل المكلفة، وضغط متزايد على الفئات محدودة الدخل. وفي المقابل، تبدو جاهزية الخطط الحكومية محدودة، إذ تركز في الغالب على إجراءات إسعافية لا تعالج جوهر المشكلة ولا تقلل الاعتماد على مصدر خارجي واحد.

ولا تقف آثار الأزمة عند حدود اللحظة الراهنة، بل تمتد إلى المستقبل القريب، ولا سيما موازنة عام 2026، التي ستتحمل أعباء إضافية نتيجة زيادة كلفة الاستيراد، أو تمويل حلول طارئة، أو تعويض خسائر اقتصادية ناجمة عن تعطل النشاط الإنتاجي. الحكومة القادمة ستواجه اختبارًا صعبًا في قدرتها على توفير الخدمات الأساسية، في ظل موارد مالية محدودة وتوقعات شعبية لا تقبل المزيد من الأعذار.

يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: هل تمتلك الحكومة المقبلة إرادة سياسية واقتصادية لمعالجة أزمة الطاقة معالجة هيكلية؟ أم أن الملف سيظل مرحّلًا من حكومة إلى أخرى، تُستهلك فيه التصريحات وتُؤجل فيه القرارات الصعبة؟ ما لم يُتخذ قرار سيادي شجاع باستثمار الغاز الوطني، وتنويع مصادر الطاقة، وبناء سياسة طاقة مستقلة، فإن أزمة الكهرباء ستبقى عنوانًا دائمًا للفشل، وسيبقى الغاز الإيراني - أو أي بديل خارجي - مفتاح العتمة في بلد يفترض أن يكون غنيًا بنوره.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter