| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 26 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يشهد العراق جدلاً متجدداً حول إقليم البصرة بين من يراه فرصة لإنصاف محافظة غنية مهمَّشة، ومن يحذّر من مخاطره السياسية والاقتصادية. وبين الطموح المحلي والحسابات الوطنية والإقليمية، يبقى المشروع اختباراً حساساً لشكل الدولة وعدالة إدارة الثروة.
إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
نوري حمدان
(موقع الناس)
عاد الجدل في العراق إلى الواجهة حول مشروع إعلان البصرة إقليماً اتحادياً، في لحظة سياسية واجتماعية حساسة تتقاطع فيها المطالب الخدمية مع أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة، وحدود المركزية، وعدالة توزيع الثروة. هذا الجدل، الذي يتجدد كلما تصاعد الإحباط الشعبي في المحافظة، لم يعد مجرد نقاش إداري، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لشكل العلاقة بين المركز والمحافظات الغنية بالموارد.
أنصار فكرة الإقليم يرون فيها استجابة متأخرة لحالة تهميش مزمنة، ويستندون إلى حقيقة أن البصرة، رغم كونها المنفذ البحري الأهم ومركز الثقل النفطي، ما زالت تعاني من اختناقات خدمية وبنى تحتية متهالكة، الأمر الذي يعزز قناعتهم بأن إدارة الموارد محلياً قد تكون أكثر كفاءة وقدرة على تلبية احتياجات السكان. ويذهب هؤلاء إلى أن الدستور أتاح هذا الخيار صراحة، وأن الفيدرالية، إذا ما طُبّقت ضمن إطار قانوني واضح، لا تعني الانفصال بقدر ما تعني إعادة تنظيم العلاقة مع المركز بما يضمن العدالة والتوازن.
في المقابل، يعبّر معارضو المشروع عن مخاوف لا تقل وجاهة، محذرين من أن يتحول الإقليم إلى ساحة صراع سياسي واقتصادي، تُعاد فيها إنتاج الأزمات ذاتها لكن بواجهات محلية. ويخشى هؤلاء من استغلال فكرة الإقليم للسيطرة على واردات البصرة ومواردها المالية، أو تحويلها إلى ورقة ضغط في الصراعات بين القوى السياسية، فضلاً عن القلق من أن يفتح المشروع الباب أمام مزيد من الانقسامات في بلد لم يتعافَ بعد من آثار الانسداد السياسي وضعف الثقة بين مكوناته.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن بعده السياسي الوطني الأوسع، إذ يُقرأ مشروع الإقليم لدى بعض القوى بوصفه إعادة رسم غير مباشرة لتوازنات السلطة داخل الدولة، في وقت يشهد فيه النظام السياسي هشاشة واضحة وتنافساً محتدماً بين مراكز النفوذ. كما تتقاطع هذه الدعوات مع حساسيات إقليمية ودولية مرتبطة بالطاقة والموانئ والممرات الاقتصادية، ما يجعل أي تحوّل في إدارة البصرة موضع اهتمام يتجاوز الحدود الداخلية. وفي هذا السياق، يزداد القلق من أن يتحول المشروع، إذا لم يُحاط بإجماع وطني ورؤية سيادية واضحة، إلى عامل جذب لتدخلات أو اصطفافات خارجية تُثقل المشهد بدلاً من أن تسهم في استقراره.
وبين هذين المستويين، المحلي والدولي، يبرز رأي أكثر حذراً يرى أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في شكل النظام الإداري بقدر ما تكمن في غياب الحوكمة الرشيدة، واستمرار الفساد، وضعف التخطيط والرقابة. فالإقليم، وفق هذا المنظور، ليس حلاً سحرياً، بل خياراً معقداً يحتاج إلى إجماع شعبي حقيقي، وخطة اقتصادية وإدارية واضحة، وضمانات دستورية تمنع اختزاله في إطار شعاراتي أو توظيفه لمصالح ضيقة.
هكذا، تبدو قضية إقليم البصرة اليوم مرآة لأزمة أوسع يعيشها العراق، حيث تتقاطع طموحات المحافظات مع هشاشة الدولة، وتتصادم الرغبة في اللامركزية مع هواجس التفكك والتدويل. وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكون الإقليم مدخلاً لإعادة التوازن وإنصاف محافظة أنهكتها الوعود، أم محطة جديدة في مسار الجدل العراقي المفتوح على كل الاحتمالات؟