| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 2 / 1 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يناقش المقال مفارقة الاحتفال برأس السنة في العراق، حيث يتحول الفرح إلى فوضى وعنف. حرق مدرسة وإصابات الألعاب النارية يكشفان خللاً ثقافياً أعمق في فهم الفضاء العام والقانون. النص يدعو لإعادة تعريف الفرح بوصفه وعياً ومسؤولية، لا خرقاً للنظام ولا تهديداً للحياة.
رأس سنة.. بنيران مفتوحة
نوري حمدان
(موقع الناس)
في كل مرة نحتفل فيها بقدوم عام جديد، نصرّ في العراق على أن نستقبله بالضجيج أكثر مما نستقبله بالأمل، وبالنار أكثر مما نستقبله بالضوء. ليلة رأس السنة، التي يُفترض أن تكون فاصلاً رمزياً بين ما مضى وما نرجو أن يأتي، تحوّلت مجدداً إلى مرآة تعكس اختلالاً أعمق في علاقتنا مع الفرح، ومع القانون، ومع الفضاء العام.
أن تُحرق مدرسة في بغداد، إعدادية تحمل اسم ابن خلدون، لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثاً عابراً أو "سلوكاً فردياً" خرج عن السيطرة. المدرسة ليست مبنىً من طابوق وأثاث، بل رمز لمعنى الدولة حين تحاول أن تستثمر في المستقبل. وحين تمتد يد التخريب إلى مؤسسة تربوية في ليلة احتفال، فذلك يعني أن الفوضى لم تعد تكتفي بالشارع، بل صارت تتجرأ على المعنى نفسه.
وفي المقابل، تكشف أرقام وزارة الصحة عن وجه آخر من المشهد ذاته: مئات الإصابات بين ألعاب نارية، وطلقات حية، وحوادث سير. أرقام باردة في بيانات رسمية، لكنها في الواقع أجساد محترقة، وأعين أُصيبت، وعائلات أمضت أول أيام العام الجديد في طوارئ المستشفيات. السؤال هنا ليس كم إصابة سُجّلت، بل لماذا ما زلنا نخلط بين الفرح وإطلاق النار، وبين الاحتفال وتعريض حياة الآخرين للخطر؟
اللافت أن المشهدين، حريق المدرسة وسيل الإصابات، يجتمعان في لحظة زمنية واحدة، وتحت عنوان واحد: الاحتفال. وهذا ما يستدعي وقفة صريحة. فالمشكلة لم تعد في الألعاب النارية وحدها، ولا في ضعف الردع فحسب، بل في ثقافة عامة ترى في خرق النظام تعبيراً عن الفرح، وفي التعدي على الفضاء المشترك ممارسة "عادية" لا تستوجب المراجعة.
صحيح أن الجهات الأمنية تدخلت، وأن المتسببين بحريق المدرسة أُلقي القبض عليهم، وصحيح أن وزارة التربية طمأنت إلى سلامة السجلات، لكن الأسئلة الأهم تبقى معلّقة: كيف نمنع تكرار المشهد؟ وكيف نعيد تعريف الفرح بوصفه قيمة إنسانية لا خطراً عاماً؟
رأس السنة ليس اختباراً للأمن فقط، بل اختبار للوعي. وإذا كنا نريد عاماً جديداً مختلفاً، فربما علينا أن نبدأ بتغيير الطريقة التي نحتفل بها، قبل أن نواصل عدّ الحرائق والإصابات، سنة بعد أخرى، بالبيانات نفسها، والأسف نفسه.