| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 2 / 2 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول المقال إطار النمو الأخضر في العراق بوصفه اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل الطموح البيئي إلى سياسة عامة قابلة للتنفيذ. ويناقش التحديات البنيوية بين الاقتصاد النفطي والانتقال العادل، محذرًا من بقاء الرؤى الاستراتيجية حبيسة الوثائق ما لم تُترجم إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
العراق بين وعد الخُضرة وامتحان الدولة
نوري حمدان
(موقع الناس)
في بلدٍ اعتاد أن يقيس نموّه ببراميل النفط، يأتي الحديث عن "نمو أخضر" كاختبارٍ مزدوج: اختبار للخيال السياسي، واختبار لصلابة الدولة. فالإطار الوطني للنمو الأخضر لا يقدّم مجرد وثيقة تقنية بلسان بيئي أنيق، بل يضع العراق أمام سؤالٍ قاسٍ ومباشر: هل نملك القدرة على تحويل الطموح إلى سياسة، والسياسة إلى نتائج ملموسة في حياة الناس؟
من حيث الفكرة، لا خلاف على وجاهة المسار. العراق يواجه مزيجًا نادرًا من الضغوط: ندرة مياه تتفاقم، أراضٍ تُستنزف، مدنٌ تتوسع بلا تخطيط كافٍ، واقتصادٌ رهين موردٍ واحد يتأرجح مع الأسواق. في هذا السياق، يبدو الانتقال نحو نموذج تنموي مستدام ومنخفض الكربون خيارًا عقلانيًا لا ترفًا أخلاقيًا. لكن العقلانية وحدها لا تصنع التحول، ما لم تُسند بإرادة سياسية متماسكة وبنية مؤسسية قادرة على التنفيذ.
الإطار يَعِد بالكثير: حوكمة تمكينية، تمويل مناخي، مؤسسات متكاملة، وقدرات مبتكرة. غير أن هذه المفردات، على أناقتها، هي ذاتها التي ازدحمت بها استراتيجيات سابقة انتهت إلى رفوف الأرشيف. التحدي الحقيقي ليس في صياغة الرؤية، بل في كسر الحلقة المزمنة بين التخطيط والتنفيذ. فالدولة التي تسعى إلى اقتصاد دائري، تحتاج أولًا إلى إدارة عامة دائرها مغلق على المحاسبة والشفافية، لا مفتوح على التداخل والازدواجية.
ثمّة مفارقة لا يمكن تجاوزها: كيف لعراقٍ يعتمد ماليًا على الوقود الأحفوري أن يقود انتقالًا منخفض الكربون من دون أن يُحدث صدمة اجتماعية؟ هنا تبرز فكرة "الانتقال العادل" بوصفها حجر الزاوية. فالنمو الأخضر إن لم يُترجم إلى فرص عمل حقيقية، وإلى حماية للفئات الأكثر هشاشة (الشباب، النساء، المزارعين، والمجتمعات المتضررة) سيتحول من مشروع إنقاذ إلى سببٍ جديد للاحتقان. العدالة ليست ملحقًا تجميليًا في هذا المسار؛ إنها شرط الاستدامة السياسية قبل البيئية.
الرهان على التمويل المناخي بدوره سلاحٌ ذو حدّين. من جهة، يفتح أبوابًا للاستثمار ونقل التكنولوجيا، ومن جهة أخرى يضع الدولة أمام اختبار السيادة في تحديد الأولويات. ليس المطلوب أن يُملى على العراق ما يجب أن يزرع أو كيف يبني مدنه، بل أن يمتلك القدرة التفاوضية والمعرفية لتحويل الالتزامات الدولية إلى حلول محلية قابلة للحياة. فالسياسات المستوردة، مهما حسنت نواياها، تفشل حين لا تُترجم إلى واقع اجتماعي واقتصادي مفهوم للمواطن.
وإذا كان الإطار يمدّ الأفق حتى عام 2050، فإن السياسة تُقاس بالمدى القريب أيضًا. المواطن الذي يواجه شحّ الماء وانقطاع الكهرباء لن ينتظر عقودًا ليرى ثمار التحول. من هنا، تصبح القطاعات ذات الأثر السريع (الطاقة، المياه، النقل الحضري) مختبرًا حقيقيًا لصدقية المشروع. نجاحٌ ملموس في هذه المجالات سيمنح الفكرة شرعية شعبية، أما الإخفاق فسيُعيدها إلى خانة الوعود المؤجلة.
النمو الأخضر ليس وصفة تقنية بقدر ما هو عقد اجتماعي جديد. عقدٌ يعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والبيئة، وبين الدولة والمجتمع. العراق أمام فرصة نادرة لإعادة بناء نموّه على أسس أكثر توازنًا، لكن الفرص لا تتحقق بالنوايا وحدها. الامتحان يبدأ حين تتحول الرؤية إلى قرارات صعبة، وحين تُقاس السياسات لا بما كُتب عنها، بل بما غيّرته على الأرض. عندها فقط سنعرف إن كان وعد الخُضرة بداية طريق، أم فصلًا آخر في كتاب الخطط المؤجلة.