| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الجمعة 30 / 1 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول هذا المقال إشكالية تحميل الشعب العراقي تبعات أخطاء القوى السياسية منذ عام 2003، في ظل صراعات حزبية وتدخلات خارجية وغياب رؤية اقتصادية واضحة. ويطرح تساؤلًا جوهريًا حول غياب المحاسبة واستمرار المواطن بدفع ثمن الفشل السياسي المتكرر.
لماذا يدفع الشعب ثمن أخطاء الساسة؟
نوري حمدان
(موقع الناس)
منذ عام 2003 وحتى اليوم، يجد الشعب العراقي نفسه في موقع الضحية الدائمة لأخطاء القوى السياسية، تلك الأخطاء التي ارتُكبت، وما تزال، بمعزل كامل عن الإرادة الشعبية، سواء على المستوى السياسي الداخلي والخارجي، أو الأمني، أو الاقتصادي. وفي كل مرة تقع فيها أزمة، يكون الشعب هو الطرف الذي يُطلب منه تحمّل النتائج، بينما يتنصل الفاعلون الحقيقيون من المسؤولية.
الأحزاب والقوى الحاكمة أدارت البلاد طوال هذه السنوات بعقلية الصراع لا الشراكة، وبمنطق الغنيمة لا الدولة. وحين تتفاقم الأزمات نتيجة سياساتها الخاطئة، تبحث عن مخارج ترقيعية مؤقتة، ثم تعود لتمنّ على الشعب بأنها أنقذته من كارثة، وكأن الشعب هو من أخطأ، لا من حكم وأدار واتخذ القرار.
منذ 2003، شهدت العملية السياسية صراعات حادة بين القوى والأحزاب، صراعات لم يكن للشعب فيها لا ناقة ولا جمل، لكنها كانت كوارثها تسقط مباشرة على حياة الناس وأمنهم واستقرارهم. وقد بلغ ثمن هذه الصراعات ذروته عندما سيطرت الجماعات المتطرفة على ما يقرب من ثلث مساحة العراق، نتيجة الفشل السياسي والأمني. ومع ذلك، وبعد أن دفع الشعب دمًا وخرابًا ونزوحًا، خرج السياسيون ليتباهوا بأنهم من "أنقذ العراق"، متجاهلين أن سياساتهم كانت السبب الأول فيما حدث.
وعلى الصعيد الخارجي، أذعنت القوى السياسية منذ 2003 للتدخلات الإقليمية والدولية، وبات كل طرف يستقوي بالخارج على خصومه في الداخل، حتى تحوّل العامل الخارجي إلى لاعب أساسي في الشأن العراقي. وعندما تتعارض نتائج هذا التدخل مع المصلحة الوطنية، يُطلب من الشعب أن يدفع الثمن تحت شعار "الدفاع عن السيادة"، في حين أن السيادة نفسها كانت أول ما جرى التفريط بها على طاولات المصالح الحزبية.
أما اقتصاديًا، فقد أُديرت الدولة من دون رؤية أو برنامج اقتصادي واضح، وتحوّل الفساد إلى ظاهرة مستشرية في مفاصلها كافة. وتعاملت الحكومات المتعاقبة مع ثروة النفط بوصفها بقرة حلوب تدر خيرها على الطبقة السياسية وشبكاتها، بينما لا يصل إلى المواطنين سوى الفتات. وكلما تراجعت أسعار النفط عالميًا، سارعت الحكومات إلى تحميل الشعب تبعات الأزمة من قوته ومعيشته. أما حين ترتفع الأسعار، فإن عوائدها لا تنعكس على حياة الناس، بل تذهب لتغذية شبكات النفوذ نفسها التي تعيد إنتاج ذات الوجوه في كل دورة انتخابية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى يبقى الشعب هو من يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها؟ وإلى متى تستمر القوى السياسية في الإفلات من المحاسبة، بينما تُحمَّل الجماهير نتائج فشلها وسوء إدارتها؟
إن بناء دولة حقيقية لا يبدأ بتحميل الشعب الأعباء، بل بمحاسبة من أخطأ، وتصحيح المسار، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية الضيقة. وما لم يحدث ذلك، سيبقى العراقيون يدفعون الثمن، مرة بعد أخرى، عن أخطاء لم يكونوا يومًا صانعيها.