| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 31 / 3 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول المقال واقع الاقتصاد العراقي بين وعود الاستقرار وضغوط المعيشة، محللاً التحديات البنيوية، ومحدودية الإصلاحات، والفجوة بين الخطاب الرسمي وواقع المواطنين
بين وعود الاستقرار وضغوط الواقع:
قراءة في المشهد الاقتصادي والاجتماعي في العراقنوري حمدان
(موقع الناس)
في خضم التحولات المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، وما يصاحبها من تصاعد في حدة التوترات الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي، يواجه العراق اختبارا دقيقا لمدى متانة سياساته الاقتصادية وقدرتها على التكيف والاستمرار. ولا يقتصر هذا التحدي على المؤشرات الرقمية المجردة، بل يمتد ليشمل أثر تلك السياسات وانعكاساتها المباشرة على الواقع المعيشي للمواطنين.
التصريحات الرسمية الأخيرة، ولا سيما ما أعلنه المستشار المالي لرئيس الوزراء، تعكس توجهاً واضحاً نحو طمأنة الشارع العراقي، عبر التأكيد على استدامة الرواتب ومخصصات الرعاية الاجتماعية. ويُعد هذا الالتزام محورياً في بلد يعتمد فيه قطاع واسع من السكان على الدخل الحكومي كمصدر رئيسي للعيش. غير أن السؤال الأهم لا يكمن في القدرة على الدفع الآني، بل في استدامة هذه القدرة على المدى المتوسط والبعيد.
تعتمد الحكومة، وفق ما أُعلن، على ثلاثة مرتكزات رئيسية: تعظيم الإيرادات غير النفطية، وتوسيع صادرات النفط، وتفعيل سياسات التيسير النقدي المدعوم باحتياطيات مالية. وهي أدوات تبدو من حيث المبدأ منطقية، بل وضرورية في اقتصاد ريعي يسعى تدريجياً إلى تنويع موارده. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق، لا في التنظير.
فالإيرادات غير النفطية، رغم أهميتها، ما تزال محدودة مقارنة بحجم الإنفاق العام، وتتطلب إصلاحات هيكلية عميقة في النظام الضريبي والجمركي، فضلاً عن مكافحة الفساد وتحسين كفاءة التحصيل. أما الرهان على النفط، فيظل محفوفاً بالمخاطر، نظراً لتقلب أسعاره وارتباطه بعوامل خارجية لا يملك العراق التحكم بها بالكامل.
وفي ما يتعلق بالتيسير الكمي والتنسيق بين السياسات النقدية والمالية، فإن نجاح هذه الأدوات مرهون بمدى الانضباط المالي والقدرة على تجنب التضخم، خاصة في بيئة اقتصادية حساسة تتأثر سريعاً بأي اختلال في التوازنات.
على الجانب الآخر، تؤكد وزارة التجارة استمرار تجهيز السلة الغذائية وامتلاك مخزون استراتيجي، وهو عنصر مهم في الحفاظ على الأمن الغذائي. غير أن الواقع الميداني، كما يعكسه تذمر المواطنين، يشير إلى فجوة بين التخطيط والتنفيذ، سواء من حيث انتظام التوزيع أو استقرار الأسعار.
وهنا تتجلى المفارقة: خطاب رسمي يتحدث عن الاستقرار، يقابله شعور شعبي متزايد بالضغط المعيشي، خاصة لدى ذوي الدخل المحدود. وهذه الفجوة، إن لم تُعالج بجدية، قد تتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
إن التحديات الراهنة لا تتعلق فقط بتأمين الرواتب أو توزيع المواد الغذائية، بل بإعادة بناء منظومة اقتصادية أكثر عدالة ومرونة، قادرة على الصمود أمام الأزمات، وتوفير فرص حقيقية للنمو خارج إطار النفط.
في المحصلة، يمكن القول إن العراق يمتلك الأدوات اللازمة لمواجهة الصدمات، كما تؤكد الحكومة، لكن نجاحه في ذلك يتوقف على مدى قدرته على تحويل السياسات المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالمعيار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية ليس ما يُكتب في البيانات، بل ما يُلمس في الأسواق والبيوت.
وفي زمن الأزمات، لا يكفي الحفاظ على الاستقرار الشكلي، بل يصبح تحقيق الاستقرار الحقيقي - الاقتصادي والاجتماعي - هو التحدي الأكبر.