|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  3 / 4 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

ينتقد المقال التناقض بين التحذير الأميركي والخطاب الحكومي، ويكشف هشاشة السيادة، داعيا إلى قرار وطني مستقل يضع مصلحة العراق فوق الصراعات الإقليمية والدولية.

بين التحذير الأميركي والطمأنة الرسمية.. أين يقف العراق من نفسه؟

نوري حمدان
(موقع الناس)

في لحظة سياسية مشحونة، يتلقى العراقيون رسالتين متناقضتين في الشكل، متشابهتين في الجوهر: تحذير أميركي ينذر بانفجار أمني وشيك، وبيان حكومي عراقي يطمئن بأن الأمور تحت السيطرة.

لكن الحقيقة التي لا يريد الطرفان قولها صراحة هي أن العراق ما يزال ساحةً مفتوحة لصراعات الآخرين، وأن سيادته تُدار بين خطابين: خطاب التخويف، وخطاب التبرير. فالبيان الأميركي، الذي يحذر من هجمات محتملة خلال 48 ساعة، لا يكتفي بوصف الخطر، بل يضع العراق كله في خانة البيئة غير الآمنة، ويطالب مواطنيه بالمغادرة الفورية.

وهذا الخطاب، وإن كان مغلفًا بلغة السلامة، إلا أنه يعكس نظرة تقليدية ترى العراق مجرد ساحة نفوذ وصراع، لا دولة ذات سيادة كاملة. في المقابل، يأتي الرد العراقي ليؤكد أن الدولة ليست طرفًا في الصراع، وأنها تبذل جهودًا لمنع التصعيد، مع الاعتراف الضمني بوجود جهات وأفراد يعملون خارج إرادة الدولة.

وهنا تكمن المشكلة: كيف يمكن لدولة أن تعلن حيادها، وهي تعترف في الوقت نفسه بوجود قوى داخلها لا تخضع لسلطتها الكاملة؟ إن هذه المعادلة المختلة لا تُبقي العراق خارج الصراع، بل تجعله في قلبه من دون قرار.

الخطاب الأميركي يتعامل مع العراق باعتباره خطرًا يجب الهروب منه، والخطاب الحكومي يتعامل مع الأزمة باعتبارها استثناءً يمكن احتواؤه، لكن كلا الخطابين يتجنب السؤال الحقيقي: من يملك القرار في العراق؟

زيارة رئيس الوزراء إلى الأجهزة الاستخبارية، والتأكيد على عدم وجود خطوط حمراء أمام القانون، تبدو خطوة ضرورية في الشكل، لكنها في المضمون تعكس إدراكًا متأخرًا لحقيقة قديمة: أن الدولة لا يمكن أن تكون قوية إذا كانت السيادة مجزأة.

من زاوية وطنية، لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن بنية النظام السياسي نفسه، الذي تأسس على التوازنات لا على السيادة، وعلى تقاسم النفوذ لا على بناء الدولة. وهذا ما جعل العراق عرضةً دائمة لأن يكون ساحة رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران، يدفع ثمنها المواطن العراقي أولًا وأخيرًا.

إن النقد هنا لا يجب أن يكون انتقائيًا: فالولايات المتحدة تتحمل مسؤولية تاريخية في إضعاف بنية الدولة العراقية، كما أن القوى السياسية العراقية تتحمل مسؤولية مستمرة في تكريس هذا الضعف عبر الارتهان والانقسام.

وبين هذين الطرفين، يضيع مفهوم "المصلحة العراقية". العراق لا يحتاج إلى بيانات تطمين، ولا إلى تحذيرات خارجية، بل يحتاج إلى قرار وطني مستقل يعيد تعريف الأمن لا باعتباره حماية للمصالح الأجنبية، بل حماية للسيادة والمجتمع.

المعادلة بسيطة، لكنها مؤجلة: إما أن يكون العراق دولة تُدير أمنها بنفسها، أو يبقى ساحة يُدار فيها الخوف من الخارج، وتُبرر فيها العجز من الداخل.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter