|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  5 / 1 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

يتناول المقال حادثة التحرش في البصرة بوصفها أزمة مجتمعية ومؤسسية لا حادثاً فردياً، داعياً إلى محاسبة الجناة وحماية الضحايا، وتحميل الدولة مسؤولياتها، مع رفض التعميم الجائر بحق المدينة وشبابها، والتأكيد على الإنصاف وصون كرامة الإنسان والمدينة معاً.

ليلة البصرة.. بين جريمة التحرش وامتحان العدالة والإنصاف

نوري حمدان
(موقع الناس)

لم تكن ليلة رأس السنة في البصرة حادثة عابرة يمكن طيّها بوصفها "سلوكاً شاذاً"، ولا مشهداً معزولاً يصلح للاستهلاك العاطفي ثم النسيان. ما جرى كان صدمة إنسانية عميقة، لأن الضحية لم تكن امرأة بعينها فحسب، بل فكرة الأمان في الفضاء العام، وحق الإنسان، أيّاً كان، في أن يوجد من دون خوف أو تهديد. كانت تلك الليلة امتحاناً قاسياً لمجتمع بأكمله، وللدولة قبل المجتمع، وللخطاب العام الذي تسرّع في الإدانة بقدر ما تردّد في الفهم.

المشهد لم يكن عنفاً جسدياً فقط، بل كان خوفاً مكشوفاً وعجزاً جماعياً. امرأة وجدت نفسها محاصَرة بنظرات وأجساد، في لحظة كان ينبغي أن تكون احتفالاً بالحياة، فإذا بها تتحول إلى تذكير قاسٍ بمدى هشاشة الأمان حين يغيب الردع، ويختل الوعي، وتتراخى المسؤوليات. والسؤال الذي لا يجوز القفز عليه: أين كان المجتمع؟ وأين كانت الدولة؟ وأين ذهبت فكرة الوقاية قبل أن نصل إلى لحظة الفضيحة؟

التحرش لا يبدأ عند الفعل، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة. يبدأ حين تُربّى الأجيال على الصمت بدل الاحترام، وعلى الخوف بدل الحقوق، وحين تُختزل المرأة في جسدها، وتُشيَّأ في الخطاب اليومي، وتُحمَّل، بوعي أو من دونه، مسؤولية الاعتداء عليها. لكنه لا يتحول إلى ظاهرة متكررة إلا حين تفشل المؤسسات في أداء دورها، وحين يشعر المعتدي أن الشارع بلا قانون، وأن العقاب مؤجل أو مستبعد.

الدولة، في هذا السياق، ليست متفرجاً بريئاً. غياب الحضور الأمني الوقائي في المناسبات العامة مسؤولية، وغياب حملات التوعية المستمرة مسؤولية، وتفعيل القانون فقط بعد انتشار فيديو مسؤولية مضاعفة. حين يُترك الفضاء العام بلا ردع، تكون الرسالة واضحة: المعتدي يشعر بالأمان أكثر من الضحية. ولا يمكن معالجة التحرش في العراق عبر بيانات استنكار موسمية، بل عبر سياسات واضحة تعترف بأن التحرش قضية أمن مجتمعي، لا مجرد "انحراف أخلاقي فردي"، وأن حماية المرأة ليست تفضّلاً، بل واجباً دستورياً وأخلاقياً.

لكن، في المقابل، لا يملك المجتمع ترف غسل يديه من المسؤولية. كل تبرير هو مشاركة غير مباشرة، وكل صمت هو موافقة ضمنية، وكل لوم للضحية هو إعادة إنتاج للجريمة بأدوات لغوية وأخلاقية. الإنسانية الحقيقية تبدأ حين نتوقف عن سؤال: لماذا كانت هناك؟ ونبدأ بسؤال أكثر عدلاً: لماذا لم تكن آمنة؟

ومع ذلك، فإن الاعتراف بالجريمة لا يعني القبول بظلم جديد يتمثل في تعميم الاتهام. ليس من العدل، ولا من الحكمة، أن تتحول حادثة مدانة بكل المقاييس إلى محكمة مفتوحة تُدان فيها مدينة بأكملها، ويُوصم شبابها بالجملة. البصرة لا تختزل في مشهد مصوَّر، ولا تُختصر في سلوك قلة لا تمثلها. هي مدينة عابرة في التاريخ قبل أن تكون عابرة في الفيديوهات؛ مدينة أنجبت شعراء وأدباء وفنانين وعلماء، وقدّمت للفكر والثقافة والاقتصاد أكثر مما أخذت.

شباب البصرة، في غالبيتهم، ليسوا متهمين بل متألمين. فيهم من صُدم، ومن غضب، ومن شعر بأن كرامة مدينته أُسيء إليها، كما أُسيء إلى الضحية نفسها. فيهم من يرفض هذه السلوكيات علناً، ومن يعمل يومياً في ظروف قاسية ليبني حياة كريمة، بعيداً عن الفوضى والعنف. تحويل هؤلاء إلى كتلة اتهام واحدة لا يخدم العدالة، بل يخلق قطيعة جديدة بين المجتمع ونفسه، ويشوّش البوصلة الأخلاقية.

الدفاع عن البصرة لا يعني تبرير ما حدث، بل يعني رفض تحويل الألم إلى وصمة، ورفض اختزال مدينة بتاريخها العريق في لحظة ظلم. نحن بحاجة إلى خطاب يفرّق بوضوح بين الجريمة والهوية، وبين الفعل الفردي والضمير الجمعي، خطاب يحاسب المعتدي بلا تردد، ويحمي الضحية بلا شروط، ويصون كرامة مدينة بأكملها بلا مساومة.

ليلة البصرة ليست قصة امرأة فقط، ولا قصة مدينة فقط، بل اختبار لنا جميعاً: هل نملك الشجاعة لبناء شارع آمن، ووعياً يُدرَّس لا يُرتجل، وقانوناً يُطبَّق بعدل لا بعد فضيحة؟ أم سننتظر الضحية القادمة لنكرر الإدانة ذاتها، والأخطاء ذاتها، والإنصاف المؤجل ذاته؟
 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter