|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  8 / 2 / 2026                                 نوري حمدان                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

عمود رأي يتناول إضراب التجار في العراق بوصفه رسالة اقتصادية واجتماعية تتجاوز الاحتجاج الظرفي، ويطرح تساؤلات حول جدوى القرارات الاقتصادية غير المدروسة، وتأثيرها على السوق والمواطن، داعياً إلى الحوار والتوازن بدل التصعيد، حفاظاً على الاستقرار الاقتصادي والمعيشي.

حين يُضرب السوق.. من يسمع أنين المدينة؟

نوري حمدان
(موقع الناس)

لم يكن إضراب التجار في العراق حدثاً عابراً يمكن المرور عليه بخبر مقتضب في نشرة مسائية، ولا مظاهرةً مطلبيةً تقليدية تُطوى مع نهاية اليوم. ما جرى في الأسواق كان أشبه بإنذار صامت أطلقه قلب المدينة الاقتصادية حين ضاق بما حُمِّل فوق طاقته، فاختار الإغلاق لغةً، والصمت احتجاجاً.

التاجر، على خلاف الصورة النمطية التي تُرسم له، ليس طرفاً هامشياً في المعادلة العامة، بل حلقة وصل حساسة بين القرار الاقتصادي وحياة الناس اليومية. حين يُضرب السوق، لا يتوقف الربح فقط، بل تتعطل دورة الاستهلاك، وترتفع الأسعار، ويتحوّل المواطن البسيط إلى الخاسر الأول والأكثر هشاشة. لذلك فإن قراءة ما حدث بوصفه "اعتراض فئة" لا يلامس عمق المسألة، ولا يجيب عن السؤال الحقيقي: كيف وصل السوق إلى هذه اللحظة؟

القرارات الاقتصادية، حين تُتخذ بمعزل عن الواقع الميداني، تصبح عبئاً حتى لو كانت نواياها إصلاحية. زيادة الرسوم والضرائب، في بلد يعاني اختناقات في الاستيراد، وبنى تحتية متعبة، وأسواق غير مستقرة، لا تُترجم تلقائياً إلى موارد إضافية للدولة، بل كثيراً ما تتحول إلى وقود جديد لأزمة قائمة أصلاً. التاجر لا يحتج لأنه يرفض التنظيم، بل لأنه يشعر أن كلفة القرار تُلقى كاملة على كتفيه، ثم تُمرر لاحقاً إلى جيب المواطن.

الأخطر في مشهد الإضراب ليس إغلاق المحال، بل غياب الحوار المسبق. فحين يُدفع السوق إلى الشارع، فهذا يعني أن قنوات التواصل الرسمية لم تكن كافية، أو لم تكن فاعلة، أو ربما لم تكن موجودة من الأساس. الاقتصاد لا يُدار بالأوامر، بل بالتوازن، ولا يُصلح بالقرارات المفاجئة، بل بالتدرج والشراكة والإنصات.

ما يحتاجه العراق اليوم ليس شدّ الحبل بين الحكومة والقطاع التجاري، بل إعادة تعريف العلاقة بينهما. الدولة التي تبحث عن موارد، والتاجر الذي يبحث عن الاستمرار، والمواطن الذي يبحث عن سعر معقول، جميعهم في قارب واحد. أي ثقب في أحد جوانبه، سيغرق الجميع بلا استثناء.

إضراب التجار رسالة، وليست معركة. والرسائل، مهما كانت قاسية، لا تُواجَه بالتجاهل، بل بالفهم. فالسوق إذا صمت طويلاً، فلن يكون الصمت هذه المرة احتجاجاً.. بل انهياراً بطيئاً لا يعلنه أحد، ويدفع ثمنه الجميع.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter