| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 9 / 12 / 2025 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
المخدرات في العراق..
حين يتحوّل الخطر الصامت إلى تهديد وطني شاملنوري حمدان
(موقع الناس)
لا تبدو المخدرات في العراق اليوم مجرد ظاهرة اجتماعية يمكن إدراجها في خانة الانحرافات الفردية، ولا حتى قضية أمنية قابلة للحل عبر المداهمات والاعتقالات الموسمية. ما يواجهه العراق في هذا الملف أخطر بكثير مما يُعلن، وأعمق من أن يُختزل في أرقام الضبطيات أو أحكام المحاكم، إذ يتحول هذا الخطر الصامت تدريجيًا إلى تهديد شامل يطال بنية المجتمع وصحته واستقراره الاقتصادي والأمني معًا.
فالبيانات الرسمية الصادرة خلال الأشهر الماضية تكشف مستوى يبعث على القلق؛ إذ تم القبض على أكثر من ثلاثة آلاف متورّط وضُبط ما يزيد على طنّين من المواد المخدرة في الربع الأول من عام 2025 وحده، فيما بلغ مجموع الضبطيات خلال السنوات الثلاث الماضية نحو أربعة عشر طنًا. وفي الوقت ذاته، تنفذ الأجهزة الأمنية عمليات عابرة للحدود بلغت خمسين عملية، وتستعيد ثلاثين مطلوبًا بالتنسيق مع دول الجوار، ما يكشف حجم شبكات التهريب وتوسعها وتعقيدها، ويؤكد أن العراق لم يعد مجرد محطة عبور، بل تحول في بعض المناطق إلى سوق مستهدَف وتربة خصبة لانتشار أنماط جديدة من الإدمان.
ومع تصاعد هذه الظاهرة، يتبدّى أثرها الاجتماعي بوضوح في ازدياد الجرائم المرتبطة بالتعاطي والاتجار، وفي التهديد المباشر للبنى الأسرية التي تتعرض لضغوط هائلة نتيجة تورط أحد أفرادها في الإدمان، وما يرافق ذلك من عنف وتفكك وفقدان للسيطرة. ويكفي النظر إلى انتشار الكريستال الأبيض، المعروف محليًا بـ"الكريستال"، لندرك حجم الكارثة؛ فهذه المادة لا تسبب مجرد إدمان سريع، بل تخلق حالات من الهلوسة والعنف والعدوانية تجعل المتعاطي مصدر خطر على نفسه وعلى الآخرين. أما الكبتاغون، الأكثر انتشارًا في المنطقة، فبات شريكًا في مشاهد العنف والقلق والاكتئاب التي تعصف بالشباب، إلى حد أن كثيرًا من الجرائم باتت تُقرأ من خلال أثر هذه الحبوب أكثر مما تُقرأ من خلال الدوافع التقليدية.
وإزاء هذا التفاقم، تعمل الدولة على تطوير الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات للفترة 2025–2030، وهي خطوة مهمة تسعى إلى الدمج بين الوقاية والعلاج والمكافحة. وقد جرى بالفعل ربط مراكز معالجة الإدمان بشبكات بيانات موحدة، وتم تأهيل أكثر من خمسة آلاف متعافٍ، فيما تتوسع جهود الحكومة في دعم الصحة النفسية وتعزيز برامج إعادة الإدماج. كما يشهد ملف ضبط الحدود تحولًا لافتًا من خلال استخدام الأنظمة التقنية الحديثة، وأجهزة السونار، ووحدات الـK9، وبناء مخافر جديدة، واعتماد الحوكمة الإلكترونية للحد من الفساد الذي طالما تسلل إلى المنافذ. ومع ذلك، ترى شريحة واسعة من المختصين أن هذه الجهود، على أهميتها، لا يمكن أن تحقق نتائج مستدامة ما لم تُرفَد بسياسات اجتماعية واقتصادية تخلق بدائل حقيقية للشباب، وتسد الفراغ الذي تستثمره شبكات المخدرات والقوى التي تموّلها وتستفيد منها.
فالجانب الأمني، مهما بلغ من صرامة، لا يستطيع وحده وقف هذا النزيف. فالشباب الذين يقعون في فخ الإدمان يعيشون في بيئة تفتقر إلى الفرص، وتُثقلها البطالة، وتغيب عنها الأنشطة الثقافية والرياضية التي تمنحهم معنى وهدفًا. كما أن اقتصاد المخدرات، بما يوفره من أرباح هائلة وسريعة، يخلق اقتصادًا مضادًا يقوّض الدولة ويُغذي الفساد، ويمتد في تأثيره إلى المؤسسات والأحياء والمدارس وكل مفصل من مفاصل الحياة العامة. وحين يصبح الإدمان مهربًا نفسيًا من واقع مختنق، وحين تغدو المواد المخدرة أرخص وأسهل من فرص العمل والتعليم، فإن الأمن وحده لن يصنع تحولًا حقيقيًا مهما بلغت الإجراءات من قسوة أو تشدد.
إن التصدي لهذا الخطر يقتضي رؤية وطنية شاملة تدمج بين العلاج والقانون والتوعية والتنمية، وتستثمر في الإنسان قبل أن تُحقق الضبطيات والأحكام. فالمجتمع الذي يفقد شبابه يفقد معه مستقبله، والدولة التي تترك مواطنيها عرضة لمواد سامة تهدد العقل والجسد والاقتصاد، دولة تؤجّل انفجار أزمة ستأتي - إن لم تُواجه اليوم - بأثمان أعلى في الغد.
المخدرات ليست خبرًا أمنيًا عابرًا، ولا موجة ستنحسر تلقائيًا. إنها معركة طويلة لن تُحسم إلا حين يمتلك العراق سياسة اجتماعية تحصّن الناس، واقتصادًا يوفر البدائل، وتعليمًا يصنع الوعي، ونظامًا قضائيًا يحاصر كبار المتاجرين قبل صغار الضحايا. وما لم يتحقق ذلك، سيبقى الخطر قائمًا، وستظل هذه الآفة تتسلل إلى البيوت بصمت أشد من دويّ حملات المداهمة، وأقسى من كل ما يُعلن في المؤتمرات الصحفية.