| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 9 / 2 / 2026 نوري حمدان كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
يتناول المقال قراءة تحليلية لبيان اجتماع ائتلاف إدارة الدولة من زاوية ما تجاهله، لا ما تضمّنه، مسلطًا الضوء على أسباب غياب الحديث عن الاستحقاقات الدستورية وأزمة إقليم كردستان، ومفسّرًا هذا الصمت بوصفه خيارًا سياسيًا لإدارة التوازنات وتجنّب تفجير الخلافات المؤجلة.
ما الذي سكت عنه بيان ائتلاف إدارة الدولة؟
نوري حمدان
(موقع الناس)
في السياسة، لا تقلّ البيانات أهميتها بما تتضمنه من مواقف، بقدر ما تكشفه أحيانًا مما تتجاهله أو تتعمّد عدم الاقتراب منه. وبيان اجتماع ائتلاف إدارة الدولة الأخير يندرج بوضوح ضمن هذا السياق، إذ جاء حافلًا بالملفات الإقليمية والدولية والاقتصادية، لكنه خلا من التطرق إلى قضايا داخلية جوهرية، في مقدمتها الاستحقاقات الدستورية المرتبطة ببنية النظام السياسي، والأزمة السياسية المستحكمة في إقليم كردستان.
غياب الإشارة إلى الاستحقاقات الدستورية، وعلى رأسها مسارات انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، لا يبدو تفصيلًا عابرًا. فهذه الاستحقاقات، وإن كانت قد أُنجزت شكليًا، ما تزال تمثّل نقطة حساسة في الجدل السياسي العراقي، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات المتعلقة بشرعية التوافقات، وطبيعة إدارة السلطة، وحدود الشراكة داخل الإطار الحاكم. تجاهل هذا الملف يوحي بأن الائتلاف يتعامل معه بوصفه ملفًا مغلقًا سياسيًا، لا يرغب في إعادة فتحه، خشية الانزلاق إلى نقاشات قد تمسّ توازناته الداخلية.
الأمر ذاته ينسحب على الأزمة السياسية في إقليم كردستان، والتي تُعدّ واحدة من أطول الأزمات المؤجلة في المشهد العراقي المعاصر. فتعطّل انعقاد الجلسة الأولى لبرلمان الإقليم لأكثر من سنة ونصف بعد انتخابه، وتأخر تشكيل حكومة جديدة، يمثلان حالة انسداد دستوري وسياسي واضح. ومع ذلك، غاب هذا الملف تمامًا عن البيان، وكأن الأزمة تقع خارج نطاق المسؤولية الوطنية، أو كأنها شأن داخلي لا يستحق المعالجة العلنية.
هذا الغياب لا يمكن فصله عن حسابات دقيقة. ففتح ملف كردستان داخل اجتماع يضم القوى المركزية والكردية على حد سواء، قد يهدد التفاهمات الهشّة القائمة، أو يفرض مواقف صريحة لا يرغب الجميع في إعلانها. لذلك، بدا الصمت خيارًا سياسيًا، لا سهوًا أو إغفالًا.
في المقابل، اختار البيان التوسّع في الملفات الخارجية، ولا سيما الترحيب بالمفاوضات الإقليمية، والدعوة إلى تجنيب المنطقة ويلات الحرب. وهو ما يعكس ميلًا واضحًا إلى تدويل الخطاب وتهدئة الخارج، مقابل تجنّب الاشتباك مع الأزمات الداخلية المعقّدة التي تتطلب قرارات أكثر جرأة وكلفة.
حتى في الجانب الاقتصادي، ورغم لغة الدعم للإصلاحات وضبط المنافذ، ظل البيان عند مستوى العموميات، من دون ربط مباشر بين الأزمة المالية وبين الانسداد السياسي، سواء في بغداد أو أربيل. وكأن السياسة والاقتصاد يُعالجان في مسارين منفصلين، رغم أن الواقع يؤكد تداخلهما العضوي.
إن قراءة بيان اجتماع ائتلاف إدارة الدولة من زاوية ما لم يذكره، تقود إلى خلاصة أساسية: الائتلاف يسعى في هذه المرحلة إلى إدارة التوازنات لا تفجير الأسئلة، وإلى الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، حتى وإن كان ذلك على حساب معالجة أزمات مؤجلة تتراكم آثارها بمرور الوقت.
غير أن الرهان على الصمت، مهما بدا مريحًا على المدى القصير، يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر. فالقضايا غير المطروقة لا تختفي، بل تعود لاحقًا بأشكال أكثر تعقيدًا. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو: إلى متى يمكن تأجيل مواجهة هذه الملفات قبل أن تفرض نفسها خارج لغة البيانات؟