|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  6  / 2  / 2026                                 تحسين المنذري                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

أيام البعث .... أيام اللهب الاسود
8 شباط .... بعضٌ مما حدث

تحسين المنذري
(موقع الناس)

إنها ليست ذكريات، بل كوابيسا، مازالت تطاردني في نهاراتي مثلما تقض عليّ خدر نومي في ليالٍ لا تُحصى، والى الان يعيش الوطن نتائج وتداعيات ذلك اليوم المشؤوم.

كنا نعي ما يدور حولنا، رغم إننا لم نكن سوى أطفالٍ صغار، بنت وثلاثة أولاد نحن المتبقين في بيت العائلة،(*) لكن الحدث كان كبيرا، فقد شارك أخي عبد الوهاب في المقاومة الشعبية لإنقلاب شباط الاسود عام 1963 وعلمنا إنه كان من الذين سيطروا على مركز شرطة الكاظمية، وبقي صامدا فيه وقاوم قوات البعث حتى اللحظات الاخيرة، لكن ما الذي حدث بعد ذاك؟ لم يـأتِ خبر مؤكداً..

فما بين الاعتقال وهو الاقل وقعا والقتل في مركز الشرطة وإختفاء الجثمان، أو القتل ورمي الجثة في النهر من أعلى الجسر، إشاعات تتوالى ومع كل حرف كان ينقلب البيت الى مأتم، أمي، وهي والحزن توائم، لم تقصر في إجادة اللطم والعويل يشاركنها أخواتي وبعض الاقارب وثلة من نسوة الجيران.أبي وعلى غير العادة بدت عليه ملامح الحزن والقلق لكن بصمت، وفي سويعات السماح بالتجوال يخرج لتقصي الاخبار وجلب ما يمكن إستهلاكه كطعام يومي، فلم تكن المجمدات قد غزت بيوت العراقيين بعد، وربما كان يسمع شيئا عن إبنه أو عما حدث في الكاظمية، لكنه لم يبث في البيت أي خبر قد يزيد القلق واللطم، كنا آنذاك نسكن في شارع المحيط القديم في الكاظمية والمسمى حينها بشارع موسكو لكثرة الشيوعيين الذين يقطنون نفس الشارع بتفرعاته، وفي هذا الشارع كانت الاحداث سريعة، عنيفة، متتالية، فمنذ إذاعة بيان الانقلاب الفاشي الاول لم تنقطع أصوات الاطلاقات النارية ومن كل الاتجاهات، والاخبار تتوالى عما يحدث، عن شبيبة خرجوا يملأون الشوارع يتظاهرون ضد الانقلاب، بعضهم إحتل مركز الشرطة وأخرون توجهوا نحو مقر شرطة النجدة، وأخبار بعضها إشاعات وبعضها حقيقية إنتشرت بشكل كبير. دبابات الجيش من المتعاونين مع الانقلابين، إقتحمت مدينة الكاظمية ,إنتشرت في كل الشوارع والحارات الرئيسية، وكان لشارع موسكو حصته من عساكر أجلاف الوجوه والاخلاق يمتطون الدبابات ويجولون في الشارع موجهين مدفع الدبابة بإتجاه البيوت المغلفة أساسا بالحزن وترقب بقلق لما سيحدث مع سيطرة البعثيين وظهور ميليشيا إسمها الحرس القومي لم ينتمِ لها سوى سقط المتاع من ذوي الاخلاق المنحطة والفاشلين إجتماعيا ومن عوائل عرفت بسوء السمعة،مما كان ينذر بمزيد من التعديات والتجاوزات على الناس بسبب أو بدونه، وهذا ما حدث فعلا، لكن ما إهتزت له مشاعر الناس ما قامت به ثلة من هؤلاء البعثيين بإعدام الشهيد (جاسم محمد الجبوري) الابن الاوسط لعائلة تسكن في نفس الشارع وعلى مقربة من بيتنا، لم يُعرف عن أي من أبنائها أي نشاط سياسي، عائلة تعيش من كد أبنائها ومشاركة والدتهم بهذا الكد ببيع الطرشي في بيتها، لكن سقط المتاع من الحرس القومي مع بعض من الجنود أخرجوا العائلة كلهم الى الشارع وأختاروا من بينهم جاسم وأعدموه أمام أمه وأخوته دون أن يعرف أحدٌ السبب، أما إعدام (الشهيد البطل سعيد متروك) كان الاكثر إيلاما في شارع موسكو، فقد القى البعثيون المجرمون القبض عليه بعد أن أصيب في ساقه وهو يقاوم لأربعة ايام منفردا، وإقتادوه الى جدار ثانوية الشعب في موقع لا يبعد عن بيتنا سوى أقل من عشرين مترا، ودار بعضهم على البيوت القريبة مطالبا السكان الخروج لمشاهدة جريمة الاعدام، أغلق أبي الباب ولم يسمح لأي ممن كانوا في البيت من الخروج لكننا سمعنا اصوات الاطلاقات وعرفنا لاحقا بطولة الشهيد في لحظات تنفيذ الجريمة.

قرابة عشرة أيام كانت المعلومات المؤكدة عن وضع أخي عبد الوهاب مفقودة، حتى عثر إبن عمي جعفر (**) على إسمه ضمن قوائم معلقة في سجن الهندسة بمعسكر الرشيد، وكان ذلك إيذاناً بمرحلة جديدة من التغيرات في البيت، ففي البدء كان فرحا عارما لإنه مازال على قيد الحياة، لكن بترقب وتساؤلات عما ستؤول إليه الامور وما هو مصيره لاحقا، على أية حال في اليوم التالي ذهب أبي وأمي صحبة جعفر إبن عمي الى معسكر الرشيد حاملين معهم ملابس وكمية من الطعام ، لم يسمحوا لهم بالمواجهة، فقط تسلموا منهم ما يحملون وأوصلوها الى عبد الوهاب الذي أرسل ورقة بخط يده يؤكد وجوده على قيد الحياة وتسلم الاشياء المرسلة مع ملابسه المتسخة التي كانت ملطخة بالدماء في مواقع عدة مما يؤشر لتعرضه للتعذيب الجسدي، وكأن تلك الملابس كانت إيذانا بعذابات أخرى قادمات وهذا ما حصل.

 

(*) نحن الاربعة الذين كنا صغارا في 1963 وبعد أن عايشنا وعانينا تلك العذابات انخرطنا في العمل السياسي، شيوعيون ، وذقنا الامرين من عسف البعثيين المجرمين، لكن الاكثر إيلاما إن أخي الاوسط بديع إرتقى شهيدا في أقبية دوائر البعث ، وحالنا حال الألاف من عوائل الشهداء لم نحصل سوى على شهادة وفاة وقرار مصادرة امواله المنقولة وغير المنقولة.
(**) جعفر إبن عمي بعد إعتقال دام قرابة العشرة أيام عام 1980 خرج بعد أن سقوه الثاليوم ليسمو شهيدا بعد أيامٍ قلائل في 20 أيار 1980
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter