| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 12 / 2 / 2026 يونس عاشور كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
أهمية المسؤولية الإجتماعية
يونس عاشور *
(موقع الناس)لعلَّ وعسى أن تستوعبَ مُرامي.. إن كانت ثمةَ قابلية لاستيعاب موقعي ومقامي.. وما مقامي إلّا كبقية أصنافِ البشر.. حيث التساوي والتماثل في الخِلقة.. من حيث الهيئة والجسد والروح وباقي مكونات النفس بما تحملهُ من وعيٍ وأحاسيس وسلوكيات تتّسق مع الواقع الطبيعي لتركيبة هيئة الانسان..
من خلال هذه الكلمة الآنفة الذكر وما تضمّنهُ من معاني واسعةِ النطاق على المستوى السيكولوجي والبيولوجي فإنه ثمةَ مقترن وجودي لذاتية الذات وهو الخاصية الهندسية والتكوينية الجينية المطابقة لما يقوم بهِ الانسان من أعمالٍ وتصرفاتٍ تنعكسُ على الواقع الجذري لهذه الصفات..
عند وجود الإحساس تعمل الوظائف الفسيولوجية على قدرة الكائن في استقبال المنبّهات الجوانية والبرانية عبر الحواس والاستجابة لها بوعيٍ مطلق، هذا في الحالة الطبيعية التي يُفترض أن تتوفّر من خلال هذه الوظائف عمّا إذا كانت تعمل بشكلٍ جيّد وإذا كانت لا تعمل بشكلٍ جيد فإنها تسوق الانسان إلى عدم الشعور واللامبالاة وبالتالي الضياع والبعثرة في أتون الفوضى العقلية التي لا تقيّدهُ عند القيام بعملِ شيءٍ ما..
نسوق هذا المعنى والمعطى إلى أهمية التركيز على الوظائف الرئيسية والأساسية للنفس واحدة منها الشعور بالمسؤولية كمسؤولية ذاتية بأن تقوم بواجباتها ومتطلباتها وتوجهاتها التي يجب ان تتطابق مع المعطى الواقعي لما تحتاجه ولما تبحث عنه وتؤسس له، هذا في الشعور الطبيعي ومن ثمةَ الانتقال من الشعور الذاتي الطبيعي إلى الشعور الأكثر أهميةً وهو توظيف المسؤولية الشعورية إزاء الغير وما قد يحتاجهُ والمشاركة معهُ إن كان يحتاج إلى عوامل تساعده وتنقذه من وضعيةِ النقص الذي قد يُعانيه في حياته فنسعى جاهدين لتوفير الإمكانات والمعطيات والمستلزمات له التي تعمل على تغيير واقعهُ الفردي بأن يكون لنا اعتباراً هاماً اتجاه القضايا التي تواجه مصير الفرد كفرد والمجتمع كمجتمع والأمة كأمّة إذا كان المفهوم ينطلق من الخصوصية الى الشمولية، ولأن التأثير هو عامل يأتي من الخارج أولاً علينا الالتفات والانتباه إلى التحديات الخارجية التي قد تؤثر على شل حركة الانسان عندما لا تتوفر لديه البوصلة والاتجاه نحو ما ينبغي له عمله والقيام بهِ ومن ثمةَ اتخاذ الإجراء اللازم في كيفية المواجهة حتى يتسنّى له تجاوز تلك العوائق بأمنٍ وسلام.
موضوع الحس بالمسؤولية الجماعية لهو أمرٌ مهم يقتضي علينا التوجه إليه بكل ما نملك من طاقات وقدرات، لأنّ ذلك يمس عنوان جيل بأكمله عندما تكون الحاجة ملّحة نحو تفعيل الأهداف والمنطلقات الغائية. وبالطبع إنّ ذلك يخضع إلى مبدأ الفلسفة الأخلاقية باعتبارها ممارسة مهنية ومؤسِسة كلية ومبدأ اجتماعي ينطلق من الحس والاستشعار وعدم التغافل أو الانصراف الذاتي الذي لا يؤسس إلى علاقات اجتماعية ناجحة.
النظرية الصحيحة والنظرية المؤسسة والنظرية التي تقيم وزناً لمعنى المسؤوليات والواجبات هي تلك التي تنشأ بإقامة علاقات اجتماعية يكون منشأها الانسان الداعي الى تقريب وجهات النظر والقرب فيما بين الأصدقاء والجيران وزملاء العمل وأفراد الأسرة حيث يشكلون نمطاً جديداً منتظماً من العلاقات الاجتماعية التي ترمي الى نسج شبكات وتكوين علاقات وترميم رؤى يكون بموجبها الالتفات الى جانب التساؤل وإصدار موضوعات تتعلق باحتياجات الواقع الاجتماعي الذي نعيش ضمنه من أجل تكوين أرضية الزامية تحث على الترتيبات المناسبة لمعالجة الضرر والخلل إن وجد عبر المشاركة وإبداء الرأي وإيلاء اهتمام تام نحو القضايا التي تخص مصير المجتمع وتحدياته.
إذن المسؤولية الجماعية هي فلسفة تنظيم وترتيب لكل الأوراق المبعثرة على طاولة البحث فهي تندرج تحت طائلة التحمّل واستيعاب المشكلات ومن ثمةَ حلها ضمن السياسات العاقلة والهادفة التي يتبعها الانسان لفكرة تحمل المسؤولية الجماعية نظراً للحس والاستشعار بأهمية وضع الحلول واكتشافها.
الأعضاء الفاعلين هم أولئك الأشخاص الذين لا يهربون من المسؤوليات بل يقفون بكل صلابة وثبات لتحمل الأعباء ولإيجاد الدراسة المناسبة لكشف الثغرات ضمن الاحتياجات التي تتطلبها، وهنا يأتي دور التوزيع أي توزيع المهام لكل عضو ولكل فرد لكي يقوم بواجبه إزاء أي طارئ قد يحدث فيبحث في لبّ المشكلة ليجد لها حلاً سريعا ومناسباً ويتفادى العوائق التي تسبّب الأخطاء والعثرات وما إلى ذلك من مفاهيم قد يوجهها الانسان إبان مسيرة حياته.
إن التمتع بدرجة الوعي الكاملة هي التي تضمن للإنسان كشف المشكلات ودراسة حيثياتها وإيجاد الحلول التي تخدم الفرد والمجتمع.
ولو أننا دأبنا في التفكر نحو أهمية تحمل المسؤولية الفردية والأسرية والمجتمعية لكنا في نظام يسوده التنظيم والعقلانية وسما الحضارة الإنسانية التي يتصف بها من يعمل ضمن اطرها وأهدافها ومنطلقاتها التي تدعو الى السمو والتقدم نحو الأهداف والغايات الحميدة.
بالطبع إن ذلك الأمر ليس سهل المنال وإنما يخضع لعوامل وأسباب تمكن الانسان بالتفكير في معنويات وموضوعات المسؤوليات الكبرى التي تنضوي تحت طائلة من الشبكات والفاعليات والمؤسسات المجتمعية باعتبارها تحدد الأولويات وترسم الرؤى وتعطي الصلاحيات لمن هم متمكنون في الانطلاق نحو إحداث مشروعات اجتماعية كبرى تعكس وجه هذا الفرد والمجتمع على انه مجتمع حضاري ومتقدم وبارز من حيث فهمه واستيعابه للمسؤولية الصلبة.
من أهم الموضوعات الفكرية التي يجب أن تُطرح في هذا السياق هو مفهوم المشاركة وماذا تعني وما مدى أهميتها وفاعليتها على صعيد الفرد والمجتمع...؟
مفهوم المشاركة يشي بالإيجاب ويعني الاستخدام المشترك أي بمعنى التبادل والمساهمة في الموارد والأفكار وذلك من أجل تعزيز الروابط الاجتماعية من هنا فإن تطوير الأعمال لا تتم إلا عبر مفهوم المشاركة الجماعية وبالطبع إن ذلك يتأتى من المسؤولية والحس بمدى اندفاع الانسان نحو التبادل والالتقاء مع الغير لكسب المعلومات والأفكار البناءة والجديدة لكي يقوم بتغيير واقعة الذي قد يرتكز على استقبال الأفكار والمفاهيم الجيدة التي تساهم في بناء ذاته ومجتمعه وتطوير آفاقه الفكرية الفاعلة.
* كاتب وأكاديمي فلسفي