الصفحة الثقافية

الرئيسية

 

| الناس | الثقافية  |  وثائق  |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأثنين 22/1/ 2007

 

 

المغول وصدام حسين وحدهما دفعا الشعب العراقي لهجرة وطنه


الشاعر العراقي عبدالكريم هداد
 يتحدث عن صدام والشعر والمنفى

استجوبته : ليلى بارع 

    يشكل الشاعر عبدالكريم هداد الى جانب عدد من الشعراء العراقيين في المهجر ، نموذجاً مثاليا لوضع المثقف العربي اليوم ، مثقف يحلم بالحرية ويمارسها خارج الهواء العربي الذي قلما يسمح للمبدع بهوامش حرية واسعة ، هاجر من العراق نحو السويد ، وقضى سنوات الأنتظار ببعض الدول العربية زار المغرب مؤخرا فكان الأستجواب التالي لرصد بعض من محطات الشاعر المهاجر .

*هاجرت العراق هربا من الظلم ، هل تشعر بالسعادة للحكم بالأعدام ضد صدام حسين ؟؟

** إن سعادتي لا تكمن في قرار إعدام صدام ، وذلك لأن المشكل الأساسي والكبير ، الذي دفع بي الى قارات المنفى ، هو جور النظام الشمولي والقائم على التعسف البوليسي المنظم والمتغلغل في جميع مفاصل هرمية الدولة وساحات حركة المجتمع العراقي ، حيث لغة الألغاء لكل ماهو مختلف عن رؤية الحزب الحاكم ، الذي أنهك العراق بنظام دكتاتوري قاد البلاد نحو حروب لا مبرر لها .
وإعدام صدام ، لن ينهي لغة الدمار والتعسف والظلامية وثقافة الجهل العشائري البدوي والطائفي الذي يحرك حياة المدينة العراقية اليوم ، فماتزال المنظومة الفكرية والثقافية التي أنجبت صدام حسين كدكتاتور دموي ، قوية في العصب المحرك للمجتمع العراقي .
لذا ، فإن سعادتي هي حيث أجد حريتي وكرامتي ، التي دعتني الضرورة الى أن أهاجر العراق بحثا عن سقف آمن ، يمنحني الكبرياء كإنسان حر .

*لماذا هذا الحزن الذي يطبع أعمال العراقيين المقيمين في الخارج ؟

** إن الحزن حالة إنسانية ، وهي إنعكاس تبرزه النفس البشرية ، لضغوطات وقائع الحياة اليومية للفرد والمجتمع ، وقد تجلى الحزن كرافد أساس وراسخ في صلب تكوينات ملامح الأنسان العراقي ، وهو نتيجة حتمية شعورية أفرزها التراكم الهائل من عواصف العذابات المتتالية التي عاشها العراق تاريخيا .
ولم يهاجر الأنسان العراقي بشكل جماعي وكبير الى خارج العراق الآ مرتين ، الأولى عند دخول جيوش المغول بغداد . والهجرة الثانية ، هي حين اشتد العنف والأضطهاد تجاه القوى الوطنية العراقية أواخر سبعينيات القرن الماضي على يد نظام صدام حسين ،وأغلبية المهاجرين في الفترة الثانية هم من مبدعي ومنتجي الثقافة العراقية ، حيث تركوا فراغا كبيرا في مساحة الوعي العراقي الذي يشغله حاليا التخلف الشديد والواضح في الشارع العراقي .
وما الحزن الذي يطبع أعمال العراقيين الأبداعية خارج العراق ، إلا إنعكاس طبيعي لمسارات الحياة ، وهي حالة بعيدة عن الأنكسار ، وإن كان هنالك من يؤسس له ضمن مانشيتات سياسية عراقية مرفوضة ،لكن الحزن في الأبداع ، ماهو الا حنين طفولي وخاصية لترقب فرح مأمول ، وإن تأخر كثيراً !

*تستقر اليوم في السويد ، لكنك سجلت حضورك في عدد من الدول العربية ، هل السماء العربية تضيق بالشعراء العرب ؟

** بما أن منابع ثقافتي الأساسية وتكويناتها الفكرية هي عربية الأطار والمنحى بكل تجلياتها ، بما فيها اللغة العربية كوسيلة أداء فني ، إبداعي عالي الجودة ، فمازت مشدوداً نحو " السماء الأولى " حيث ساحة الألتقاء الواسعة مع متلق ، لي معه قاسم مشترك ، لذا أحاول دوما ، وبكل تواضع ، أن أسجل حضوري من خلال إصداراتي المطبوعة عبر دور نشر معروفة في الوطن العربي ، وإن ضاقت السماء العربية ، وأنا على ثقة أن هنالك من ينتظر قصيدتي .

* ماذا منحتك الغربة ، وماذا أخذت منك ، لنتحدث عن أعمالك التي قمت بكتابتها في السويد ؟

** إنني أميل الى مصطلح " المنفى " بدلا من " الغربة" لأن مفردة " منفى " تحمل في طياتها دلالة الموقف الذي أفتخر به ، تجاه سلطة جثمت على مصائر أمة ، بدموية مفرطة ،حيث التنكيل والتعسف والبطش في تكوينات الشعب العراقي المتعدد الثقافات .
وحيث أقيم اليوم في السويد ، وبكل كبرياء ، وبفيضه الأنساني التائق الى صباحات ، وأنا أمتلك عنان إرادتي وحريتي وكرامتي المضمونة والمصونة بقوانين رائعة كصفاء بياض ثلج السويد . بلاد الثلج المشمسة ، بدفئها الأنساني والحضاري .
وعلى قدر ما منحتني " الغربة " اشياء جميلة أضافت الى تكويني الذاتي اشياء أخرى ، فتحت لي آفاقاً متعددة متنوعة الرؤية وتجليات الكتابة بكل أشكالها المتجددة في التشكيل والبناء والخلق . لذا فقد امتلكت مساحة مستجدة لأستكشاف الأماكن والزمن الهارب ، من خلال سياق أحداث ووقائع مقرونة بمذاقات جديدة تدفع بالحواس دوما نحو المشغل الأبداعي للكتابة . وقد ساعدتني السويد ، في التأسيس لحالة التوازن مع عالم مضطرب ، رغم إصرار اندهاشي المتواصل في ذلك الضوء وظله البهي بين دروب الطفولة ومرابعها ، الآ وهي مدينة " السماوة" ونخيل فراتها المشوش بالأساطير وإيقاعات الفلكلور الشعبي ، وعلى قدر اندهاشي الطفولي ، لم أزل منبهرا في احتفالية صداقتي لمدينة " يوتوبوري " وقدميها يغسلهما بحر الشمال وغابات الأخضرار المتلألئ ، ومن هنا ، فمعظم كتاباتي في السويد ، تفترشهما هاتان المدينتان على حدود القلب ، وما بينهما تغفو إمرأة في الروح ، تأسرني وتعشقني سرا لذيذا ، وأنتظرها شعرا بكل سنين العمر ..!

* تتوقف دوما عند حدود الشعر ، الآ تغريك الرواية أو القصة القصيرة ؟

** مازال الشعر كفؤا في إغراءاته لي ، إن الشعر مازال هو المملكة الفاضلة ، ومازلت أحاول أن أشيد فيها بيوتا من الشعر ، تكفي الروح ، وبوسع وطن مازال يلوث ذاكرتي بالحنين الطفولي . وبالرغم من اختياري للقصيدة الشعرية ملاذا آمنا من تاريخ يكرر نفسه في مشاهد من التهريج اليومي ، رغم ذلك ، فهنالك ما يغريني في تجريب الكتابة بأشكال أخرى ، منها القصة ، وقد حاولت في ذلك أكثر من مرة ، ويبقى هاجس يدفع بي نحو الرواية .. قد أغرق في تفاصيلها يوما ما .

* هل ساعد الطرب ، خاصة الأغاني الملحنة ، على لفت النظر الى القصيدة العراقية الشعبية ؟

** للأسف الشديد ، إن ما تسمعينه اليوم عبر القنوات التي يزدحم بها الفضاء العربي للأعلام ، ليس بالغناء العراقي الممتلك للمقومات الفنية التي تحدد ملامح الغناء العراقي عموماً .
فما تسمعينه من أغان ، ما هو الا إنعكاس حقيقي للوضع العربي المتشرذم ، وهو عنوان الإنهيار . وقد قال ابن خلدون في يوم ما إن انهيار العمران يبدأ أولا بالغناء .
وأما القصيدة العراقية الشعبية ، فقد نجحت بقوة مشهود لها في الولوج نحو عالم الغناء العراقي في سبعينيات القرن الماضي ، عندما قدمت اغاني ناجحة بكل المقاييس الفنية على يد شعراء شعبيين عراقيين أمثال مظفر النواب وأبو سرحان وسعيد زامل وزهير الدجيلي وناظم السماوي وآخرين .

*كيف تنظر الى القصيدة العراقية في المهجر اليوم ؟

** إن القصيدة العراقية في المهجر ، مازالت وفية لحركة الشعر العراقي الحديث ، على يد اسماء لم تلوثها إيقاعات الحروب المدمرة وأضواء مهرجانات المديح .
وهي تزداد قوة في مضامينها وتوسعات تجاربها ، في انطلاقة التأثير ، لما تمتلك من مقومات فنية خاصة ، ساعدتها مساحة الزمان والمكان الجديدين من حرية المنفىالمهجر .
وهي قصيدة حاضرة لا يمكن تجاهلها من خلال الأصدارات الشعرية والنقدية ، وتداخلها في حياة المهجر ، ولها فرسانها من الشعراء أمثال الشاعر الكبير سعدي يوسف والشاعر عبدالكريم كاصد والشاعر مهدي محمد علي وآخرين .

نقلا عن جريدة " الصحيفة " المغربية