ضياء حميو
dia1h@hotmail.com
الأثنين 8/6/ 2009
تجارب دنماركية *
التجربة (27)
مدرسة الجانحين الصغار
(1)ضياء حميو
(إنهم يكرهون الكبار)
" مصطفى شاكر حسون " شاب عراقي أحبه كل من عرفه ،ولكن في يوم 27/2/2009 يتم اغتياله في إحدى ضواحي العاصمة كوبنهاكن ،من قبل عصابة ،كل التحقيقات الرسمية أشارت إلى إن المرحوم ليس له أدنى علاقة بهم آو بغيرهم ،ولكنه قُتل بالخطأ ،بعدها تخرج مسيرة سلمية شارك فيها الآلاف من الدنماركيين والأجانب ، سياسيون ورجال دين من ديانات مختلفة حملت نعش المغدور ولأول مرة في الدنمارك يُجاز قانونيا حَملُ نعش متوفى في مسيرة ،حمل معه المتظاهرون رسالة سلام ورفض للعنف.
بالنسبة لمصطفى وعائلته وأصدقائه ومحبيه كانت نهاية محزنه لشاب مهذب طموح محب للحياة،ولكنها كانت نهاية حياته..!
أين البداية؟..البداية في العنف والجريمة، والسلوك الشاذ، وعلاجه، والمراكز المتخصصة بذلك؟!
في البحث عن البداية ،كان اللقاء في الحلقة السابقة مع الصديق التربوي " مارتن ليبدال " ،والذي سهل لي مشكورا اللقاء بإحدى السيدات التربويات " سوزانا مارسليو " ،معلمة وتربوية في إحدى مدارس تأهيل الجانحين ،في إحدى مناطق شمال غرب العاصمة كوبنهاكن المعروفة بازدياد معدل الجريمة فيها بالإضافة إلى كثافة سكانية لمهاجرين أجانب ، هذه المدرسة متخصصة بفئة الأطفال الشباب 14-16 سنة ،ممن لديهم مشاكل لم تسمح لهم بالالتحاق بالمدارس العادية مثل أقرانهم الباقين .
قبل اللقاء لابد من أن أشير إلى إن" سوزانا " سيدة بسيطة وتلقائية جدا وصريحة، كانت تسمي طلاب مدرستها ب" الأطفال الشباب " وأنا سأكتفي بتسميتهم بالشباب ، وكانت تستخدم دوما مصطلح " مشاكل " حتى في تسميتها للجرائم ، وأطفال " صعبوا المراس " أيضا في وصفها لمن ارتكب جرائم منهم ، ،بالإضافة إلى إنها لا تفضل مصطلح " أجانب " بل " من أصول مهاجرة ، أو الجيل الثاني من المهاجرين،وأنا سأسميهم " أجانب " لسهولة الدلالة لاغير.
سوزانا مارسليو Susanne Marslevهذا اللقاء موجه لقارئ العربية ،هل تعتقدين إن في تجربتكم الخاصة ما يمكن أن يكون ذو فائدة للآخرين ؟
- لا أستطيع أن أقول إننا مثال جيد ،أنا لست واثقة من نظامنا ، خصوصا في السنوات الأخيرة ،لا اعتقد انه يسير على ما يرام ،لدينا أشياء جيدة ،ولكن يمكن دوما التعلم من الآخرين حتى من أخطائهم .
ماهو عملك وطبيعة تخصصك ؟
- تخصصت في الجامعة باللغتين الانكليزية والدنماركية ،كذلك درست اللغة الألمانية ، عملت لعشر سنوات في تعليم اللغة الدنماركية للأجانب ،وأنا معلمة وتربوية ،في مدرسة متخصصة " بالشباب " الذين لديهم مشاكل ،عقلية ، أو في الجريمة ،مشاكل تعاطي الكحول ، الحشيش ،أو قدموا من عوائل تعاني مشاكل ، كالإدمان على سبيل المثال ، اغلب هؤلاء الشباب ،لا يستطيعوا التواصل في المدارس العادية ،ولهذا يُوجهون إلى مدارس متخصصة .
نقدر أن نقول الهدف الأساس هو إعادة التأهيل ؟!
- يجب أن نعلم هؤلاء الشباب نفس الأشياء التي يتعلمها أقرانهم في المدارس الاعتيادية ،وهو عمل صعب ،لأنهم يعانون صعوبات في " التركيز " ، وهم يكرهون المدارس ، والكثير منهم غاضبون وحانقون ،يكرهون المعلمين ، ويكرهون الكبار ، جهدنا يتركز بنزع السلبية منهم وزرع الايجابية في تعلم شيء لم يستطيعوا تعلمه في المدارس الاعتيادية حتى وان كان ببطيء.
للتوضيح لقارئ العربية، إنهم وقبل التحاقهم بمدرستكم، كانوا في مدارس اعتيادية، أليس كذلك؟
- نعم اغلبهم ....حينها عانوا من مشاكل لمدة 5-6 سنوات ،خائفون ،متشردون ،يتغيبون عن الدوام ،ولهذا لم يتعلموا بما يكفي ،وعلينا أن نبدأ معهم من الصفر ،نعلمهم الحساب والكتابة ، وإذا ما كانوا وكنا محظوظين ، نؤهلهم مثل أقرانهم ،لخوض الامتحانات في الصف التاسع ،وهذا لا يهم كثيرا ،لان أهم شيء هو أن يكونوا سعداء بالالتحاق بالمدارس الاعتيادية ثانية ،والأغلبية ينجحون بهذا.
هل مدرستكم مغلقة، أي ممنوع على الطلبة مغادرتها ؟!
- المدرسة ليست مغلقة ، بعد نهاية الدوام ،يذهب الشباب إلى بيوتهم ،طبعا عدد غير قليل منهم يتسكع في الشوارع ، وهي تضم عشرة صفوف كل صف عشرة طلاب ، وفي كل صف ، معلمَين تربويين اثنين ،مدرستنا خاضعة لقانون المدارس في بلدية كوبنهاكن ،ولان هؤلاء الشباب يكرهون المدارس ، فان مدرستنا لا تشبه المدارس في تصميمها أو في طرق التدريس فيها،هي تشبه البيوت ، وتشبه نادي ترفيهي للشباب.
علمت إن الكثير من هؤلاء الطلاب الشباب كانوا مسجونين أو محكومين ؟!
- لا ليس تماما ، قلة قليلة منهم ، لان السجن في الدنمارك لمن ارتكب جرائم خطيرة وكبيرة ، وهؤلاء ارتكبوا جرائم صغيرة ،كأن يسرقوا أشياء من المحلات كالكحول مثلا ،أو يسرقوا الدراجات النارية ، وأحيانا أخرى مارسوا العنف ضد أشخاص آخرين ،وفي مدرستنا من يمارس العنف يُطرد من المدرسة .
هل يلتحق هؤلاء الشباب الجانحون بمدرستكم طوعيا ؟!
- يجب أن يقولوا نعم ، لنقبلهم بمدرستنا ،الكثير منهم لديهم مشاكل تكون بلدية المدينة على علم بها ،وهي من تخيرهم بين أمرين الالتحاق بمدرستنا أو الذهاب إلى معاهد متخصصة أخرى يقيمون بها ولا يسمح لهم بالخروج منها ،ولهذا يفضلون المدرسة على المعهد ، بعضهم يكون سعيد بوجوده ،والبعض الآخر لا.
كم هو عدد المدارس التي تشبه مدرستكم ؟!
- في الدنمارك لا اعلم ، ولكن في كوبنهاكن قرابة الثلاث مدارس ،ولكن توجد مدارس أخرى متخصصة لها طريقتها ، على سبيل المثال بالشباب الأكثر إجراما ،إذ تدفع هذه المدرسة 50 كرونه 9 $ يوميا للشاب الذي يلتزم بالحضور وبإنهاء دوامه اليومي ،مدرستنا وسط بين هذه الأخيرة المتخصصة بالمجرمين حقا والمدارس الاعتيادية.
لدينا شباب ليس لهم علاقة بعالم الجريمة تماما، بل لديهم مشاكل نفسية.
عذرا .. يبدو لي غريبا أن يُدمج الشباب ذوي المشاكل النفسية بمن لديهم سوابق إجرامية !
- كلمة : سوابق إجرامية ، ليست دقيقة ، هي " أخطاء صغيرة " من أطفال بين 14-16 سنه ، هذا ما قصدته ،لان من لديه مشاكل نفسية خطيرة يذهبون إلى مدارس متخصصة بهم تحديدا، وهذه تكلف البلدية أموال كثيرة لطبيعة المتخصصين العاملين فيها.
البلدية هي من تدفع لكم أيضا!
- نعم ولنكن أكثر دقة فهو المواطن العادي من يدفع، هي من ضريبته.
هل العاملون بمدرستكم متخصصون نفسيا ؟!
- كل العاملين حصلوا على دورات تدريسية بهذا العلم ،ومدير المدرسة متخصص نفساني بعلم نفس الطفل ،قسم من المعلمين هم تربويون متخصصون ،لدينا أيضا طلاب جامعيون في طريق التخصص النفساني ، وعملهم معنا جزء من التطبيق العملي لتخصصهم ،وهو جزء من العلاج .
جزء من طرق تدريسنا ، أن نقوم بمحادثات علاجية لهؤلاء الشباب ، لنعلمهم ثانية كيف يتحدثوا ويناقشوا أفكارهم بهدوء ثانية مع الكبار ،لا تنس إنهم يكرهون الكبار.
يتبع
* لماذا الدنمارك ؟ وما علاقتها بشأننا العراقي ؟!
اخترت أن تكون الدنمارك ... وأنا اقصد الناس والمجتمع بشكل خاص.
أولا: اعرفها أكثر من أي بلاد أخرى عدا عن حبي واحترامي لها..!
ثانيا: هو تميز مجتمع هذه البلاد بميزة إحدى أقدم الديمقراطيات في العالم، ومجتمع رفاهية " والمقصود بالرفاهية بشكل موجز هو: حق وحصول الجميع على نفس الفرص المتكافئة في السكن والتعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي...الخ
تجربتها في بناء الإنسان ، هي ماتعنينا للاستفادة منها ، وهي صلة العلاقة بديمقراطيتنا " العراقية الناشئة".
أريد لهذه التجارب التي سأذكرها على حلقات، أن يستفيد مجتمعنا في بناء الخراب الذي لحق بالإنسان أولا..!
ولكي تكون تجارب الدنمارك مفهومة ، وبالتالي يمكن الاستفادة منها ، لابد من ذكر موجز مبسط عن هذه البلاد الصغيرة:
الدنمارك بلدٌ صغيرٌ وهو احد بلدان أوربا الاسكندينافية، أرضهُ منبسطة لا توجد فيها جبال، ويقعُ ـ محاطاً بالمياه بشكلٍ كاملٍ تقريباً ـ ما بين بحر الشرق والمُسمَّى بالبلطيق وبحر الشمال. تتكون الدنمارك من شبه جزيرة يولاند و 406 جزيرةً أخرى.
النظام الملكي الأقدم في العالم
المملكة الدنمركية هي الأقدم في العالم. لفترةٍ تتجاوز الـ 1000 عام.
لا تتمتع العائلة المالكة بسلطةٍ سياسية، ولكنها تضطلع بالعديد من المهام التمثيلية في الدنمارك وخارجها.
شكل الحكم
الدنمارك ديمقراطيةٌ تمثيلية. مما يعني أن من يقوم باتخاذ أهم القرارات هم السياسيون المنتخبون من قِبَلِ الشعبِ والمتواجدون في البرلمان الدنمركي، وفي مجالس المحافظات وفي المجالس البلدية.
تدرج بناء الديمقراطية منذ العام 1849
إدخالُ الديمقراطية الدنمركية، بحكم الشعب يعود إلى عام 1849. وقد حلَّت محلَّ النظام الاستبدادي في الحكم، والذي كان قد منح الملك منذ عام 1660 سلطةً ونفوذاً غير عاديين.
حصلت النساء على حقِّ الإدلاء بأصواتهن في التغيير الذي طرأ على الدستور في عام 1915 .
التعديل الحاصل في الدستور في عام 1953 نجم عنه أنه ليس من الضروري أن يكون الحاكم رجلاً، بل بإمكانه أن يكون امرأة.
عدد السكان : 5,397,640
المساحة: 43,094 كم مربع
الاقتصاد :
الناتج القومي : 170 مليار دولار أمريكي
لدى البلاد اكتفاء ذاتي من النفط، والغاز الطبيعي، وطاقة الرياح
75% من أراضي البلاد مستغلة زراعيا، الثروة الحيوانية والألبان، هي أهم منتج هذا القطاع
تصدر الدنمارك : الكيمياويات ، الآلات ،الأثاث ، الأدوية ، ومختلف المواد الغذائية . من الصناعات الرئيسية في البلاد : بناء السفن ، والكهربائيات .
- تجارب دانماركية (26) - الأطفال المجرمون
- تجارب دانماركية (25) - تقدر أن تسرق
- تجارب دانماركية (24) - رسائل من الجيران
- تجارب دانماركية (23) 5 - طرق تدريس الدين (الفلسفة وأخرى)
- تجارب دانماركية (23) 4 - طرق تدريس الدين ( الإسلام )
- تجارب دانماركية (23) 3 - طرق تدريس الدين (الديانة المسيحية)
- تجارب دانماركية (23) 2 - طرق تدريس الدين (الديانة اليهودية )
- تجارب دانماركية (23) 1 - طرق تدريس الدين ( المُثل والأخلاق )
- تجارب دانماركية (22) - راتب ملكة الدنمارك وأخرى
- تجارب دانماركية (21) - 4 مليون دراجة هوائية
- تجارب دانماركية (20) - قرى الأطفال (2)
- تجارب دانماركية (20) - قرى الأطفال (1)
- تجارب دانماركية (19) - الملائكة الحمر
- تجارب دانماركية (18) - طفلة أيسلندية في بيتنا
- تجارب دانماركية (17) - المسرح
- تجارب دانماركية (16) - سينما وموسيقى
- تجارب دانماركية (15) - تضامن طلابي وقُبلة بدولارين
- تجارب دانماركية (14) - كارل ماركس في المدرسة الابتدائية
- تجارب دانماركية (13) - فساد وزير
- تجارب دانماركية (12) - عيادات الأسنان في المدارس
- تجارب دانماركية (11) - عنف ومراكز أزمات
- تجارب دانماركية (10) - البقرة المدللة
- تجارب دانماركية (9) - أمهات وحيدات
- تجارب دانماركية (8) - متشرد و " صالة دافئة "
- تجارب دانماركية (7) - أسلحة الدمار الشامل العراقية في الدنمارك
- تجارب دانماركية (6) - معوّق في الدنمارك
- تجارب دانماركية (5) - استبداد ديمقراطي
- تجارب دانماركية (4) - حين صار جيبي منفضة سجائر
- تجارب دانماركية (3) - مكتبات الشعب
- تجارب دانماركية (2) - 1,5 مليون جندي دنماركي
- تجارب دانماركية (1) - زلزال في مدرسة دنماركية