جاسم المطير
الأثنين 14/7/ 2008
معضلة الذاكرة .. وقصة الهروب من سجن الحلة
(22)جاسم المطير
اجتزتُ الشارع العام لأقف في الرصيف المقابل لظهر بناية المتحف الوطني بأمل الحصول على تاكسي لينقلني إلى مدينة البياع . بعض الدكاكين كانت مفتوحة لكن الناس المتجولين كانوا قلائل . ذاك هو مطعم ( باجة ) مكتظ بالناس وأمامه سيارتان للتاكسي . هل أذهب لاستئجار واحدة أم أنتظر في مكاني . لا أدري لماذا راودتني فكرة تناول (ماعون باجة) في تلك اللحظة . ربما لأنني لم أتناولها منذ انتقالي من نقرة السلمان حيث كنا نتناولها ، مرة واحدة ، كل عشرة أيام . بينما لا وجود لهذا " التقليد " في سجن الحلة . هل أتناول وجبة عشائي ، هنا ، أم أسرع في الذهاب إلى البيت . ربما كان أصحابي ، الآن ، ينتظرون قدومي لتناول العشاء معهم . ربما سميرة تنتظر أن نتعشى معا .
كأنني استيقظتُ فجأة من نوم عميق حين كنت أقف منتظرا قدوم تاكسي . أحسست ُ أن عرقا يتصبب على وجهي ، ثم انتبهت إلى أنني أتنفس بنوع من الاضطراب . عليّ أن أكون هادئا إلى أقصى حد ، فهناك اثنان من الانضباط العسكري يتمشيان في ساحة المتحف . كما أن سيارات شرطة النجدة تتحرك بكل الاتجاهات وهي مسرعة كما لو أن شيئا مهما قد حدث في مكان ما في بغداد .
تلك هي سيارة تاكسي قادمة باتجاهي. رفعت ُ يدي مؤشرا لها . وقفت سيارة قديمة جدا أمامي ، كان دخان اسود ينز منها وصوتها العالي المزعج يجلب انتباه المارة . ترددت ، لحظة ، ثم قلت لنفسي : لا شأن لي بنوعية السيارة أو عمرها . لا شأن لي أن تكون حديثة أو قديمة ، فالمهم أن تكون قادرة على إيصالي بأمان إلى البياع .
ــ وين تروح ..؟
سألني السائق .
ــ إلى البياع .
ــ عال أنا ذاهب إلى البياع .. الأجرة 200 فلسا ، أو خليها على حسابي .
فتحتُ الباب وصعدتُ مباشرة لأجلس بجانبه . بدا لي إنسانا طيبا بعمر فوق الستين . ثم أخذ مبادرته بالكلام .
ــ عدت من مدينة الثورة قبل قليل ، ثم تناولت ( ماعون باجة ) برغيفين كبيرين من الخبز مع كاسة طرشي . كانت ( الباجة ) لذيذة حقا . كنت جائعا جدا فأنا أعمل بسيارتي المتعبة هذه من الصباح الباكر حتى منتصف الليل . صارت المعيشة صعبة هذه الأيام وأنا مسئول عن إعالة ستة أنفار .
كان يتكلم من دون انقطاع بينما أنا شارد الذهن لا أتابع ما يقول بل أحاول التركيز واستعادة حالتي الطبيعية التي كنت أحسها مرتبكة .
كان الرجل أشيب الرأس وهو ما زال يرتدي ملابس صيفية . سروال وقميص نصف ردن . توقفت السيارة أمام مستشفى اليرموك .
ــ عطل بسيط .. لا تهتم ..
أسرع في النزول ليرفع غطاء الماكنة . لكنه عاد مسرعا وهو يدمدم :
ــ اللعنة على اسطة نوري الفيترجي . يأخذ أجرا كثيرا لكنه لا يصلح السيارة جيدا .
حاول تشغيل السيارة عدة مرات لكنه لم يستطع . نزلتُ من السيارة . وهيأتُ الأجرة ( 200 فلسا ) مستأذنا منه تأجير سيارة تاكسي أخرى لأنني مستعجل . رفض مؤكدا أن كل شيء سيكون تمام التمام بعد لحظات :
ــ أصبر لحظة واحدة فقط وسأوصلك إلى باب بيتك . عيب علي أن تؤجر سيارة أخرى .
حاول تشغيلها وقد نجح فعلا في ذلك .
ــ أصعد .. أنا في خدمتك .
تحركت السيارة من جديد . كانت الدقائق التي مرت موحشة وربما جعلتني أكثر اضطرابا . فقد كنت موقنا أن الاضطراب لا يغادرني إلا إذا وجدت نفسي داخل البيت . عندي شعور مسيطر عليّ بأنه لا يمكن تفادي الخطر إلا حين أصل نقطة الهدف .
ــ إلى أي عنوان تريد الوصول أيها السيد ..؟
سألني السائق حالما اجتزنا ساحة جامع أم الطبول .
ــ إلى آخر فرع من شارع ( عشرين ) .
ــ حسنا وبكل ممنونية .
هذا هو حي البياع . هذا هو مدخل ( شارع عشرين ) وقد كانت هناك في أوله سيارة شرطة وسيارة نجدة واقفتين بالزاوية اليسرى من مدخل الشارع . بعض الشرطة يتحدثون مع بعضهم الآخر من شرطة النجدة .
ــ يا ساتر .. هذه هي المرة الأولى التي تقف فيها الشرطة بمدخل شارع عشرين . ربما هناك جريمة قتل . ربما هناك مداهمة لبيوت المساكين الذين لا يؤيدون الحكومة . ربما هناك انقلاب عسكري . الله هو العالم وهو الحافظ .
قال السائق وهو يردد بعض الآيات القرآنية .
اجتزنا الشرطة . لم يكن حاجزا تفتيشيا . كانوا يتكلمون بنوع من الهمس عن أشياء تهمهم ، عن أشياء يعرفونها أو مكلفين بها .
أخذ السائق يتكلم عن الشرطة وعن أساليبهم المتنوعة للحصول على الرشوة في هذه الأيام . أنهم يتعلمون النهب والسلب من كبيرهم حرامي بغداد .
ــ هل تعرفه .. هل تعرف حرامي بغداد ..؟
سألني وهو يبتسم ابتسامة عريضة .
أجبته ببرود :
ــ لا والله .. لا أعرفه ..
قال .
ــ أنه رئيس الوزراء .. طاهر يحيى
توقفت عن الكلام ، كما صمت هو أيضا .
وصلنا إلى نهاية شارع عشرين وقبل الفرع الأخير انعطف إلى اليسار حيث علينا أن نبحث عن الدار رقم 36 . كانت السيارة تسير ببطء في أزقة ملتوية عديدة تضيق مرة وتتسع مرة أخرى . لم نعثر على الرقم 36 . مرت من أمامنا فجأة سيارة شرطة النجدة . أشار السائق إليها فتوقفت ثم سأل الشرطي عن الدار رقم 36 .
سأله الشرطي :
ــ دار من هي .. ما اسم مالكها أو مستأجرها ..؟
قلت بتردد حين سألني الشرطي الذي نزل من سيارة النجدة :
ــ بيت الحاج محمد
لاحظت أن السائق يشير سرا بحركة من أصابعه قرب رأسه ، مشيرا نحوي ، كي يفهم الشرطي بأنني لست سليم العقل ، بل هناك نقصا ما في عقلي .
قال الشرطي :
ــ اتبعونا ..
هذه هي الدار المرقمة 36 .. كان سكانها جميعا بانتظار قدومي . سيارة شرطة النجدة الواقفة قرب الباب افترست أعصابهم جميعا وأولهم سميرة ، وهم يشاهدون لحظة نزولي من سيارة التاكسي .
قدمتُ كلمات الشكر الجزيل إلى شرطة النجدة بهدوء تام . ثم دفعت مبلغ الأجرة إلى السائق الطيب وشكرته بأطيب الكلام ، بهدوء تام أيضا .
دخلتُ البيت مطمئنا وأنا في غاية السرور . كانوا مسرورين لقدومي ، صغارا وكبارا ، بعد أن واجهوا حالات من القلق الشديد خلال الساعتين الماضيتين .
مائدة العشاء كانت جاهزة .
على المائدة كنت في غاية القوة والسرور وكنت خطيبا واقفا لأقول لهم شيئا مختصرا عن رحلة ( الحرية وعواصفها ) بالقول :
سيداتي سادتي .. رفاقي ورفيقاتي .. مرحبا بكم حول هذه المائدة الشهية .. لا بد أنكم ترغبون في سماع قصة الساعات الماضية التي واجهتها مع رفاقي الآخرين . كانت ساعات صعبة حقا وبفضل اجتماع ذكائنا ، نحن السجناء الهاربين ، وحظوظنا ومصادفات كثيرة استطعنا قطع المسافة بين الحلة وبغداد بنجاح ، كما استطعنا تفادي جميع نقاط الخطر التي كانت تصبح وراءنا ، الواحدة بعد الأخرى . سوف أروي لكم ، أيها الأعزاء ، تفاصيل رحلتنا الخطيرة في يوم قادم .
لم نكمل وجبة العشاء ، بعد ، حتى أصغينا إلى راديو صوت العرب من القاهرة وهو يذيع الخبر التالي :
( تمكن عدد من السجناء الشيوعيين العراقيين الهروب من نفق طويل حفروه تحت مباني سجن الحلة المركزي جنوب العاصمة بغداد وكان على رأسهم القيادي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حسين سلطان المحكوم لمدة 9 أعوام ومن بينهم الصحفي جاسم محمد المطير وهو شيوعي محكوم عليه بالسجن لمدة 20 عاما ، والشاعر الشيوعي مظفر النواب المحكوم عليه بالسجن 20 عاما ، وآخرون لم يعرف عددهم حتى الآن ..) كما أخبرتني سميرة أنهم سمعوا قبل وصولي بقليل راديو إسرائيل يذيع خبرا عن هروب العشرات من السجناء السياسيين من سجن كبير يبعد 90 كيلومترا عن العاصمة بغداد ، قبل أن يذاع هذا الخبر من صوت العرب .
كان النقاش سريعا بيننا ، جميعا ، بعد الانتهاء من وجبة العشاء متركزا على البحث عن جواب معقول لسؤال : هل يأتي خطر من شرطة النجدة الذين كانوا مرشدين لي في الحصول على عنوان البيت .. هل من المحتمل أن يفكر أحدهم بأني كنت من الهاربين ..؟
انتهى النقاش بضرورة انتقالي وسميرة فورا إلى بيت آخر كأجراء احتياطي.
نقلنا أحد المضيفين بسيارته الخاصة إلى بيت آخر في حي الحارثية . كانت الساعة عندئذ تشير إلى الرابعة من أول صباح أراه أبيض خارج السجون تنفست ُ فيه حريتي ورجولتي .
أغمضتُ عيني ، لكنني لم أنم فقد تكاثف القلق عليّ مرة أخرى .
يتبع
بصرة لاهاي في 14 – 7 – 2008
¤ الجزء الحادي والعشرون
¤ الجزء العشرون
¤ الجزء التاسع عشر
¤ الجزء الثامن عشر
¤ الجزء السابع عشر
¤ الجزء السادس عشر
¤ الجزء الخامس عشر
¤ الجزء الرابع عشر
¤ الجزء الثالث عشر