جاسم المطير
الأحد 31/8/ 2008
نقرة السلمان
(3)جاسم المطير
في نقرة السلمان تحدي القسوة بالثقافة
أنه لشيء غريب حقاً أن أشعر بالراحة والسعادة في هذا المكان نسبة الى الأمكنة الأخرى التي يمر بها السجين عادة ، منذ أول يوم دخوله الى المعتقل . هذا المكان يعني أول ما يعني أن السجين حي . بينما كل موجود في داخل مقرات الحرس القومي هو انسان ميت رغم وجود نبض يحسه برسغيه . لنقل انه يتوقع الموت مع الخوف منه . لكن السجين هنا يتطلع الى ساعة إطلاق سراحه .. يتطلع الى اللحظة التي يتحول فيها الاعلان العالمي لحقوق الانسان من وثيقة محفوظة في ادراج الامم المتحدة الى وسيلة فعلية في الصحافة وفي دوائر السياسة وفي قاعات القضاء العادل.
هذا المكان يطلق عنان السجين لنوازع الخوف من دون الموت إلاّ القليل من المحكومين بالاعدام فهم ينتظرون الموت أو أقل منهم درجة وهو الحكم المؤبد . المهم ليست لدينا الآن لا أزمات الموت ولا أزمات الخوف فأغلب السجناء بحالة الأستقرار ، ننتظر ممارسات شعبية ودولية للضغط على الحكومة لأطلاق سراحنا .
على كل حال وبأية حقيقة تحيطنا علينا أن نحيا في مكان وحيد من نوعه يعني جميع سكانه بالسياسة والأقتصاد والأدب والفلسفة واللغات . لا يعني أحد منهم بالتسوق أو الجوال في المقاهي أو الملاهي أو السفر الى خارج مستقره اليومي أو زيارة الجوامع بالنسبة للمتدينين.
هذا المكان ، بقدر ما يصنع من أفكار فيها القوة أحيانا وفيها الضعف احيانا أخرى ، إلاّ أنه لا يعني بالانتاج ولا بالامور المتعلقة باقتناء التلفزيونات أو الثلاجات أو الخضروات ، أي بالاستهلاك .
شيء وحيد يعنينا هو الراديو . وسيلتنا الوحيدة في الأرتباط بالحياة وبالعالم كله . بها يمكننا أن نتصور أنفسنا وأن نتصور مستقبل أفكارنا وبالتالي مستقبل بلدنا . لذلك فأن مبعث سعادتي الحقيقية ، اليوم ، أنني حصلتُ على راديو صغير . لم أجربه ، بعد ، لأنه وصلني من دون بطاريات . وعدني سامي أحمد أنها تصل غداً .
سأكون أبتداءً من يوم غد صديق الأذاعات العربية والاجنبية طوال الليل كله . أهالي القرية يطلقون على قريتهم أسم " السلمان " وليس نقرة السلمان كما كنا نسمع عنها قبل مجيئنا اليها. ليس من السهولة معرفة من هو " السلمان " الذي سميت بأسمه القرية . لكن المبدأ الرئيسي لهذه القرية أنها تضم سجاناً وسجين . الوجود في هذا المكان لطرفين : قامع ومقموع ، أحدهما يراقب الآخر . كنتُ أعتقد أن أحدهما يتربص بالآخر ، لكن ما شاهدته خلال هذه الأيام القليلة من وجودي ومن خلال ما أسمعه من سجناء قبلي فأن المباديء المتضادة بين الطرفين محكومة بالشكليات الأدارية والسجنية فقط .
من جانب السجانين فأنهم في أعماق غالبيتهم يحملون طبيعة إنسانية طيبة لم أكن أتصور وجودها بمثل هذا الحد . أنهم أمثلة جزئية فقط لتصورات الحكومة التي أرسلتهم الى أبواب السجن كي يكونوا جلادين لمن يدخل منها أو يخرج . نحن هنا جميعاً بشر واحد . الفرق الوحيد بيننا وبينهم انهم يطيعون اوامر الدولة طاعة عمياء بينما نحن نطيع المباديء الانسانية والحرية الانسانية والعدالة الانسانية .
أجتمعنا ، سجانين ومسجونين في مكان واحد على أختلاف مذاهبنا وتعدد ألواننا . ربما هناك تدرج في مستوى هذا السجان أو ذاك من الخطيئة الى الطيبة أو العكس ، لكننا بصورة عامة لا نجد هنا تباين الألسنة بين السجناء وسجانيهم كما هو الحال في أماكن أخرى ، مقرات تعذيب أو مقرات الحرس القومي ، حيث كلمة السجان بالتهديد والشتيمة مرتبطة مع صوت السياط .
ننعم بعلاقة ودية متبادلة .
السجناء يعرفون أن الزمان والمكان هنا هما ليسا من صنع السجانين .
السجانون لا يعرفون أن السجناء أرادوا أن يواصلوا إشادة حضارة لبلادهم متجددة بفعالية الأفكار المتجددة ، غير أن الحكومات ردتهم الى الأبجدية الأنسانية الأولى بالعيش داخل مساحة محدودة في عمق الصحراء.
السجناء والسجانون يتقاسمون أزمات ونوائب العيش الصحراوي المر .
بهذا الواقع وجد كل منهما أن له صلة بالآخر . وصار كل واحد منهما يريد تعميق وشائجه بالآخر . ولئن كان السجانون أغلبهم من البدو إلاّ أنهم أوفوا غايتهم في صداقة السجناء وما تبعها من حقوق وواجبات للطرفين .
السجان يحمل مسدساً لحماية نفسه من تمرد السجناء إذا كان في داخل السجن أو حواليه . بدل المسدس حلت الأصالة البدوية في علاقة السجناء الحضريين مع السجانة الهجانة من شرطة البادية .
أصالة غالبيتهم كانت تدفعهم ، دائما، الى أن يبحثوا لنا في آبار الصحراء عن أفضل المياه الصالحة للشرب ليدلوننا عليها .
الآبار الأرتوازية متنوعة . منها ما هو صالح للشرب ، ومنها ما هو لا يصلح بسبب وجود الأملاح والكبريتات المتنوعة الناقلة الى كثير من عسر الهضم والى كثير من الأمراض المعوية .
نراهم يضعون مسئوليتهم أمام أنفسهم فيجوبون الصحراء بحثاً عن آبار تزودنــا بالماء الصالح للشرب . في هذا مخالفة لرغبة حكومة بغداد التي حفرت آبارا للسجناء على بعد أمتار من جدران السجن ، لكن ماءها مر كالسم . لا يسلم شاربه من أمراض مستعصية لسنوات عديدة أو قد تدوم مدى الحياة .
يخالفون أوامر الحكومة في أشياء أخرى :
يزودوننا بالأقلام والأوراق والكتب حتى الممنوعة . ويعرفون عن وعي أن لا حضارة من دون هذه الحاجات فهي مادة الحياة بالنسبة للسجناء .
يزودوننا بالراديوت والمسجلات والصحف والمجلات . لا حضارة للسجناء من دون وسائل الاتصال بالعالم الخارجي .
هكذا هم فهموا الأمر بتجربتهم.
نصادف أن نجد بعض السجانين ليسوا بمثل هذا الفعل . يطغي عليهم الخوف . هم لا يحملون نزعة الكراهية للسجناء ، لكن يصادف أن تظهر مثل هذه النزعة في بعض الاحيان أو في بعض المواقف . خاصة إذا أحتدم نقاش بين سجين وسجان يصر فيه كل منهما على مطلبه أو موقفه . لكن مدير السجن نفسه أو غيره من الاداريين كانوا يتحاشون فرض قساوة السجان على السجين . إذا كانت هذه القساوة في نظرهم جائزة أيام سلطة الحرس القومي ، فأنها غير جائزة بعد سقوطها المريع .
من باب اخر يمكنني ان اقول ان ما شاهدته هنا في سياسة وتصرف لجنة التنظيم الحزبي والهيئة الادارية كان يتسم بالحكمة والمرونة في العلاقة مع السجانين ومع مدير السجن ومع مدير شرطة البادية ايضا فصارت كل ظاهر العلاقة بين السجناء والسجانين سلسة اوجدت نوعا من علاقات وعادات يومية لا يمكن لاي طرف من الطرفين التخلي عنها فقد ترسخت قواعد متينة بنوع من المحبة ليس فيها قسر .
الخلاصة أن وضع هذه القرية متميز بنوع من الحساسية والخصائص . من ناحية نجد العواطف جارفة ومنفعلة لدى الطرفين : السجان والسجين . ربما تؤدي هذه العواطف الى التهلكة في أية لحظة إذا ما فقد أحدهما السيطرة على نفسه في مواجهة قوة الإصرار لدى الجانب الآخر ، أو في حالة تدخل مباشر من حكومة بغداد لتدمير هذه العلاقة بوسائل بوليسية مختلفة .
من ناحية أخرى فأن للجانبين مأساة واحدة مشتركة موجودة ليس في الحالة المعيشية الصعبة في هذا الجزء الصحراوي القاسي من العالم حسب ، بل في كون كل فرد منهما هو انسان متورط بشجاعة لا تتزعزع وبأمل لا يضعف من أجل التحرر من أعماق الظلمة التي تلف الجميع . كل واحد من السجناء والسجانين مستسلم لصدفة وجوده في هذه القرية بسبب قرارات سياسية ـ حكومية فائقة القوة والقهر تمثل إحدى فلسفات العالم الحديث تجد تعبيرها المباشر في نظام الحكم الدكتاتوري المفروض من قبل حفنة من الناس من خارج النفس البشرية .
من يصدق أن السجان ، هنا ، لا السجين ، يشتم رئيس الجمهورية ألف مرة باليوم الواحد لأنه وضعه ووضعنا في هذا المكان . خير ما يقوله بعضهم عنه أنه أفضل من الحرس القومي وأفضل من البعثيين .
أنا مستريح هنا.
يزول قلقي مع مرور الأيام . ما زلتُ أستعيد ، بصورة ما ، بعض أحلام زاخرة بحياة نشيطة مليئة بفعاليات مختلفة وأنطباعات محسوسة ، واستذكار مشاهدات وانطباعات ما قبل ألقاء القبض علي ، وحتى من أيام الطفولة المبكرة ، أو أيام الفتوة والشباب التي تركزت في قراءاتي واستعدادتي لفهم نظريات الصراع الطبقي ، التي كنا نجد أنفسنا قبالتها نحن أبناء هذا الجيل ، نناقشها في المقاهي أو في تجمعات الأصدقاء الأحتفالية ، أو في داخل الخلية الحزبية. لا يمكن أن أنسى تأثيرات المجلات الماركسية والشيوعية والكتب الأدبية التقدمية والثورية القادمة إلى البصرة ، سراً ، من الكويت مخبأة في سيارات الأصدقاء القادــين لزيارة أقاربهم أو أصدقائهم أو معارفهم في البصرة . . كل تلك الاماكن والوسائل ساعدتني وساعدتنا جميعا نحن السجناء في التمرد على السيئات التي رسختها الطبقات الحاكمة في المجتمع وصرنا نبحث عن كيفية حل اشكالياته بواسطة النضال من اجل الحرية والديمقراطية التي كنا نفهمهما بنظرة عامة .
هنا نجد أشياء متنوعة للمباراة الذهنية مجتمعة في مساحة جغرافية محدودة . بعضنا منهمك بمتابعة أحوال الأتحاد السوفياتي وأخبارالدول الأشتراكية . بعضنا الآخر يتابع ما يجري في العالم الراسمالي وازماته . البعض يحاول الاستفادة من زمن السجن لمعرفة الحياة الثقافية وتطورها غير المنفصل عن الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بالدخول الى اعماق تاريخ الفلسفة وتاريخ الثقافة بوجهة نظر ماركسية . البعض الآخر يتابع ضروب الشعر الشعبي كالأبوذية والدارمي والنايل والعتابة وغير ذلك من أشكال النظم . سبحان الله الذي جمع الشاعر والمغني البدوي الجريء سعدي الحديثي ، مع الشاعرالحضري الجريء مظفر النواب ، مع الشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي ، مع الشاعر المحامي هاشم صاحب المتحول الى شعر الهجاء ، مع الشاعر ألفريد سمعان الذي ينظم شعرا يعبر عن علاقة الفرد بالمجموع و عشرات الشعراء الآخرين ، كما يوجد شعراء ينظمون القصيدة الحسينية .
هناك سجناء منشغلون بكتابة الرسائل ومتابعة أخبار أهاليهم وأصدقائهم بمختلف الأساليب المتوفرة . صلة السجناء بالسماوة يومية ، فلا يوجد يوم لا يذهب سجناء الــى مستشفى الديوانية ولا يوجد يوم بدون قادمين جدد عبر مركز شرطة السماوة . كل ذهاب أو أياب يحمل رسائل سرية أو علنية كما يحمل الصحف والنشرات والاخبار السياسية .
يبدو الطب المشوب ببعض الروحانيات موجود في هذا المكان مثلما موجود الطب الحديث.
يوجد معنا سجين كردي تجاوز الستين من عمره .. كاكه عمر . يحب مساعدة الآخرين ، كأنما خلق لهذه المهمة (يسمونه بالسجن : الرجل الذي يعمل ولا يتكلم ..!) . ينهض مبكراً . بعد الفطور مباشرة يبدأ جولاته في السجن يسامره السجناء أو يعالج المرضى منهم بطريقته الخاصة . من عنده صداع يشد جبهته برباط في داخله خشبة صغيرة يداورها فتضغط قطعة القماش على جبهة المريض ومؤخرة رأسه فيزول الصداع بعد ساعة أو أقل ..!
في هذه الأيام منشغل جداً للبحث في كل زوايا السجن عن عقرب أسود لدغ حسين عبود الخياط (من أهالي البصرة) بقصد ألقاء القبض على العقرب المراوغ وقتله .
يعتقد عن تجربة كما يقول أن بقاء العقرب حياً حراً معناه بقاء حسين عبود متألماً من اللدغة . لن تسكن آلام الملدوغ من عقرب أسود إلاّ إذا قتل العقرب وتم حرقه لوضع رماده على مكان اللدغ ..!
لن أنسَ ، أبداً ، هذا الشعور الطاغي لدى هذا الانسان ، الذي نفذ الى أعماقي منذ أول يوم من معرفتي به . الشعور نفسه تجده لدى الأكثرية من السجناء لأنه ، بالأساس ، زاخر بنسيج حياة جماعية عصيبة ، تبدو فيه الحرية حقاً طبيعياً لجميع أعضاء هذا المجتمع المقطوع عن العالم ، أو الذي أريد له أن يكون مقطوع الصلة بكل ما يجري على أرض العراق وفي الكرة الأرضية كلها.
أنه ، حقا ، مجتمع قاس مضروب بكل قيد من انواع العذاب المقيم بالوحدة المريرة التي ارادت الحكومات الطاغية بواسطتها ان تمسح من ذهن السجين الشيوعي ذاكرته وإرادته لتكون الشيوعية بعد ذلك عاجزة عن كل تخطيط من اجل مستقبل مغاير .
لكن القرية صارت لي أول دليل واضح على هزيمة الخوف من السجناء ، وانتقاله الى قادة السجانين القابعين في وزاراتهم ببغداد . ففي كل يوم يأتي أمر من بغداد إلى إدارة السجن :
امنعوا دخول الراديو .
فتشوا كل شيء يدخل الى السجن أو يخرج منه .
لا تتسامحوا مع السجناء .
سنقوم قريباً بتفتيش السجن .
لا ترسلوا السجناء المرضى الى مستشفى الديوانية حتى الذين يواجهون حــالة الموت المؤكد ..
هكذا تأتي الأوامر والتعليمات الضاغطة على السجناء متتالية ، يوماً بعد آخر ..
نسخة من كل برقية تصل الى السجناء بعد ورودها لاسلكياً الى أدارة السجن ..! فقد وفر السجناء وسائلهم الخاصة للسيطرة على البريد الرسمي لأدارة السجن ليعرفوا أسرارها واحداً واحداً بتفاصيله ..!
كل شيء موجود خارج السجن في القرية الصغيرة وفي العراق يعرفه السجناء معرفة تفصيلية جيدة . لكن كل شيء داخل السجن لا يعرف السجانون تفصيلاته ولا يعرفها غيرهم . ان بوابة السجن مفتوحة لما يدخل منها من خارجها ، غير أن البوابة ذاتها مقفلة من داخلها لا يخرج منها غير نداء حقيقة واحدة : الظلم ظلام يغطي وطن الرافدين كله ، ودليل وجوده سجناء نقرة السلمان.
نحن كائنات طبيعية قبل دخولنا الى السجن وسنظل كائنات طبيعية داخله مهما بلغت قساوته .
هكذا كان وجدان كل سجين يعبر عن حرارة العطف على قضايا الشعب العراقي .. وهو يجدد تضحياته بشجاعة كل يوم في صحراء نقرة السلمان .