جمال الخرسان
gamalksn@hotmail.com
ذاكرة القصب (28)
قصة مدرسة ..!
جمال الخرسان
للمدرسة دور اساسي في النهوض بالمجتمع وتنشئة جيل واعي متعلم قادر على مواكبة الحياة المعاصرة ومتطلباتها، لا شك في ذلك، لكن في بعض الاحيان فإن المدرسة وما يحيط بها تعني اكثر من ذلك بكثير، المدرسة تمثل شاهدا حيا على تعاقب جيل بعد جيل، ومتغير سياسي واجتماعي بعد آخر. انها تتقمص دورا آخر لتكون بمثابة مدوّنة عفوية في زمن ما قبل الانترنت، تحفظ من خلالها الكثير من ذكريات الماضي. هكذا كانت "مدرسة الجهاد الريفية" في قرية الصيكل التي تبعد خمسة عشر كيلو مترا عن ناحية الخير التابعة اداريا لمحافظة ميسان.
كانت قرية الصيكل عامرة باهلها منذ زمن بعيد، ولم تكن هناك مدرسة رسمية، بقي الحال على ما هو عليه حتى العام 1958حيث افتتحت هناك اول مدرسة ابتدائية، كان ذلك بعد وصول عبد الكريم قاسم الى السلطة.
وزارة التربية بحثت عن مكان مناسب للمدرسة، فالقرية اساسا عبارة عن جزر صغيرة لا تتجاوز مساحة بيت من القصب او ربما اكثر بقليل، هكذا هو حال معظم قرى الاهوار، لكن قرية الصيكل لها وضع مختلف بعض الشيء فهي من اكبر القرى في الاهوار الوسطى ويتوفر فيها من الخيارات ربما ما لا يتوفر في القرى الاخرى، عنها يقول ثيسيغر في كتابه عرب الاهوار: "الصيكل اكبر قرية اراها حتى الان مقسومة بممر مائي فسيح امتدت على كلا جانبيه مساحة طويلة ضيقة من اليابسة حملت عددا من المضايف والدكاكين في حين بنيت بيوت القرية البالغة اربعمائة او خمسمائة بنموذج المعدان على الدبن. يطل على مدخل القرية الغربي حصن بني بالطابوق بشكل سريع من قبل العيسى حين كانت القرية تحت تهديد البومحمد فقد اظهرت جدرانه شقوقا وصدوعا عميقة. وفي الجهة المقابلة للضفة الجنوبية بناية ذات سقف مسطح معدة كذلك للدفاع في حالة الحرب بغرفها المبنية حول فناء صغير".
الحصن الذي اشار اليه ثيسيغر كان الخيار الاكثر منطقية بالنسبة لوزارة التربية، فاستثمرت تلك البناية المهيبة في تاسيس اول مدرسة في تاريخ تلك القرية، وتحوّل المبنى من مسكن للشيوخ والاقطاعيين الى مدرسة ابتدائية.
المثير جدا عن تلك البناية ليس فقط انها حصن كبير في قلب الاهوار، بل مضافا الى ذلك انها بنيت بالكامل من الاجر الذي يستخرج من اليشن " التلال" الاثارية القريبة وخصوصا شان "المشيهد" الواقع غرب الصيكل، كان ذلك في الاربعينات من القرن الماضي حينما حصل خلاف بين عشيرة البو محمد وعشيرة آل عيسى التي لها تواجد رمزي في الصيكل باعتبار انها تسكن اساسا في قرية الشطانية القريبة من ناحية السلام، ولهم شيخ معروف هناك اسمه "مزيد الحمدان".
لقد طلب الشيخ عبد الله السكر "عم مزيد بن حمدان شيخ عشيرة آل عيسى وممثله في قرية الصيكل" طلب من اتباعه عام 1945 بناء حصن منيع من اجل ان يحتموا به فيما لو استهدفتهم عشيرة اخرى، وهكذا قاموا بنقل الطابوق القديم من التلال التاريخية من اجل ان يبنوا به صرحهم الكبير.
بقيت تلك البناية هي المبنى الاساسي لمدرسة "الجهاد الريفية" مدرسة قرية الصيكل، وبجنبها بنيت بعد ذلك بناية كبيرة ايضا كي تكون مركزا للشرطة، لكن عناصر الشرطة الذين بقوا فيها فترة من الزمن تركوا المبنى مقفلا بعد ذلك وانسحبوا الى المدينة، وهذا ما دفع ادارة المدرسة مفاتحة وزارة التربية من اجل استغلال ذلك المبنى، فتمت الموافقة، ومنذ الموسم الدراسي1987- 1988، وبعد الثلاثين عاما من التدريس في المبنى المثير المشيّد من آجر وطابوق الحضارات السومرية القديمة، انتقلت المدرسة الى مبنى مختلف لا يقل اثارة عن المبنى السابق، فالمبنى الجديد اساسا مركز للشرطة، كما انه مبنيّ من الخشب والبردي المضغوط وبقية المواد الاخرى المختلفة عن المباني الاعتيادية في المدن، اضافة الى ذلك فإن ذلك المبنى اصبح في العام 1989 مبنا مشتركا ليؤدي وضيفتين، الاولى كونه مدرسة ويضم الكوادر التدريسية والطلاب ومخازن الكتب، والثانية كونه نقطة عسكرية للجيش العراقي الذي شن هجوما مطولا على مناطق الاهوار حينها واستقر هناك، وطلب باصرار استغلال احد الصفوف من اجل ان تكون نقطة عسكرية اضافة طبعا الى استغلال الجيش للمبنى القديم المجاور للمدرسة! تلك المفارقة العجيبة ليست غريبة تماما عن سير الاحداث وتناقضاتها الحادة جدا في العراق، فالمفارقات المشابهة تكاد تكون هي القاعدة وليست الاستثناء، ان الهوس الامني يجعل السلطات الحاكمة لا تعير اهمية للتفريق بين دور التعليم ودور القوى الامنية والجيش، وقد قال كبيرهم الذي عملهم السحر: " للقلم والبندقية فوهة واحدة!".
كان العام 1991 هو آخر المواسم الدراسية في تلك المدرسة، فبعد التداعيات التي حصلت عام 1991 اسدل الستار على "مدرسة الجهاد الريفية" وبعد سنوات معدودة اسدل الستار ايضا على قصة قرية مثيرة تسمى الصيكل لتتحول تلك القرية التي كانت تجري من تحتها الانهار في يوم من الايام.. الى مجرد ذكرى!
ذاكرة القصب (26) - الاهوار في الانعاش الى اجل غير مسمى
ذاكرة القصب (25) - الاهوار وكارثة التجفيف
ذاكرة القصب (24) - الاهوار في دوامة السياسة
ذاكرة القصب (23) - حينما يتنفس مظفر النواب برئة سومرية
ذاكرة القصب (22) - الغناء بين حقول القصب والبردي
ذاكرة القصب (21) - حفيظ وعالم الاسطورة في الاهوار
ذاكرة القصب (20) - غياب التعليم مشكلة اساسية في الاهوار
ذاكرة القصب (19) - الصيد وانواعه في الاهوار
ذاكرة القصب (18) - السنونو سفير الاهوار الى بحر البلطيق
ذاكرة القصب (17) - المباني في الاهوار
ذاكرة القصب (16) - البردي شفرة الاهوار القديمة
ذاكرة القصب (15) - حياة الاهوار بسيطة شعارها الاكتفاء الذاتي
ذاكرة القصب (14) - أسفا على الجفاء يا نيكلسون!
ذاكرة القصب (13) - هايردال في مغامرة من سومر الى وادي السند
ذاكرة القصب (12) - وليفريد ثيسيغر صديق الاهوار الحميم
ذاكرة القصب (11) - كلب الماء الذي استهوى ماكسويل
ذاكرة القصب (10) - كافن يونغ وقلق التجفيف
ذاكرة القصب (9) - الاعلام البريطاني والاهوار
ذاكرة القصب (8) - البريطانيون والاهوار قديما وحديثا
ذاكرة القصب (7) - الاهوار والرحالة والمستشرقون
ذاكرة القصب (6) - في جغرافيا الاهوار
ذاكرة القصب (5) - عن نشوء الاهوار
ذاكرة القصب (4) - جغرافيا الكنوز
ذاكرة القصب (3) - فوضى التسميات وغياب المصطلح العلمي
ذاكرة القصب (2) - كل شيء من الماء والقصب
ذاكرة القصب (1) - عشرون عاما على الكارثة