جاسم المطير
الأثنين 1/9/ 2008
نقرة السلمان
(4)جاسم المطير
السجين ، أينما كان ، هو بشر من لحم ودم في طاقة وروح .
السجين السياسي ينطبق عليه هذا الوصف بزيادة انه يناضل من اجل حقه في الحرية وحقه في الدعوة لتحرير شعبه وحقه في تحرير عقل الانسان من الخوف . اذا كان النضال من اجل الحرية اختيارا فان الدخول الى السجن ليس اختيارا بل ان بين اختيار الحرية والدخول الى السجن فترة طويلة من المخاطرة ومن تناوب الافعال التي يتحول فيها الانسان الى مناضل . كثير من الناس بما فيهم أبي وأمي وآباء وأمهات كل السجناء السياسيين يعتبرون إرادة أبنائهم ضربا من الجنون . الحكام والحكومات يتصورون ان وجود السجين بين الجدران ينجز عملية " تعقيل " المتمردين ضدهم . إنهم على خطأ لأنهم لم يدركوا ان عمل الانسان الشيوعي يتضمن جدلا متواصلا بين أمانيه وأماني أعدائه . هذا الجدل هو من أختصاص العقلاء المحكومين أكثر من الحاكمين الذين لا امتياز لديهم غير السجون .
انني أرى بوضوح تام ، برغم قسوة وعذاب السجن ، ان الفعل المحبوس هنا هو المنتصر ، الآن وفي المستقبل . العقل حقيقة تبحث عن هدوء وصبر وتعمق في البحث عن أصول التغلب على حاملي السياط الموجعة . لقد تعلم " الحاكم " بضع كلمات فقط من كل كتب الحياة ، هي : القتل ، والسجن ، والغدر ، ووأد حريات الناس وحقوقهم .
القتل أنواع : منه بالرصاص ومنه بالفقر ومنه بالجهل ومنه بالغدر ومنه تطويق عقول الناس بالاكاذيب ومنه تحويل البشر الاحياء الى بشر ينتظرون الموت في السجون.
كلنا نتذكر في هذا المكان ما فعله هتلر بالانسان الألماني أولاً ، يهوداً ومسيحيين ، وشيوعيين واشتراكيين وغيرهم . نتذكر ما فعله هتلر بالشعوب الكثيرة التي أحتل بلدانها من موسكو حتى باريس ومن شرق أوربا حتى غربها وفي أماكن أخرى من العالم .
نفس الشيء فعله موسوليني والفاشية الايطالية .
نفس الشيء فعله الأنكليز في مصر وفي العراق والهنــد وغيرها .
نفس الشيء فعله الفرنسيون في سوريا ولبنان والجزائر .
نفس الشيء فعله الايطاليون في ليبيا .
لا يمكن نسيان حتى ما فعله حملة شعارات الحرية والديمقراطية ومعاداة النازية من الأنكليز الذين أحتلوا ألمانيا فقتلوا وذبحوا وأحرقوا وقطعوا رؤوس الألمان بالمقصلة الألمانية الهتلرية نفسها التي أدانوا هتلر لأستخدامه إياها .لا ننسى قــول الماريشال مونتجمري الشهير :
ـ واجبنا تحطيم الألمان .. لا كلام معهم ولا سلام ولا معاملة أنسانية معهم .. لا تضعوا أيديكم على رؤوس أطفالهم اليتامى ..
كذلك لا أحد يمكن أن ينسى تعليمات المستر أتلي القائلة :
ـ ضعوهم في السجن حتى يموتوا ..!
ها هم أولاد هتلر وأتلي وغيرهما يضعون آلاف العراقيين في السجون حتى الموت ..!
لكن :
ـ لن نموت ..نصبر ونستشهد ..لكن لن نموت ..
هذه الكلمات قالها سجين مخبول حديثاً بالشعر الحديث أسمه عبد القادر العزاوي الذي يسميه السجناء (قدوري العظيم ).
نفس الكلمات تتكرر في قصائد شعراء آخرين ..
السجين السياسي في نقرة السلمان أصبح على عكس ما أراده " الحاكم " يعلـّم الجميع ، كل يوم ، دروساً في العقل والعقلانية ، وفي البحث عن أمكانية المواءمة بين الحق والحب ، بين الحق والجمال ، بين الحرية والصدق ، بين العمق والصفاء ، بين السجن والنضال.
من دون هذه المواءمة لا يتمتع الإنسان بأوقات هذا العصر المفعم بانجازات واكتشافات كبرى وصلت إلى أعماق السماء . وصلها يوري كاكارين السوفيتي عنواناً لعظمة الإنسان وهو ــ من مواليد 9 مارس 1934 ــ أول إنسان يتمكن من الطيران إلى الفضاء الخارجي والدوران حول الأرض في 12-أبريل - 1961 على متن مركبة الفضاء السوفيتية (فوستوك1). ولد يوري / مثل أغلب السجناء الموجودين هنا ، من أسرة فقيرة في منطقة غرب موسكو في روسيا. كان والده نجاراً ، أما أمه فكانت مولعةً بالقراءة ، ترتيبه بين إخوته الأربعة الثالث ، أخته الكبرى كانت معنية بتربيته لغياب والديه معظم الوقت لكسب العيش . مثل الكثير من الأسر في الإتحاد السوفيتي عانت أسرته الأمرين خلال فترة الحرب العالمية الثانية وقد فقد شقيقيه أثناء الحرب حيث قام الألمان بأسرهم و لم يعودا حتى نهاية الحرب ، لم يتردد أساتذته بوصفه بالذكي ، المجتهد ، المتفاني في عمله .
كما وصلت السجناء في النقرة انجازات فالنتينا تريشكوفا عنواناً لعظمة المرأة ــ من مواليد 06 - مارس- 1939م ــ وهي رائدة فضاء سوفيتية ، تمكنت من الطيران إلى الفضاء الخارجي برفقة الرائد السوفيتي يوري جاجارين على متن فوستك 6 سنة 1963م .
ولدت فالنتينا في قرية صغيرة ، بعد إتمامها لدراستها في المدرسة بدأت العمل في مصنع للإطارات ثم درست الهندسة كما تدربت علي الهبوط بالمظلات . . في 16 - 6 - 1963 طارت تريشكوفا على متن فوستوك 6 و كانت أول امرأة تقوم بذلك في وقت كنت فيه داخل زنزانتي بالحرس القومي في مبنى نادي الاتحاد الرياضي قرب ساحة ام البروم حيث همس أحد حراسي وهو من الشباب ليخبرني أن أمرأة سوفييتية شجاعة قد صعدت الى الفضاء الخارجي وعادت بسلام وقد كان هذا الحارس القومي في غاية السرور . مع ذلك فالسجون ما زالت في العراق مليئة باصحاب العقول المفكرة . كثير منهم كانوا من الضباط الطيارين مثل خالد حبيب وناجي فرج وعبد النبي كريم الذين يفبعون بجانبي في هذا المكان . كل جريرة العقول السجينة أنها تدرك ، ربما أكثر من غيرها ، أن العقلانية المعززة بالخيال هي وحدها التي تستطيع أن تحول الحلم الى نور يحتقر التزمت الذي لا مبرر له في علاقة الانسان بأخيه الإنسان ، هذا ما يؤكده في هذه الأيام أنسانان عظيمان وبسيطان في أماكن بعيدة عنا ، أقصد نلسن مانديلا في جنوب أفريقيا ، ومارتن لوثر كنك في أمريكا وهما مهددان بالدخول الى السجن مثلنا في أية لحظة وربما يواجهان الموت غدراً كما هو حال سلام عادل وحمزة سلمان وباتريس لومومبا ، كل بحسب ظروفه ومكانته.
برغم كل الظروف فأنني أقضي وقتاً ممتعاً لا ملل فيه . تعرفتُ الى عدد من الموهوبين الموجودين هنا ، الذين جاءوا من مختلف أنحاء العراق . نحاول جميعاً الأسراع بالتحليق وراء جدران السجن . وقد غدا كل سجين لا يحسب للزمن أي حساب ، إذ لا فائدة من الحساب ، ولا جدوى من رقابة الأرقام .
الثقة بالنفس وبالآخر وحدهما فرح البداية . الصبر وحده علامة الخير .
أعرف جيداً أن كثيراً من نساء العراق يبكين أثناء هذا الليل الطويل على فلذات أكبادهن ، أو على فقدان أو أختفاء أزواجهن أو أخوانهن من الموجودين هنا أو من الذين غادروا الى خارج البلد أو الى أماكن مجهولة .
لا شك أن كل أمرأة فقدت من بيتها إنساناً هي الآن في حالة الرهبة حتماً. يسيطر الذهول ، في بلاد الرافدين وفي العالم كله ، من الأحداث الفاجعة التي مرت على عدد كبير من الأمهات والزوجات والشقيقات ولا يوجد لديهن أي دليل لحياة جديدة واضحة الوجود لذويهن .
في علم النفس يقال أن الخطوط العامة لهذا الوضع يقود الى ضعف المعنويات الأنسانية حيث تصبح الحياة بلا معنى.
هنا أيضاً يجري كلام عن معنويات هابطة أو عن معنويات لا وجود لها . يأتي هذا نتيجة أخبار أليمة حزينة تنقلها رسائل النساء الواردة الى ذويهن في هذا المكان .
الحمد لله أن معنوياتي لم تكن هابطة .
الحمد لله أن معنويات عائلتي قوية .
الحمد لله أن والدتي مستمرة في مواجهة الحكومة بمعنويات عالية .
الحمد لله أن والدي صابر .
الحمد لله أن زوجتي تواصل السير في ذات طريقي .
صحيح أنني واجهتُ ضعفاً في نيسان 1963أمام محققي الحرس القومي حين احاط بي عشرة جلادين تنهال سياطهم على جسدي وأمامهم بعض اضبارات تحتوي على اعترافات من معتقلين منهارين موجهة ضدي فكانوا يتوسلون ان اقول لهم : انا جاسم المطير مسئول اللجنة المحلية في الحزب الشيوعي العراقي .
قلت ذلك بفخر ففقدوا قوة ايديهم على السياط التي توقف هبوطها على جسدي النازف ، لكنني لم أخن ، لا ضميري ولا أمانة النضال ولا أسرار الحزب ولا مبادئه . ضعفت معنوياتي بدرجة معينة ، في لحظة معينة ، تذكرت بعدها تعليم ديستوفيسكي ان الانسان لا يمكن ان يكون خارج مجرى الزمن . ثم أستطعتُ في تموز 1963 انا اكون انا ، وليس محققو الحرس القومي ، صاحب الكلمة الاخيرة أمام تحقيقات مديرية الأمن بتعديل موقفي الأولي بأفادة تحريرية قوّت معنوياتي من جديد حين دافعت عن حزبي الذي أنتميت ُ إلى صفوفه وحتى عن وطنية عبد الكريم قاسم ، وكذا حدث أثناء المحاكمة فاسترجعت بذلك ثقة الحزب والحزبيين والسجناء كلهم .
وجهتُ لنفسي هذا السؤال : ماذا أنت فاعله يا جاسم المطير وأنت الآن في نقرة السلمان .. كيف هي معنوياتك يا جاسم المطير وأنت سجين ..؟
ثم واجهتُ نفس السؤال من الآخرين . من التنظيم الحزبي داخل السجن : ماذا تريد أن تفعل في السجن يا جاسم المطير ..؟
أجبتُ على سؤالي : الأدب . سأشتغل بالادب . سأعود الى الأدب .
أجبتُ على سؤال الآخرين : الأدب . أريد ممارسة الأدب بعد أن تركته .
أعدتُ على نفسي سؤالاً آخر : أي أدب تريد العودة إليه يا جاسم المطير ..؟
سألني رفاق السجن : أي أدب تريد العودة إليه يا جاسم المطير ..؟
كان يلزمني التفكير أولاً قبل الأجابة على السائلـيْن . ليست الأجابة سهلة على سؤال كبير كهذا الذي واجهته مع نفسي ومع الآخرين .
وجدتُ نفسي في الأعوام العشرة الماضية أمعن التفكير جيداً وعميقاً بما فعلته أثناء التفرغ الكلي للعمل السياسي والحزبي وأنا أهوى الأدب ، أهوى كتابة القصة القصيرة والرواية وكنتُ قد نشرتُ بعضها وكنتُ ما أزال في دور اليفاعة ..؟
ظلّ السؤال يدق في تفكيري لفترة قصيرة ، داخل النقرة ، وما زلتُ أعاني المرض وضعف الحركة جراء العذاب الذي لقيته طيلة سبعة شهور أغلبها في زنزانة انفرادية مظلمة ورطبة وباردة داخل مقر الحرس القومي .
لم أكن قد اتخذت قراراً باتاً بعد ، ففوجئتُ بقرار المنظمة الحزبية السجنية بضمي الى هيئة تحرير الجريدة السجنية التي تصدر صباح كل يوم .أنيطت بي في الحال مهمة الحصول على الأخبار الخارجية ، انصاتاً وتحريراً . كان عمري الحزبي في هذه الأيام قد بلغ ثلاثة عشر عاماً.ولم يكن أمامي بد غير إطاعة الامر الحزبي الذي تعودتُ عليه خلال تلك السنوات كلها ما عدا بعض تمردات وقتية ضد بعض السياسات الحزبية التي لم أكن مقتنعاً بها .
مع قبولي لقرار ٍ حزبي ٍ احترمته بتعييني محررا في الجريدة قفزت الى ذهني مباشرة فكرة إعداد صفحة أسبوعية فيها ( كانت تصدر بأربع صفحات فولسكاب حداً ادنى وثماني صفحات حداً أعلى ) لمتابعة الأدب العالمي من خلال ما تذيعه إذاعات العالم الكبرى "موسكو ولندن والقاهرة " وهي الاذاعات التي تعهدتُ بالانصات اليها بنفسي .
تطلعي في تقصي الادب العالمي واحداثه الى جانب تقصي السياسة العالمية وصراعاتها أدخلاني مسروراً الى تلك الغرفة السرية الصغيرة المجاورة الى حمامات السجن ، غرفة الأنصات والتحرير . كان السرور يغمرني لأنني سأعود لقول الكلمة قاطعاً بها صمتي في سجن صحراوي بعيد .
الدلالة توفرت أمامي هنا بأن أنقل سيرتي مرة أخرى الى الأدب مشاركة مع سيرة السجناء كلهم .
كنتُ أريد أن أعاصر الادب والسياسة والعالم .. وليس أثمن من هذه الفرصة.
أعرف جيداً رغباتي وتطلعاتي الادبية ، خاصة رغباتي في الأمتثال لتجربتي في كتابة القصة السياسية القصيرة . توفرت لي خلال السنوات العشر الماضية تجربة سياسية معينة مثلما توفرت عندي تجارب أدبية أولية ، خلال الكتابة في جريدة صوت الطليعة البصرية ، وفي جريدة صوت الأحرار البغدادية ، أحياناً بأسمي الصريح وأحياناً بلا أسم .
في المسرح البصري كانت تجربتي متواصلة بأسم مستعار . فقد ألفت العديد من المسرحيــات " السياسية " أخرجها المرحوم الفنان توفيق البصري . بعضها كان يحمل اسم مؤلفها جاسم البصري ، وغيرها جاسم الكعبي ، وبعضها بأسم جاسم العطار . وبذلك ضمن المخرج عدم تدخل الشعبة البوليسية الخاصة ( الأمن ) برفض مسرحيات عديدة كانت تحمل اسم جاسم المطير.
أستعدتُ ذكريات عديدة منها أن مجموعتي القصصية الأولى وقعت عام 1952 بأيدي البوليس حين تفتيش بيتي ، وقد ضاعت بأيديهم إذ ذهبت مطالباتي ووساطتي بالحصول عليها بعد اطلاق سراحي ، دون جدوى .
هنا نمتْ لدي ارادة قوية في هذه الأيام لأعادة كتابة تلك المجموعة فهي عزيزة عليّ . لا أعرف هل بأمكاني ذلك أم لا.. لكن الشيء الذي أعرفه أنني أمسك الآن ارادة قوية تدفعها روح نشيطة أسعى بها الى فك الارتباط بين ظروف السجن ومعوقاته كي أكرس نفسي لأيجاد الأرتباط بين الزمن والمعاناة ومواصلة الكتابة ، الادبية والسياسية .
ادركتُ في الايام الاولى من وجودي في نقرة السلمان انه ما من شيوعي فيها يطلب من حزبه ان يـُكلل بالازهار بل ان شرف الشيوعي هو ان يسخر عقله كله لتكليل حزبه بالازهار ، وليس أجمل من أزهار الكتابة المضيئة ينقل فيها الكاتب الشيوعي قوته كلها الى حالة القوة الكلية للحزب وللحرية .