| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الثلاثاء 2/9/ 2008



نقرة السلمان
(5)

جاسم المطير

نشاط مكثف للتزود بمعارف جديدة
قضيتُ الاسبوعين الأولين في نقرة السلمان باستراحة تامة . بمعنى أنني لم أمارس خلالهما عملاً سجنيا خاصا . كنت اشعر بحاجة الى دورة من الاسترخاء والراحة او دورتين مهدئتين بعد مواجهتي خلال سبعة اشهر لاخر المبتكرات في تكنينك واساليب الحرس القومي في التعذيب اليومي ، البدني والنفسي ، وانا محبوس في غرفة انفرادية صغيرة ( حمام ) تصيغ لي وجعا من القاع الى القمة .

شيئا فشيئا كنت احس ان تحولا كبيرا ومغايرا يجري في محيط حياتي ونفسيتي . بدأ ظلام الحرس القومي يزول من أمام عيني .أحسستُ برغبة شديدة الى سماع الراديو الذي كنتُ مولعاً فيه من أيام فتوتي الأولى حيث كنتُ مواظباً على سماع أذاعتي الشرق الادنى ودلهي . كذلك رغبتُ في العودة الى القراءة . اطلعتُ على كتيبات عديدة متــوفرة في السجن .

يا للصدفة عثرتُ على كتاب من كتب غوغول . كان سروري عظيما بل كأنني فزت ببطاقة يانصيب إذ كنت تواقا ، حقا ، لإنعاش ثقافتي المدعومة ، من قبل ، ببرامج الحزب الشيوعي الثقافية المرسومة لأعضاء الخلايا الحزبية واللجان القيادية . اما اليوم فقد وجدت نفسي امام رجل تقليدي عظيم اسمه غوغول كنتُ اسمع باسمه كثيرا واسمع او أقرأ مقالات في الصحف المصرية عن ثقافته الشعبية وعن عمق ابداعاته لكنني لم أقرأ له كتابا من تأليفه . هل وجود وتداول هذا الكتاب داخل سجن نقرة السلمان يحمل معنى السماح بقراءة الادب الاخر الذي يحمل مستوى عال من المهارات الابداعية كما هو الحال في ادب غوغول الذي يصنفه الكثير من النقاد بمرتبة الطليعة في الادب الروسي ..؟

هذا السؤال جعلني اطمح لقراءة اعمال ابداعية كثيرة غير شيوعية . جواب هذا السؤال لاحظته ايجابيا من خلال الرفاه الواضح لدى معظم السجناء الذين لا تفلت وسائدهم عن العلاقة اليومية مع كتب تختبأ تحتها .

في تلك السنوات الأولى من الخمسينات كانت موجة الادب الوجودي قد أخذتنا وأخذت الكثير من رغبتنا في قراءتها والأطلاع عليها. لكننا كنا خائفين ، حذرين . كانت الفلسفة الوجودية وكتب سارتر والبير كامو وغيرهما تثير فينا بعض القلق الثقافي والسياسي ظنا منا بأنها النموذج الفلسفي البورجوازي المعادي للطبقة العاملة ، لذلك كنا نتحاشى الادب الوجودي بل ان قيمنا الثقافية الحزبية تحثنا على التصدي لكل ما هو ادب يمت بصلة الى البورجوازية او الى الراسمالية .

ساد اعتقاد لدى الماركسيين بأن الوجودية هي المنافس للماركسية .إذاً لنطلع على هذا الأدب المنافس طالما اننا مؤمنون بالماركسية ولن نتراجع عنها . كان البعض من القادة الحزبيين المشرفين القادمين الينا من بغداد أو حتى من الذين هم أعضاء في اللجنة المحلية للحزب الشيوعي بالبصرة لا يوافقون على قراءة الكتب الوجودية لأن افكارالوجوديين تمثل شكلا من ازمة الفكر الرأسمالي وعلينا ان نبتعد عنها . ثقافتنا ينبغي ان تظل بجوهرها وصورتها ثقافة ماركسية ليس غير فهي اغصاننا التي نتمسك بها ومنها الثمار التي نقطفها .

يا ترى هل يتاح لنا في هذه النقرة ان نتحرر من الجمود على ثقافة واحدة وان نعبر الى ثقافات اخرى الى ثقافات غربية خلقتها ومجدتها مواهب غربية ومنها مواهب ذات مآثر وآمال فلسفية – وجودية وغيرها .

وإذ أخذ الأطلاع على الوجودية وقتي الأغلب منذ وصولي الى النقرة فقد اوقفتُ في حينه بعض القراءات للأدب الروسي والادب السوفياتي بعد أن قرأت كتباً من مؤلفات مكسيم غوركي وتورجنيف ودستويفسكي وتولستوي واغلب كتب موجة روايات الحرب العالمية الثانية التي صدرت حتى الآن والتي كان يتداولها الأدباء البصريون يداً بيد في الخمسينات ، بعيداً عن انظار الشعبة الخاصة( جهاز الأمن في زمن العهد الملكي ) . إذ كان تداول الكتب يجري بين الادباء الشباب خاصة ، مثل فيصل الحجاج وهشام باقر البعاج ورجاء عبد الرزاق وعدنان المبارك وخالد الخشان ومحمد سعيد الصكار وعبد الرزاق حسين وفيصل السعد ومحمد الجزائري وغيرهم كثيرون وكان كل واحد منا يعطي كتابه لصديقته أو حبيبته تقرأه من بعده .

أما الجيل الأسبق فكان وثيق الصلة ببغداد وصحافتها وأدبائها اكثر من صلته بالبصرة من امثال بدر شاكر السياب وسعدي يوسف وعبد الجبار البصري وغيرهم .

في العام 1956 أعد البصريون كتيباً صغيراً تحت عنوان " أدباء البصرة " ضم قصصاً قصيرة وقصائد وكتابات لكل من بدر شاكر السياب وسعدي يوسف وعبد الحسين الشهباز وقيصر معتوق وكاظم مكي حسن وعبد الجبار البصري ومقبل الرماح وغيرهم. كان مقرراً أن يتضمن الكتيب قصة قصيرة كتبتها انذاك بعنوان " الأرض البخشية " غير ان المشرف على تحرير الكتيب ألغى نشر القصة منه بعد أن سمع باعتقالي بتهمة الشيوعية مرتين خلال فترة اعداد الكتاب للطباعة . كان الكتيب مجازا من المتصرفية لكنه رفع قصتي واسمي قبيل الطبع خشية مصادرته في حال وجود اسم شيوعي مكشوف ومطارد من قبــل الشعبة الخاصة ( الأمن ) .

اليوم وقع تحت يدي معطف غوغول أخذته من السجين عبد الوهاب طاهر الذي وجدت تحت مخدته أكثر من كتاب ، وفي صندوق أغراضه السجنية بضعة كتب أخرى أوعدني انه سيسلمني أياها تباعا.

لا ادري لماذا رغبتُ في قراءة القصة مرتين خلال يومين متتالين .

أثار هذا الكاتب اعجابي وتأثرت بمؤلفه كثيراً رغم أن هذا الكاتب يعود بكتاباته الى قرن مضى . كنتُ أجد في كل جملة موهبة أدبية وفي كل عبارة براعة وعبقرية في تصوير حال مجتمعه. تمنيتُ لو أجد كتبه الأخرى لأنهي قراءتها المتأنية بقصد استيعاب تجربته في الكتابة القصصية. وبعد بحث بذله عبد الوهاب طاهر وجد لدى أحد السجناء ، وهو صديقي ، صالح الشايجي ( قاووش رقم أثنين ) نسخة من كتاب " المفتش العام " وقد قرأته نهماً في يومين ، نشأ على أثره جدل ممتع مع صالح الشايجي وهو الأديب الذي يكتب ويقرأ ويتحدث عن كل شيء لكنه لا يحب الشهرة أو الظهور كما يقول . ربما تعلم " عادة الصمت " والابتعاد عن النشر من شاعر شاب موهوب من أبناء مدينته أسمه محمود البريكان الذي كان صديقاً حميماً له وهو مثله يحمل فضيلة الصمت .

حدثني صالح عن حياة نيقولا غوغول بكثير من المعلومات الدقيقة . قال ان غوغول مثال روسي للأضطهاد القيصري بسبب أفكاره الشعبية الحرة المناوئة للظلم . فأضطر الى مغادرة روسيا الى المنفى الأختياري كي يبعد نفسه عن السجن الذي ينتظره بعــد نشره مسرحيـة " المفتش العام " التي يفضح فيها بأسلوب الأدب الساخر الظلم والفساد المتفشيين في روسيا تحت حكم قيصر روسيا نيقولا الأول . اعتمد غوغول على الواقعية في الأدب وكانت هذه أهم وأبرز ملاحظة ألتقطتها من أقوال الشايجي التي حللها من جوانب عديدة سياسية واجتماعية .

لم يصمد غوغول في المنفى فعاد الى روسيا بعد أكثر من عشرة أعوام في الغربة (1848) عاد مهزوماً في داخله ، كئيباً ، طامحاً الحصول على رضا القيصر وأعوانه من رجال البوليس والسلطة الفكرية القيصرية الأقطاعية متوهماً أن هذا قد يوفر له الاطمئنان السياسي والاستقرار السياسي بعيداً عن رقابة البوليس وقمعها . فكتب رسائل ومقالات في احد كتبه ممجداً القيصر وناصحاً الفلاحين بعدم محاربة الاقطاعيين . أصبح غوغول بعد ذلك كئيباً يائساً تماماً من الحياة الفكرية فأقدم على إحراق مخطوطاته ومؤلفاته انتقاماً مــن نفسه المريرة .

كان موقفه هذا أشــــبه بصيغة " البراءة " التي استخدمها نظام نوري السعيد والتي يستخدمها النظام العارفي في هذه الأيام . أنها صيغة التخلي عن المباديء .

نفس صيغة ( البراءة) أستخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في اللجان التحقيقية المشكلة من قبل الكونكرس الامريكي والمعروفة بأسم المكارثية ، راح ضحيتها العديد من الشيوعيين الأميركان ومن العناصر الادبية التقدمية .

بدأتُ التعرف على زملاء السجن ومناضليه وموهوبيه من الكتاب والشعراء والفنانين.

عادت من خلال أحاديثي معهم بعض ذكريات ومناقشات سابقة كانت قد جرت قبل دخولنا الى السجن . كما اطلعتُ بدقة وتفصيل على الجانب المعيشي في حياة السجن الكبير الذي يتجاوز عدد نزلائه ، الآن ، حوالي ثلاثة آلاف سجين ومحتجز بلا محاكمة . قيل أن السجن ضم أكثر من أربعة آلاف سجين ومحتجز قبل ستة أشهر . لا يثبت عدد السجناء على رقم واحد فهو في حركة دائبة ، صعودا ونزولا ، يدخله يومياً عشرات السجناء وينقل منه يومياً بالعشرات . كانت حفلات توديع السجناء القدامى واستقبال سجناء جدد متواصلة.

أكتشفتُ من أحاديث عبد الوهاب طاهر وترحيبه بي أن التنظيم الحزبي في داخل السجن تحت قيادته . يعني هذا أن الحياة الداخلية والثقافية والسياسية في هذا المكان تحت مسئوليته وتوجيهه. توقعتُ وما زلتُ أتوقع أن تكون علاقتي به قوية كما كانت خارج السجن و مثلما ستكون علاقة والدتي قوية بأهله خاصة في الوقت الذي تقرر فيه والدتي المجيء لزيارتي في النقرة حيث ضرورة التنسيق مع اهله لجلب حاجاته الضرورية . وقد أرسلتُ رسالة بريدية بناء على طلبه بتذكير والدتي بجلب الحاجات الأكثر ضرورة والمحافظة على الفواكه والأجبان والخضار كي لا (تفسد ) في الطريق . (المقصود بالحاجات هي المنشورات الحزبية الصادرة من الحزب الشيوعي ومنظات جماهيرية أخرى ..)

بدا لي أن التعب الشديد قد تسرب إليه .

أرهقته ، كما يبدو ، الفترة الطويلة التي قضاها في نقرة السلمان . عندما حدث أنقلاب شباط 1963 كان في السجن بعيداً عن أنظار الحرس القومي وجبروته. لأول مرة في حياتي أراه غير مهتم بممارسة الرياضة بالألعاب الســويـدية . (كان عبد الوهاب طاهر أبن مدينتي . عملنا معاً سنوات عديدة في داخل الحزب الشيوعي بالبصرة . كان رياضياً معروفاً يلعب كرة السلة والقدم . عضو في نادي الجنوب الرياضي ، بينما كنتُ عضواً في نادي الأتحاد الرياضي ، وكلاهما كانا تحت قيادة العناصر اليسارية والشيوعية .)

لم أطلب من والدتي في رسالتي شيئاً . فقد كنتُ قد جلبتُ معي لوازمي وحاجاتي الضرورية من ملابس داخلية وقمصان وبيجاما وغيرها . جلبتُ معي أيضاً بعض المواد المعلبة أهدتني إياها أم وثاب زوجة رشيد جعفر النجار العضو الشيوعي من أهالي الرميثة الذي جاء الى البصرة قبل سنوات للبحث عن عمل . رأيت أم وثاب واقفة في محطة قطار المعقل قالت أنها حضرت خصيصا لتوديعي ولإبلاغي تحيات أبي وثاب . كان ذلك مساء يوم نقلي مـن مركز شرطة القوة السيارة بطريق البصرة – عشار الى نقرة السلمان . جاءت هذه المرأة الطيبة مع ابنها وثاب وطفل أخر لا أدري من هو . عرفتها منذ سنوات حين جمعنا بيت حزبي واحد في " الطويسة " عشنا فيه ، انا وزوجتي وهي وزوجها ، على احسن ما يكون من العلاقات الحزبية ذات القيم الانسانية الرفيعة التي اكتسبناها من نظام اجتماعي كنا نحلم به .

المهم لدي ، الآن ، ما يكفيني فطلبتُ من والدتي جلب كتابين أدبيين من مكتبتي البيتية .

كذلك كنتُ مكتفياً ببعض " التجهيزات " الغذائية التي ارسلتها والدتي مع والدة السجين ( شاكر محمد العبد الله ) . التجهيزات منتقاة بخبرة وذوق سليمين وأفادتني كثيراً حيث أولمتُ أول وليمة على مائدة نصيف الحجاج الذي يحتل مكانه في زاويته اليسرى من المدخل الامامي للقاووش رقم اربعة.

أما باقي التجهيزات فقد سلمتها الى المجموعة الصغيرة ( مجموعة المائدة ) المتكونة عادة ، من خمسة أشخاص يشتركون في مستوى معيشة يومية متساوية ، أشبه ما تكون عائلة صغيرة أو " وحدة أشتراكية صغيرة " تجتمع ثلاث مرات في اليوم الواحد حول مائدة (سفرة) واحدة يتناولون غذاءهم الموحد وهم يتحدثون في الأمور السياسية والنظريات في أغلب الأحيان.

في أوقات محددة كل يوم يترقب السجناء كلهم صوت قوي وجميل ينطلق من زاوية المطبخ الكبير في شمال السجن:

أول النهار ينطلق صوت معلناً الفطور في الساعة الثامنة صباحاً . ينطلق صوت السجين جمعة البصري بنداء (ريوكَ قواويش ريوكَ) يعيد النداء ثلاث مرات حتى يسمعه أبعد سجين في أبعد قاووش عن المطبخ . في الواحدة ظهراً ينطلق نفس الصوت أو صوت محــمد الحلي ( غده يابه غده ) أو ينطلق أحد الصوتين أو غيرهما في الساعة السادســة مـساءً (عشه قواويش عشه ) فيتوجه في كل وجبة ممثلون عن القواويش لأستلام الوجبة الغذائية لمجموع نزلاء القاووش . توضع كامل الكمية قرب الباب الخلفي للقاووش ليتم توزيعها بأواني خاصة تستوعب حاجة خمسة أشخاص في كل إناء .

لدى بعض المجموعات الخماسية المشتركة في سفرة الغذاء الواحدة تجد أحياناً صورة مثيرة للسخرية والقرف. أحياناً تجد واحداً أو أثنين يأكلون بسرعة ( بلع اللقمة دون مضغ ) مما يؤدي الى حرمان الآخرين من حصتهم الحقيقية . ساد أحياناً مصطلح يصف هذا أو ذاك بأنه ( يأكل كالأعمى مع الصحيان ) بمعنى أنه يأكل سريعاً قبل أن تنفذ الكمية ، كما يظن . تنشأ نتيجة ذلك "خلافات" حول هذه المسألة فتجري معالجتها بأساليب تربوية مختلفة .

العمل في مطبخ السجن من أصعب الأعمال . أظن أنه لا يوجد مطبخ في أي مكان بالعراق أكبر من هذا المطبخ . على الكادر المسئول أن يوفر الغذاء اليومي لثلاث وجبات ولآلاف الأفــواه .

إذا كان الأكل مالحاً أو ماصخاً أرتفع صوت النقد والتذمر .

إذا كانت الكمية المطبوخة غير دقيقة فأن الكميات الناقصة حتى ولو بالغرامات لا ترضي الآكلين ولا تسد أفواههم عن النقد.

كان العمل المطبخي منظم تنظيماً دقيقاً ويعمل مثل الساعة السويسرية . لا يعفى أي سجين من العمل في المطبخ بموجب خطة العمل اليومي التي يديرها كادر متخصص . كل سجين عليه واجب العمل مرة واحدة كل أسبوع في قسم من أقسام المطبخ . واجبي الآن هو العمل في قسم " البصل " . مسئوليتي مع شخصين آخرين ثرم البصل أو تقطيعه حسب الطلب المستخدم في أنواع المروقات التي تتناوب انواعها كل أسبوع . مرة باذنجان ومرة بامية ومرة " قيمة " ومرة شجر ، ومرتين فاصولية يابسة ، حسب توفر المواد ومواسم الخضروات.

العاملون في المطبخ نشطاء ومتمكنون لذلك كان طبخ التمن كأنه طبخ " مطعم زينل " في البصرة بينما طبخ المرق ألذ من مرقة " مطعم الشباب " في باب المعظم أو " مطعم تاجران " في الباب الشرقي حسبما يقوله السجناء البغداديون .

أشهر واحد في طبخ المرقة شاب يافع ، طالب ثانوي ، أسمه عباس الفياض . أظنه أصغر سجين في النقرة . لم يبلغ " سن الرشد " بعد . فمن أين أتته هذه الخبرة في طبخ المروقات وهي كما معروف من أصعب أنواع الطبخ ، تحتاج الى عناية دقيقة والى رقابة شديدة والى موازنة دقيقة بين المواد المستخدمة في الطبخة الواحدة من معجون الطماطة أو الطماطة والبهارات والملح وغيرها حتى لا يفلت البهار أو الملح أو الفلفل فتتحول المرقة الى ما يثير التذمر . لكن هذا الشاب ولوع في تعلم كل شيء داخل السجن .

يقرأ في الكتب الماركسية ليلاً ويطبخ غذاءنا نهاراً..

يسكن عباس في القاووش رقم سبعة وبجانبه صديقه يوسف المبيض من اهالي الزبير في البصرة الذي كان يعمل في المطبخ أيضاً . بعد فترة قصيرة اصبح عباس معروفاً بطبخه الممتاز لأنــواع المروقات فصارت له " جماهيرية " في قاووشه ينال ثناء زملائه كلما تحسن صنع المرق وانتاجه..!

حين جاء موعد أنتخابات الهيئة الأدارية للقاووش رشح نفسه تحت ضغط ورجاء زملائه فحصل على أعلى الاصوات محققاً أولوية جديدة وهي أنه أصغر أداري في سجن نقرة السلمان .

كذلك أصبح أصغر لاعب في منتخب السجن لكرة القدم . يمارس رياضات أخرى ، فقد فاز في سباق مائة متر في مباريات الساحة والميدان . كما أصبح أصغر سجين في الحراسات الليلية للسجناء بقصد مراقبة السجن من داخله وحماية السجناء من احتمالات الطواريء . يقرأ كثيراً ، تجده أول الحاضرين الى الندوات الثقافية الأسبوعية .

وجبات الأكل ، بصورة عامة ، هي مناسبة يومية حميمة بين السجناء تؤدي الى تماسكهم للحفاظ على الروح الرفاقية بين الجميع كأنهم يتناولون غذاءهم في ناد من النوادي الليلية في البصرة أو بغداد وليس في السجن ، خاصة في وقت العشيات التي تتحول الى جلسات سمر يرتاح اليها الجميع بما تفرضه من طابع المحبة والألفة والفكاهة.

أحياناً تقوم هذه المجموعة أو تلك بطبخ أكلة خاصة في المناسبات . كان طباخ مجموعتنا الخماسية هو سعدي الحديثي المتفنن بشكل خاص في طبخ التمن بطريقة مبتكرة تجعل رائحة الطعام مشهية . يصنعه وفق طريقة ربما أبتدعها هو نفسه بوضع الهيل والقرنفل بقطـعة شاش (كي لا تتفتت) وسط وجبة التمن داخل القدر مما يعطي الطبخة نكهة خاصة لم أجد لها مثيلاً من قبل لدي أي أمرأة ماهرة في الطبخ .

في الواحدة والنصف ظهراً يوزع الشاي على الجميع بالتساوي أيضاً. قدح واحــد لكل سجين .القهوة لا توزع جماعياً . من يرغب بها فليصنعها بنفسه في مطبخ صغير ملحق بكل قاووش.

في الساعة الثانية ظهراً ، صيفاً وشتاء ، تتوقف جميع خلايا العمل وتتوقف حركة الغالبية العظمى من السجناء ، إذ تبدأ (فترة الهدوء) وهي فترة أجبارية على الجميع . الساكنون في القاووش يتوقف حديثهم لأن هذه الساعة مخصصة للقيلولة . حتى الصوت الخافت او المهموس غير مسموح . الذين خارج القاعات لا يسمح لهم بالأصوات العالية .

بعد الثالثة تنتهي فترة الهدوء وتبدأ الألعاب الرياضية . كرة القدم تستقبل المتنافسين . كذلك تمتلأ ساحات السلة والطائرة والتنس والمنضدة باللاعبين.

الليلة البارحة هطل مطر غزير . ليس للبدو وللسجانة ولسكان القرية كلهم عيد أهم من عيد سقوط المطر ليغسل لهم وجه البادية ويوفر فرص نمو العشب لغذاء مواشيهم مــن جهة ، ولتحول مساحات من الأراضي المحيطة بالقرية الصحراوية الى اللون الاخضر الذي يساعد ، عادة ، في استراحة الرحل من جهة أخرى.

أصبح جو اليوم قارس البرد. هذا هو قانون المطر . يأتي البرد بعد هطوله ، كأنما هناك أتحاد لا ينفصم بين ثلاث ظاهرات : الأولى هبوب الرياح العاتية التي تحمل العواصف الترابية . ثانيها المطر الغزير ، ثم البرد " القوقاسي " كما يسميه بعض السجناء الذين كانوا قد درسوا في جمهوريات الاتحاد السوفياتي.

ملابسي غير كافية لحمايتي من البرد فكتبتُ رسالة الى والدتي طلبتُ منها أن ترسل لي العباءة الصوفية السوداء إذا لم يكن والدي بحاجة إليها . كما جاء في الرسالة المرسلة بواسطة أم أحد السجناء بعد انتهاء مواجهتها لأبنها وقد كتبتُ فيها ( أرجو ان ترسلي كتاباً واحداً او كتابين في كل مرة من المرات التي يتوفر فيها مسافر من البصرة الى النقرة . أحتاج لبعض الكتب الأدبية والروايات من مكتبتي الخاصة المدفونة في الحديقة من جهة الباب الخلفي على النهر مباشرة. أخبري ابو وثاب ان يحفر على بعد ثلاثة امتار من عتبة غرفة الاستقبال وبعمق أكثر من متر واحد سوف تجدين وجبة كتب موضوعة في صندوق حديدي صغير . كما ارجو من ابي وثاب ان يخرج جميع الكتب السياسية والتاريخية والحاقها بمكتبة البيت لتأمين الحفاظ عليها من الرطوبة . أعتقد أنها ستكون الآن في حالة أمان ، إذ سوف توقف الشرطة غاراتها على بيتنا التي بلغت خلال عشر سنوات ماضية أثنين وعشرين غــارة ، خلال العهد الملكي وعهد عبد الكريم قاسم وفي فترة الانقلاب البعثي . لا أظن أن سلطة عبد الرحمن عارف تفعل نفس الشيء ، على الأقل انهم يعرفون وجودي في السجن . يعتقدون حتماً انه " من هل الزاغور ما يطلع عصفور " نظراً لكوني في داخل السجن . وصلتني الدنانير الخمسة المرسلة بحوالة بريدية ارسلها لي الحاج عباس الانصاري وقد جعلتني الحوالة من أثرياء نقرة السلمان خاصة وأنني استلمتُ قبلها بيومين حوالة بنفس المبلغ من سلمان النجار أرجو إبلاغ شكري الجزيل لهما.)

كان بيتنا يتكون من ثلاث غرف واستقبال . المساحة الكلية للبيت واسعة ، ألف متر ، غير مبنية تقع في منطقة يحي زكريا بالبصرة . البيت لم يكن ملكاً صرفاً فهو عائد للأوقاف تعاقدت عليه والدتي بالأيجار الطويل لمدة خمسة وعشرين عاماً. البيت بسيط مبني من الطابوق لكن سياجه من اللبن . الناحية الخلفية للبيت غير مسيجة لأنها تقع على نهر صغير يسقي بساتين المنطقة. كانت والدتي تسكن في غرفة مع والدي الأعمى .

الغرفة الثانية مخصصة للضيوف . سكنت فيها عائلة الصديق أبي وثاب ( رشيد جعفر ) وهو رفيق حزبي من أهالي الرميثة يعمل نجاراً في البصرة وهوغير مكشوف للسلطات . لم يعترف عليه أحد وكانت مطبعة رونيو صغيرة في بيته الحزبي والكثير من الاسرار الورقية كما كنتُ قد أمنتُ لديه بعض أوراقي الخاصة التي سلمها لوالدتي فيما بعد.

الغرفة الثالثة مخصصة لي وفيها مكتبة صغيرة لا تستوعب اكثر من مائة كتاب. أما غرفة الأستقبال فهي متروكة . كان ابو وثاب قد حفر داخل الارض في اماكن مختلفة من الحديقة المهملة غير المزروعة إلاً بعدة أمتار من الخضار بجهد بسيط من والدتي. وضع داخل الحفر صناديق الكتب الحديدية ، وهي بالأساس من صناديق العتاد الحربي من موروثات القوات البريطانية في الشعيبة بيعت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في الأسواق المحلية فأشترى والدي عددا منها لقدرتها في مقاومة الرطوبة .

هنا أيضاً ، في هذا السجن ، تعلمنا وضع الأشياء الخطيرة في حفر ، خاصة في الأيام التي يعلن فيها التنظيم الحزبي حالة طواريء خشية هجوم على السجن من قبل قوات طوارىء عسكرية خاصة معدة في الديوانية من قبل سلطات بغداد كانت تأتينا أخبار عنها في بعض الأحيان . كل واحد من السجناء عنده راديو أو مسجل يعني عنده حفرة سرية لأستعمالها وقت الحاجة في إخفاء أشيائنا.

الكمية الكبيرة من كتبي في البصرة كانت موجودة في بيت والدتي بالطويسة . كان ذلك البيت مخصصاً للكتب فقط ، أي أنه غير مسكون إلاً من قبل عجوز من أقارب والدتي لا تدفع ايجاراً . الكتب الممنوعة موضوعة في حفر اسمنتية متقنة صممها وهندسها وحفظ خريطتها أنور طه البصري وقد وقعت الكتب جميعها الممنوعة وغير الممنوعة بيد الحرس القومي وهي بالآلاف . أرشدتهم العجوز من شدة خوفها الى وجود وجبة من الكتب في حفرة بالحديقة فنبشوا كل جوانبها عميقاً ، ثم أباحوا لأنفسهم حرق جميع الكتب حتى غير الممنوعة في آيار 1963 ، تحت نظري ونظر جميع المعتقلين في مقر الحرس القومي بمبنى نادي الاتحاد الرياضي بالعشار وقد آلمني منظر الحريق الذي استمر لثلاثة أيام والذي أتى على أهم ثروة أملكها.
 

¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس