| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الآربعاء 3/9/ 2008



نقرة السلمان
(6)

جاسم المطير

الناس خارج السجن يتحركون مع حركة التاريخ

والدتي ستأتي لزيارة السجن..

علمتُ لتوي بهذا الخبر ، من البريد اليومي القادم للسجن ، من قبل السجين محمد السعدي المسئول عن البريد ( كنا نسميه وزير البريد و البرق ) وهو شخصية نشيطة محبوبة من قبل الجميع لعدة أسباب : أخلاقه الطيبة و شوق السجناء الذي لا ينتهي لاستلام الرسائل ولأنه لا يؤجل بريد اليوم الى غدٍ .

كان محمد السعدي مبشر وصول أنباء عوائل السجناء. هو الذي يحقق لنا استمرارية الاتصال بين تاريخ ما يجري داخل السجن وتاريخ ما يجري لعائلات المسجونين خارجه .. أنها استمرارية ذات معنى كبير بالنسبة لنا .

قلتُ في نفسي أهلاً وسهلاً يا أمي..

كانت الرسالة مختصرة جداً . كلماتها منتقاة بدقة حيث تعتقد والدتي ان الدقة في الكلام ضرورية مع أي سجين كي لا تختلط الأشياء في ذهنه عما يجري خارج السجن لأن وعي السجين يتركز في وجوده داخل السجن وليس في خارجه . توقعتُ أن أسمع منها أخبارها الشخصية وأخبار الصعوبات التي تواجهها خاصة وهي تعاني من ظروف معيشية سيئة .. كنتُ اريد أن أسمع أخبار البصرة والأصدقاء والأهل بشيء معقول من التفصيلات ما يتعلق بصحة والدي الذي كنتُ أتوقع موافقته على العملية الجراحية لعينيه بعد أن كلفتُ خلال الشهر الماضي بعض أصدقائه برسائل خاصة ، منهم الحاج تقي أبو معاش والحاج عباس الأنصاري وغيرهما بإقناعه . لكن لا خبر عن هذا الأمر بينما بشرتني الرسالة بتحسن صحة أم موسى ( أم موسى أسد ) التي كانت صديقة لوالدتي وكانت تعاني من أمراض صعبة لفترة طويلة دخلت الى المستشفى مرات عديدة بسببها. إنسانة قلقة منذ سنوات طويلة لوجود ابنها خارج العراق منذ زمان طويل حيث يعيش في دولة اشتراكية . كانت والدتي تطمأنها أن وجوده في الغربة شيء افضل من وجوده في مثل هذه الظروف داخل البلد إذ سيكون حتما نزيلا في سجن عراقي .

اهمية الرسائل التي تاتي اليّ كما لغيري أنها تجعل ماضي السجين مرتبطا بحاضره وبذلك تـُبقي انتماء السجين الى حركة التريخ في مدينته . هذا هو شعوري الذي تحسسني به الرسالة القادمة التي تقول فيها والدتي أنها وقعت على مذكرة او عريضة مرفوعة من اهالي السجناء الى رئيس الجمهورية والى وزير العمل والشئون الاجتماعية تطالب بتحسين اوضاع السجناء في السجون العراقية كلها وتطالب بالعفو العام عن السجناء السياسيين . اول معطيات مثل هذا الخبر ان الحزب الشيوعي ما زال حياً يرزق وان تنظيماته تتحرك وان الناس ما زالوا ضمن حركة التاريخ وان جراحاً تلتئم في حركة هذه المدينة او تلك من التي اصابتها سهام الانقلاب يوم 8 شباط .

بالنسبة لي ، فالرسائل القادمة بمثابة محرك نحو طاقة عمل جديدة تزيد عندي قدرة نمو الكلمة والنشاط الكتابي .

حال انتهائي من قراءة رسالة اليوم قررتُ كتابة جواب عبرت فيه عن سعادتي لمجيئها بالرغم من أنني تألمت كثيراً لموت النخلة الوحيدة في حديقة بيتنا . كنتُ أحب هذه النخلة حباً جماً. رجوتها أن تزرع نخلة بديلة (فسيلة ) مكانها ففي اعتقادي منذ الطفولة أن النخيل رمز دائم للحياة الخضراء.

في الواقع أن زيارة سجن نقرة السلمان من أصعب الأمور على الزائرين .

أولاً على الزائر أن يحصل على موافقة من مديرية شرطة لوائه ما عدا الزيارة الشهرية في الأول من كل شهر فهي لا تحتاج الى موافقة صعبة ، بل هي روتينية .

هناك من الزائرين يصلون الى السماوة وهم لا يعلمون بأمر الموافقة الأمنية الضرورية لمواجهة أبنائهم ، فيتحتم عليهم أما أن يعودوا لألويتهم للحصول عليها وإما أن يحصلوا عليها بالواسطة أو الرجاء من شرطة السماوة .

إن وجود ضابط في مركز شرطة السماوة متعاطف مع السجناء وأهاليهم ـ اسمه أحمد و لا أعرف اسمه الكامل لكنهم يسمونه أحمد السماوي بينما هو من أهل الحلة ـ ساعد الكثير من عوائل السجناء لزيارة ذويهم.

ثاني صعوبات الزيارة أن المواصلات بين السماوة والنقرة غير متوفرة بصورة دائمية فكان على الأسر القادمة أن تنتظر يوماً أو يومين حتى تتوفر وسائط النقل .

ثالث الصعوبات أنه لا يمر يوم في الصحراء من دون عواصف ترابية تؤذي عــيون المسافرين .

مثلاً ، سافر حسين علي الرشيد التكريتي (سجين شيوعي) وهو من أقارب أحمد حسن البكر من النقرة الى السماوة تمهيداً لنقله الى بغداد لمحاكمته وقد خرج من السجن بعينين سليمتين ، فصادف أثناء سفره هبوب عاصفة ترابية فأصيب بالعمى من جرائها. لم تنفع معه أية أجراءات طبية بعد ذلك فظل اعمى العينين .

لكن برغم كل الصعوبات فأن العوائل تتوجه بسرور كبير الى هذا المكان النائي . المؤكد أن الزيارة تعني شيئاً كثيراً للزائرين . تعني اكتشاف حقائق جديدة عن معاناة الانسان داخل هذه العزلة القاتمة في نقرة السلمان . تعني مساهمة العائلات في انعتاق السجناء من حالات توتر نفسي عنيفة ومؤذية فيها الكثير من التركيبات العقدية التي غالبا ما تؤثر على الموقف السياسي لعدد من السجناء غير المستقرين فكريا .

جميع العوائل الزائرة تتحدى الصعوبات وما من باص يصل الى النقرة من دون غناء راكبيه بالهوسة الشعبية التي صارت مشهورة في النقرة والديوانية والحلة وبغداد والسليمانية والبصرة والناصرية وغيرها : ( الما يزور السلمان عمره خسارة) فالعوائل في ذات الوقت تحمد الله أن ذويهم ما زالوا أحياءً . زال حكم البعث في تسعة شهور تماماً كما تنبأ سلام عادل . لكن الشيوعيين ما زالوا أحياءً يرزقون . بل ان الاخبار الخارجة من السجون السياسية كلها تؤكد ان التراث الروحي والثقافي للشيوعيين ينمو بسرعة داخل السجن .

قبل أيام تذكرنا شهداء الحزب والحركة الوطنية باحتفالات متعددة الأشكال بمناسبة الذكرى السنوية لأعدام الرفاق الخالدين الثلاثة يوسف سلمان وحسين الشبيبي وزكي بسيم .في العام الماضي ( شباط1963) تذكرناهم لكننا ما أحتفلنا فقد كانت دماء جديدة تسيل وشيوعيون كثيرون يصلبون في كل مكان من العراق. أما الآن فأن الأحتفالات أضافت الكثير من الأسماء لقافلة الشهداء. صدر عدد خاص من الجريدة السجنية بهذه المناسبة . وتذاكر السجناء بعضهم مع البعض الآخر كيفية تخليد الشهداء الجدد ، من ضحايا الفاشية الجديدة. أي الفاشية المتمثلة بالدرجة الأولى بحزب البعث العربي الاشتراكي وحرسه القومي .

صارت أهم المناقشات في هذه الأيام محتدة بين السجناء .

كثير من السجناء يوجهون انتقادات لسياسة الحزب الشيوعي العراقي وبعضهم ينتقد الحركة الشيوعية العالمية . مثل هذه الانتقادات ناتجة عن فهم انفعالي وعن رؤية الواقع على ضوء المشاكل والتناقضات والصعوبات السياسية الناتجة عن السياسة الفاشية التي اوجدها انقلاب 8 شباط 1963 .

هل توجد علاقة بين الفاشية الهتلرية وحزب البعث..؟

هل هناك صلة بين القومية والفاشية ..؟

هل هناك علاقة بين الفاشية العراقية التي جسدها انقلاب 8 شباط وبين الأمريكان ..؟

تساءل سجناء كثيرون عن دور مصر وعبد الناصر اللذين أخذا يوطدان علاقتهما مع الاتحاد السوفياتي في هذه الفترة بسبب الحاجة المصرية للمساعدة المالية السوفياتية لبناء السد العالي بعد ان تنكرت امريكا والبنك الدولي لتعهداتهما في تمويل بناء السد.

ما مسئولية عبد الناصر في الأنقلاب الفاشي وفي تدعيم الفاشية في العراق.

كل الأحزاب الفاشية في أوربا أدعت ، على مر تاريخها ، أنها أحزاب قومية وأنها تعمل من أجل مصالح بلدانها القومية .

الحزب النازي الألماني تأسس على يد هتلر وتطور وصعد الى السلطة وأرتكب جريمة الحرب العالمية الثانية تحت واجهة القومية الألمانية .

الحزب الفاشي الأيطالي بقيادة موسوليني كان من دعاة القومية الأيطالية.

حزب الكتائب الاسباني ـ حزب فرانكو ـ دمر الشعب الاسباني وقتل آلاف الشيوعيين بأسم القومية الأسبانية .

كل هذه الاحزاب وسياساتها استندت الى وسائل الطغيان والعنف وتقتيل المعارضين والشيوعيين إضافة الى ارتكابهم جرائم عنصرية متعددة الوجوه خاصة ضد اليهود في المانيا وبولونيا قبل الحرب وخلالها.

لم يخلو الوطن العربي من أمثلة مشابهة للأحزاب الفاشية الأوربية .ولم يخلو من سجون شبيهة بنقرة السلمان.

في الثلاثينات والاربعينات نشأت أحزاب سياسية في عدد من البلدان العربية تحت واجهة ودعوى القومية العربية ، وتحت واجهة معاداة الاستعمارين الأنكليزي والفرنسي والتحرر من ربقتهما. بل يمكن القول ان الاحزاب العربية القومية تأثرت كثيراً بالافكار الفاشية والنازية ، على اعتبار أن ألمانيا وأيطاليا كانتا معاديتين للدولتين الأستعماريتين ، بريطانيا وفرنسا .

من هذه الاحزاب حزب القوميين السوريين في سوريا ولبنان .

حزب مصر الفتاة في مصر .
وحزب الاستقلال في العراق.

إضافة الى وجود شخصيات " قومية عربية " تدين بالفكر النازي . مثل رشيد عالي الكيلاني الذي كان متعاطفاً الى حد ما مع النازية الهتلرية حتى قيل أنه عرض على القيادة الألمانية في مناسبات عديدة قبل " ثورته " وأثناءها وبعد فشلها ولجوئه اليها ، التمتع بامتيازات نفطية اسوة بالإنكليز.

بعض هذه الأحزاب العربية لم يجاهر بالنازية كما أن شخصيات قومية كثيرة أنكرت اعتقادها بالنازية ، كما هو شأن رشيد عالي الكيلاني نفسه وأصحابه بعد فشلهم في محاولتهم الأنقلابية وبعد عودته من المانيا التي لجأ اليها سراً بعد هروبه من العراق..فقد أنكر ذلك عندما أقام في المملكة السعودية تحت رعاية الملك عبد العزيز آل سعود.

عدد من السجناء الكبار السن ( عبد الوهاب طاهر ، مكرم الطالباني ، سليم الفخري ، يحي قاف ) تذكروا ، خلال المناقشات الجارية في السجن حول الفاشية والقومية ، أن حزب مصر الفتاة لم يتردد في اعلان تأييده للنازية سراً وعلناً . حتى أن بعض شعارات هذا الحزب المرفوعة في مظاهرته التي نظمها في 1942 في القاهرة كانت تدعو الألمان صراحة الى تحرير مصر ، بل أنهم دعوا القائد العسكري الألماني رومل الذي طرد القوات الانكليزية في معركة العلمين الى التوجه نحو احتلال القاهرة وتحريرها من الانكليز.

مثل هذه الافكار وغيرها يتم تداولها كلما جاء حديث بين السجناء عن مدى ارتباط حزب البعث العربي الاشتراكي بالنازية والفاشية أسلوباً وفكراً وممارسة برغم نكرانه ذلك . ففي نظر الجميع ان قادة سلطة 8 شباط 1963 هم شكل من اشكال السلطة الفاشية الهتلرية ، تعلموا وعلّموا قواعدهم من كتاب " كفاحي " لهتلر الذي كنتُ أرى تداوله بين أيدي أفراد الحرس القومي في مقره الرئيسي بالعشار ، ممتدحين مضامينه ومبهورين بتاريخ حياة هتلر وأفكاره.

أحاديث كثيرة تدور حول سياسة الحزب الشيوعي خلال فترة عبد الكريم قاسم . كل سجين شيوعي يواجه أسئلة كثيرة عن اندفاع الحزب في التعامل مع ازدواجية سياسة عبد الكريم قاسم مع اطراف الحركة الوطنية ومع الحزب الشيوعي بالذات . وقد ساغ لبعض المناضلين والشيوعيين ايضاً أن يفترض لنفسه اجابات كثيرة تدين قيادة الحزب ، وبعضهم يدين دور الاتحاد السوفياتي . السجناء هنا يتنفسون حريتهم في النقد واللوم واحياناً الأتهام الجائر . كل واحد من السجناء يتمثل رؤياه النقدية الفردية الخاصة .

ساعد على نمو هذه النزعة وجود الكثير من الضباط الشيوعيين الذين نالوا نصيبهم من التعذيب في السجن العسكري رقم واحد بمعسكر الرشيد أو في قصر النهاية وصاروا يتحدثون بلهجة الجيش المنكسر المهزوم . يتحدثون بلهجة هجومية على قيادة الحزب ولجنته المركزية . أكثر العسكريين أندفاعاً بهذا الاتجاه هو( كمال الملاً ) الذي لا يطيق رؤية عبد القادر اسماعيل وهو يتجول في ساحة السجن القديم ( سجن القلعة ) منطوياً على نفسه في قاووشه .

لا يظهر عبد القادر اسماعيل مع السجناء أبداً . ليس له أي صديق يتمشى معه أو يجادله . عزل نفسه كليا عن السجناء جميعهم ، ففي نظره ان السجناء كلهم لم يعودوا يحترمونه . في الخامسة صباحاً ينهض من فراشه ليتجول في السجن لمدة نصف ساعة لاعباً خلالها بعض التمارين الرياضية وهو بصحة جيدة وقوة بدنية كالشباب .لكنه لم يعد " يتدخل " بالسياسة . لا يتحدث باية كلمة عن السياسة ولا عن العقائد السياسية ولا عن الدولة والسلطة ولا عن الدولة والدين . واقعه في السجن صار انعزاليا الى حد يثير غرابة الجميع .

لم يكن عبد القادر اسماعيل هو القيادي الشيوعي الوحيد الذي انهار امام القوة الفاشية القاهرة لكنه كان يبدو أمام السجناء أنه الوحيد الذي أنزل بنفسه عقابا صارما على نفسه . سجناء كثيرون يتساءلون عن اسباب عدم الاستقرار النفسي في السلوك الذي يتبعه عبد القادر اسماعيل الذي صار يبدو كأنه سلوك مختل عقليا او على الاقل انه في ازمة نفسية حادة نتيجة التحول الذي طرأ على حياته من كونه شخصية شيوعية دولية إلى مجرد كونه انسانا مطيعا للفاشية العراقية التي سخرته في الاعلام التلفزيوني لمحاربة الشيوعية من خلال ظهوره على شاشة تلفزيون بغداد لطعن العقيدة الشيوعية وتيارها الواسع في العراق المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي .

بعض السجناء وجد في قيام عبد القادر اسماعيل بمعاقبة نفسه بالانعزال التام انما هو في جوهره عقابا يستحقه فعلا ، بل يستحقه من الآخرين بالتهميش والعزل الى اقصى حد .

لم تستطع المنظمة الحزبية في النقرة ان تصوغ موقفا عاما للتعامل مع اشكالية عبد القادر اسماعيل وبعض سجناء من امثاله . كيف يمكن النظر لموقف عبد القادر اسماعيل .. ؟ أو كيف يمكن مساعدته في تجاوز معاناته النفسية كما كان يدعو بعض السجناء في القلعة القديمة .. ؟

كذلك لم تؤسس المنظمة موقفا محددا من سجناء يحاولون استفزاز عبد القادر اسماعيل أو إهانته .

على أية حال كانت هذه التجربة الحية قادرة على تأسيس موقف شيوعي متوازن ليس فيه صدام مع عبد القادر إسماعيل وأمثاله وليس فيه أي شكل من أشكال الاستفزاز وليس في أي رؤى متطرفة .

أما كمال الملا فله شأن آخر .

كان ضابطاً في الحرس الملكي ولاعباً جيداً في فريق كرة القدم التابع للبلاط الملكي . ما زال يحتفظ حتى الآن ، وهو في السجن ، بلياقته البدنية . كان يتميز بالشجاعة والثقافة فقربه الملك فيصل الثاني إليه .

في عام 1957 كشفت اجهزة الاستخبارات أنه على علاقة مع تنظيمات سرية مناوئة للنظام الملكي فاعتقلته . وقد ظل خلال فترة التحقيق أميناً على أسراره. أغروه بالكثير من المناصب والاموال في حالة تعاونه بكشف التنظيمات ، لكنهم فشلوا في تحقيق هدفهم باسقاطه .خاصة بعد تدخل الملك فيصل نفسه آمراً بعدم تعذيبه ومعاملته معاملة خاصة . ومع ذلك فقد ثار كمال الملا ضد النظام الملكي منضوياً تحت لواء ثورة 14 تموز.

أما بعد انقلاب شباط فقد نال حصته من تعذيب البعثيين وحلفائهم القوميين فكيف يوافق على تحالفه معهما ..؟ هل يُعقل أن ينضوي الحزب الشيوعي تحت قيادة جلاديه .. كيف يمكن أن يقودنا قاتل عبد الكريم قاسم ..؟

كان نشيطا في طرح افكاره بصوت عال وبعصبية احيانا متحديا التنظيم الحزبي مكرراً كلامه : أنا ضد صاحب الحميري ..!

لكن كمال الملا ظل محباً للشيوعية حتى يوم اطلاق سراحه إذ كانت عيناه دامعتين وهو يودع أصحابه .

لم استغرب وجود الكثير من العلامات الصحيحة في بعض الآراء . لكنها لا تخلو من روح الانفعال الذي جعل المنظمة الحزبية في السجن غافلة عن اهمية التفاعل مع هذه الاراء ودراستها بعمق للوصول الى خلاصة تجربة نضالية ممكن ان تكون مفيدة للمستقبل .

بعضهم اعتبر ان جل الاسباب التي ادت الى انتكاسة الحزب وضربته الجديدة عام 1963 يعود الى اخطائه . بعضهم يؤكد ان المسئولية تقع على عاتق " افراد " من قيادة الحزب ليس غير .

بينما توجد آراء كثيرة تؤكد أن انتكاسة الحزب وثورة 14 تموز مرجعهما الاساسي هو الفعل الأمريكي المحموم ضد الشيوعية في العراق وفي الوطن العربي وضد حركة التحرر الوطنية كلها .

السجن يغلي بالمناقشات والافكار السلبية والايجابية . وقد اصبح العامل السياسي يتدخل في العلاقات بين صفوف السجناء وفي حياتهم أيضاً.

اصبح هذا العامل مؤثراً في سيرة حياة كل سجين وفي مستقبله .

تستغل نفس العامل مجموعة النفوس اليائسة في تبرير مواقفها الانهزامية او التراجعية .

كما تستغله نفوس اخرى لتبرير اخطائها.

على كل سجين هنا ان يميز بين الصواب والخطأ . هذه مهمة غاية في الصعوبة فقد تداخلت الخيوط مع بعضها ، مما زاد ، أحياناً ، في تخبط وقلق وفوضى الكثير من الآراء المطروحة.

في مثل هذا الجو أرى القليل من السجناء من يريد حكمة التاريخ او ممن يريد دراسة التاريخ بحكمة . أحياناً أرى شيئاً آخر ، إذ اصبحتْ ، تبعاً لذلك ، مشيئة رفاق المنظمة الحزبية تتجه الى فرض الكثير من الاشياء الثقافية والسياسية والنظرية تخالف الكثير من الاحكام المنطقية والتاريخية .

ما يسر المرء ، هنا ، شيوعياً كان أو غيره ، شيوعياً سابقاً أو حالياً ، ظل على احترام رأي الآخرين وضمان كرامتهم بتصرف هاديْ وعقلاني ومتزن . هناك حوادث استثنائية لكنها قليلة .

في ظل هذه الاوضاع تنمو الكلمة عندي لتدوين اغلب الظواهر السلبية والايجابية بما في ذلك الوجه الباطني للأوضاع السجنية .
 

¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس