جاسم المطير
الخميس 4/9/ 2008
نقرة السلمان
(7)جاسم المطير
احزان ومكابدات الطليعة المحبوسة
تآلفتُ سريعاً مع هذا المكان الذي حشر فيه الآلاف من السجناء العزل ، المقطوعة عنهم أخبار مدنهم وأهاليهم بل العالم كله ، إلاّ أخبار الراديو الذي عرّفه السجناء بالكذاب الأكبر لكثرة ما يسمعون يومياً من أخبار يظهر زيفها بعد يوم واحد أو أيام.
ممنوع دخول الراديو الى السجن. حتى لا يسمع السجناء تقارير وأخبار الشيوعية العالمية من اذاعة موسكو . حتى لا يرتبطون بحركة الشعب العراقي عبر استماعهم لأذاعة صوت الشعب العراقي التي حظت باهتمام أهالي السجناء وقوى الشعب الوطنية.
حتى راديو لندن ممنوع الاستماع إليه.
حتى الموسيقى ممنوعة إذ انهم يمنعون دخول كاسيتات داخل حسن وحضيري ابو عزيز وصديقة الملاية وغيرهم ، مثلما يمنعون دخول "المسجل" ايضا . عندما يسأل السجين أحد ضباط الادارة : لماذا تمنعون الموسيقى والغناء ..؟
يجيبك في الحال : ان الموسيقى تعبر عن الحزن والحب والفرح وهذه كلها اشياء محرمة على السجناء .
تاكدت حقا ان للموسيقى ذاتها رسالة خاصة ، بل هي لغة خاصة لها مميزات لا يمكن الاستغناء عنها و هي أداة من ادوات التواصل بين السجين داخل السجن والناس في خارجه .
لذلك لا بد من " تهريب " الكاسيتات من الخارج إلى الداخل . كنا نتمتع باغاني الزمان وبموسيقى الزمان فكان انتصارا عظيما من انتصارات زمان السجين في النقرة ان يكون عنده مسجل واشرطة . تلك نزعة حضارية ضد بربرية السجون السياسية .
حتى الراديو ، رغم كل الحواجز ، فأنه يخترقها متى ما أردنا ذلك . في البداية حصر الراديو لدى قيادة المنظمة وفي غرفة تحرير الجريدة السجنية كي لا ينكشف أمره لدى إدارة السجن . مع مرور الايام أصبح بامكان كل سجين أن يدخل الراديو أو المسجل الخاص به ، و بأيادي السجانين أنفسهم بشرط أن تتم هذه المعاملة سرا وأن يكون الاستماع الى صوت الراديو سرا أيضا .
كل راديو يدخل الى السجن له سعر .. دينار واحد إضافة لثمنه في السوق.
أما المسجل فيدخل لقاء دينارين إضافة لثمنه .
ممنوع دخول الاوراق والاقلام أيضاً.. لكنها تدخل بالدفع المعجل ..
لا شيء يدخل الى السجن من الباب الامامي إلاّ السجين وحده وهو يحمل معه في دخوله الأول متاعه الشخصي البسيط ( ملابس وأدوات حلاقة وبطانية ). أما جميع الاشياء الاخرى فتدخل الى السجن من (الابواب الخلفية ) التي لا تفتح إلاّ مقابل ثمن نقدي أو عيني .
الراديو يعطينا تقريراً مفصلاً عن أحداث اليوم وكل يوم . يخبرنا بملاحظات وفعاليات وصراعات الماركسية والتروتسكية المحتدمة هذه الايام في الساحة الشيوعية الدولية . كثير من السجناء يسمعون لأول مرة باسم تروتسكي والتروتسكية .
من هو تروتسكي.
ماهي التروتسكية.
ما الستالينية.
أسئلة كثيرة تترى بين مجموعات السجناء كلما اجتمع أثنان منهم أو أكثر . صار السجناء الشباب يسمعون موضوعات في " الثقافة الشيوعية " جديدة عليهم . افكار جدلية كثيرة تطرح بين المتناقشين في النقرة فيجدها السجناء الشباب جديدة على مسامعهم . هناك مناقشات منغلقة على مواقف فكرية جامدة ، كما ان الكثير من الموضوعات التي يتناولها الضباط العسكريون غالبا ما نرى فيها تلازما مع روح اليأس والاحباط .
كثيرا ما كانت مبادرات المنظمة الحزبية في السجن حول وضع برامج ثقافية للسجناء ، الحزبيين وغير الحزبيين ، تقابل بسخرية من قبل اكثرية الضباط العسكريين ، حزبيين وغير حزبيين ، يتبين من اعتراضاتهم انهم عاجزون عن التفاعل مع الثقافة الشيوعية ، بل صار البعض منهم لا يثق بما يقال عن الماركسية وعن اللينينية وصار هذا البعض يستهزيء بكثير من المصطلحات السياسية والمصطلحات الشيوعية . على العموم ظهرت في السجن " ثقافة معارضة " قائمة على نقد " ثقافة الحزب " .
لكن رغم هذا وذاك فان الحوار الرفاقي والديمقراطي مستمر .
ورش العمل الفكري والثقافي متواصلة .
النشاطات الخلوية الثقافية مستمرة ايضا .
مختصر القول ان قاطرة العمل الثقافي داخل السجن تواصل سيرها الى أمام ، داخل الخلايا الحزبية وخارجها .
بين المثقفين السجناء نجد نفس الاسئلة المختلطة حتى في النقاش عن الصراع الحالي بين الفلسفة الماركسية والفلسفة الوجودية . مثلما النقاش بين الواقعية الأدبية والواقعية الاشتراكية ، أو بين المعقول واللامعقول المحتدمين في المسرح الأنكليزي والفرنسي حيث بدأنا ونحن في السجن نسمع عن كل هذه النزعات الثقافية التي صارت لدى الكثير من السجناء المثقفين مزاجا مطلوبا في حياته السجنية وفي متابعاته الثقافية .كان احد الشباب المثقفين ( جمعة اللامي ) احد المتكيفين حديثا مع هذا النوع من المزاج الثقافي حيث أرسلت له عائلته العديد من مؤلفات جان بول سارتر والبير كامي مما جعل السجناء ينظرون اليه برسم تخطيطي خارج المباديء الشيوعية التي كان يؤمن بها قبل دخوله الى السجن .
بعض الافكار تتسرب من خلال أجهزة الاعلام الرأسمالية الى أذهان الشيوعيين في كل مكان بأن هذا الصراع الثقافي الواسع النطاق في اوربا الغربية هو أساس الانتكاسات في الشيوعية الدولية وبالتالي فأن انتكاسة الحزب الشيوعي العراقي أيضاً تعود الى ابتعاده عن الخط الثوري فـي النضال الذي تمثله التروتسكية .
وجدتُ مقالاً باللغة الانكليزية في مجلة سوفياتية يطالعها السجين بديع عمر نظمي في القاووش العاشر. كان يقوم بترجمته . كما كانت أذاعات الغرب تتطرق أحياناً في برامجها لهذه الصراعات.
ملخص المقال انتشر بين سجناء القاووش العاشر ومن ثم وصل لمن يرغب في الاطلاع :
في منتصف العشرينات ، أي بعد وفاة لينين ، وحتى أواخرها أحتدم صراع شديد بين قائدين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي هما ستالين وتروتسكي فقد كان لكل منهما نظريته الخاصة عن البناء الشيوعي والثورة من أجلها.
ستالين يدعو الى تطوير الاشتراكية السوفياتية واقتصادها لتكون مثالاً تقتدي به شعوب العالم . بينما تروتسكي يدعو الى إشعال الثورة العالمية .
ظهرت في الفترة ذاتها مفاهيم عن " تصدير الثورة " الى بلدان اخرى.
تروتسكي يدعو الى مساعدة كل حزب شيوعي في العالم بكل السبل لأعلان ثورته فطرد في عام 1927 من الحزب وعاش في المنفى الى أن قتل في بداية الأربعينات بمنفاه في أمريكا اللاتينية وأتهم ستالين بتدبير قتله.
من هنا جاء اتهام الاتحاد السوفياتي بتقصيره وتقصير خروشوف في مساندة الشيوعيين العراقيين ومنعهم من استلام السلطة كما يظن بعض السجناء الشيوعيين . هذا البعض ليس قليلاً . صار العديد من السجناء وخاصة من العسكريين يشتمون خروشوف ، علنا في بعض الأحيان ، بسبب وقوفه الى جانب عبد الناصر وتقاربه مع مصر ومساعدته في تدعيم قيادة عبد الناصر وإضعاف دور الحزب الشيوعي المصري في حركة التحرر الوطني . كما ألقى سجناء كثيرون على عاتق خروشوف مسئولية ما جرى للحزب الشيوعي العراقي من ضربات قمعية في عهد عبد الكريم قاسم وما بعده في انقلاب شباط 1963 ، لم يكن خروشوف ، ماهرا ولا ذكيا ، في تعامله مع القضية العراقية ومع رؤية الحزب الشيوعي العراقي لنظام عبد الكريم قاسم . كان منظور خروشوف والحزب الشيوعي السوفييتي للوضع العراقي واهمالهما فرص التنسيق الحقيقي مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي هو سبب من اسباب وجود الشيوعيين العراقيين في النقرة وفي السجون العراقية الاخرى .
هذا النوع من الافكار يظهر في سياق الحوار اليومي بين السجناء الذين تتحكم بهم انواع مختلفة من المعايير والامزجة وغيرها من العوامل الشخصية كما يظهر بين المتحاورين داخل اجتماعات الخلايا الشيوعية الذين كانوا يعتقدون ان الرفاق السوفييت هم المسئولين عن منع الحزب الشيوعي العراقي في استخدام امكانيات ووسائل اختراق السلطة في زمن قاسم حين اصبح في ذروة المكانة الجماهيرية بينما استطاع حزب البعث اختراقها في وقت كان لا يمثل غير هامش ضعيف في الحركة السياسية العراقية .
في اعتقاد الكثير من سجناء النقرة ان عبد الناصر كان العدو الاول لثورة تموز وعبد الكريم قاسم وبالتالي انه المسئول عن انتكاسة الشيوعيين العراقيين. كما أنه كان أول الزعماء " الوطنيين " العرب يحارب الشيوعية حيث زج الشيوعيين المصريين بالسجون قبل بضعة أعوام وبالضبط عام 1960. ، ثم ساند البعثيين على القيام بانقلاب شباط 1963 وذبح الشيوعيين العراقيين ورمي الأحياء منهم ومن أعوانهم في غياهب السجون.
صرنا نقرأ عن أسماء مصرية قضت زمناً في السجن منهم محمود أمين العالم وأسماعيل المهدوي وفؤاد مرسي ، إضافة لأسماء تقدمية أخرى قضت سنوات طويلة في سجن أبو زعبل وغيره من السجون الشبيهة بسجن النقرة.
الآن يجري حديث جديد عن تحول جديد في السياسة الناصرية لحل الحزب الشيوعي المصري وأنضمام اعضائه الى الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسسه عبد الناصر ويلقى تشجيعاً من خروشوف.
شيوعيون مصريون كثيرون ، في القيادة والقاعدة ، وافقوا على حل حزبهم فنالوا حصتهم من شتائم وانتقادات السجناء الشيوعيين العراقيين في النقرة وفي غيرها من السجون العراقية .
من هذه الزوايا جميعها يتحول السجن كله الى قاعات واسعة للمناقشات المتواصلة حول أحداث العالم من الكويت حتى الكونغو ، وحول احتدام الصراع بين السوفيات والدول الرأسمالية داخل اطار تنامي دعوات التعايش السلمي بين الانظمة المختلفة ، أي بين الرأسمالية والأشتراكية ، تلك الدعوة التي نشطها خروشوف في لقاءاته الدولية.
عادت الى أذهان السجناء ، في هذه الايام ، أمور كثيرة من سياسة خروشوف الذي وصل الى مركز القيادة الاولى في الاتحاد السوفياتي بعد وفاة ستالين عام 1953 والذي جرت في زمانه أحداث جسيمة ، داخلية وخارجية ، منها حرب السويس التي لولا الدعم السوفياتي وانذار بولغانين لكانت اسرائيل قد ابتلعت نصف مصر . وكذلك تدخل خروشوف مباشرة في أحداث هنغاريا ، وأسناد ثورة 14 تموز حال قيامها التي جوبهت بمحاولة تدخلات انكليزية ـ أمريكية بعد نزول قوات الدولتين الاستعماريتين في لبنان والأردن. ولا يمكن نسيان موقف السوفيات ضد التدخلات الامريكية للقضاء على نظام الاشتراكية في كوبا. كذلك جرت نقاشات كثيرة حول امور اخرى تتعلق بشخصية خروشوف المختلفة عن شخصية ستالين بانفتاحها على تطورات العصر السياسية والثقافية .
دارت مناقشات بين كل سجينين على الأقل حول امور تتعلق بالسياسة الدولية كلها.
في غالب الاحيان تدور بين مجموعات تصل الى عشرة اشخاص ممن تجدهم جالسين في اماكن مختلفة من السجن ينالون حصتهم من دفء الشمس في شتاء بارد او من الذين يودون الحصول على هواء الصحراء العليل في ليالي صيف حار وكذلك في السهرات الليلية.
تتوسع النقاشات بين السجناء يوماً بعد يوم .
تخرج احياناً من الجانب السياسي الى الجانب الاقتصادي بعد النكسة الاقتصادية التي منيت بها سياسة خروشوف في الميدان الزراعي ونقص محاصيل الحنطة مضطراً الى شراء القمح الامريكي .
بعد هذا ظهر أحد اعوانه من المستشارين ( ليبرمان ) يدعو الى الأصلاح الاقتصادي . وقد كلفتني اللجنة الثقافية السجنية بتلخيص أهم أفكار ليبرمان الأقتصادية ـ الأنفتاحية في محاضرة ألقيتها في ندوة يوم الخميس الاسبوعية ،أعقبها الكثير من تساؤلات المستمعين حول استخدام الحافز المادي الذي بنى ليبرمان نظريته على اساسها لأول مرة في تاريخ الانتاج الأقتصادي السوفياتي كعنصر هام من عناصر تطوير الانتاج الاشتراكي .وتلقى هذه النظرية هجوماً عنيفاً من القيادة الحكومية التي تولي أولية الحافز المعنوي وليس المادي في التربية الشيوعية الاقتصادية .
في حالات كثيرة وبين اوساط عديدة من السجناء جرت نقاشات فلسفية متركزة بين المادية والمثالية التي كان الكثير من السجناء راغبين في التعرف على بعض تفاصيل هذا الجانب الذي اهتم فيه السجين عزيز سباهي أكثر من غيره مثلما اهتم بالأقتصاد السياسي. في بعض الحلقات احتدمت نقاشات بين الالحاد والدين وقضايا فلسفية اخرى.. وقد تم ألقاء أكثر من محاضرة فلسفية بهذا الصدد من قبل صادق جعفر الفلاحي وعزيز سباهي ونعيم بدوي وسامي أحمد ، وشارك في مداخلاتها احد الضباط هو الملازم ناجي نهر .
السجناء صاروا يلتفتون لكل صغيرة وكبيرة في لقاءاتهم ومناقشاتهم كما صاروا يلتفتون الى ما يجري خارج السجن عن تحولات مزعومة في حكومة عبد السلام عارف نحو الاشتراكية التي تجسد فيها مصطلح جديد عمّا يسمى بـ" الاشتراكية العربية " بينما صرنا نسمع أيضاً عن أشتراكية رشيدة ، كان من الدعاة اليها الدكتورعبد الرحمن البزاز من الاعوان المدنيين للرئيس عبد السلام عارف الذي اختاره لرئاسة الوزراء .
كان بعض السجناء من العسكريين الشيوعيين خاصة يقدمون الدليل على كذب إدعاءات حكومة عبد السلام عارف عن الوعود باطلاق سراح السجناء السياسيين وعن بناء الاشتراكية في العراق . يؤكدون كذب الادعاءات الحكومية العارفية من خلال وجودهم أنفسهم داخل السجن لحد الآن :
ـ السجين أبو شيرين مسئول الحانوت في النقرة ما زال فيها رغم أنه أبن عمة طاهر يحي الذي منح عائلته وعوداً كثيرة باطلاق سراحه.
ـ السجين حليم مطر أبن عم عبد الستار علي الحسين وهو وزيرعارفي .
ـ السجين ( كمال .. .) الملقب كمالوف هو شقيق زوجة عبد الرزاق النايف .
ـ علي حسين الرشيد أبن عم أحمد حسن البكر ..
ـ السجين محمد منير سليمان ابن شقيقة يوسف كشمولة .
هؤلاء وغيرهم بالعشرات ممن تربطهم روابط الدم والعائلة بمسئولي الدولة العارفية يرفضون اعطاء البراءة من الشيوعية ويرفضون أي شكل من اشكال طلب العفو والرحمة من الجلادين . كان البعض من هؤلاء يلوم ويعاتب افراد عائلاتهم لمجرد تقديمهم الرجاء للمسئولين لإطلاق سراح السجناء من اقاربهم.
راجت في السجن قصة قصيرة عن موقف ما واجهته قبل أيام والدة محمد منير سليمان . حين ذهبت لزيارة شقيقها يوسف كشمولة ـ الشخصية الموصلية المتنفذة بين اوساط الحكومة كافة ـ بعد ان اجرى عملية جراحية لعينه . اثناء الزيارة وجدت مع الآخرين أحد أشقائها الذي بادر الى سؤالها بشماتة وتهكم :
ـ هل جئتِ يا أم محمد منير تطلبين الرحمة لولدكِ الشيوعي المجرم ..؟
نهضت من مكانها واقفة في وسط الغرفة رافعة فردة نعالها بيدها اليمنى وهي تصيح :
ـ سأضرب بهذا النعال رأس كل من يتطاول على محمد منير .
ثم أضافت :
ـ سأقطع لساني بيدي أن تجاسر وطلب منكم الرحمة لولدي .
بصورة عامة أقول أن سجن نقرة السلمان غدا في الوقت الحاضر أنشط وأوسع الأمكنة السياسية في العراق ، فهو في حالة استنفار فكري دائمة .
غدا السجن كأنه في مؤتمر سياسي دائم الانعقاد.
غدا أكبر تجمع ثقافي عراقي .
غدا أكبر تجمع سياسي في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي .
غدا المكان الجماهيري الوحيد الذي يتحدث فيه " الجمهور " بحرية تامــة دون حساب أو عقاب .
أول ما يدخل السجين الى النقرة يشعر أن الحرية فيه وفي نقاشات المتناقشين هي أول ميزة يحصل عليها ، فلا يحاسبه في ما يقوله في السياسة والأفكار ، لا السجانون ولا التنظيم الحزبي .
لا توجد محرمات لا في الاجتماعات السجنية ولا في حلقات الصداقة .
قل ما تفكر به بصراحة .
لك حق التعبير التحريري أيضاً عن ارائك وأفكارك وانتقاداتك فيما تكتبه من رسائل الى المنظمة الحزبية او الى قيادة الحزب في بغداد.
لكن هذا لا يعني عدم وجود بعض القيود على حريتك في مناقشة سياسة الحزب الماضية والحالية بصورة علنية .
يعني هذا منع استمتاع الناقد بحريته كاملة .
يجري حديث ، الآن ، عن شيء أسمه " ديمقراطية المناقشة " حول بعض الاتجاهات الموجودة لدى قيادة الحزب المتجهة نحو تقييم تجربة " الاتحاد الا شتراكي " في مصر تقييماً أيجابياً من دون الانتباه الى الجوانب السلبية في التاريخ التنظيمي في التجربة الناصرية التي فشلت في جميع محاولاتها لتأسيس تجمعات جماهيرية أو سياسية آخرها تنظيم " الاتحاد الاشتراكي " كحزب واحد وحيد في مصر العريقة بالحياة الحزبية.
لكن مع توسع النقاشات بين السجناء وبين ما تثيره يومياً أفتتاحيات الجريدة السجنية التي كان بعض السجناء يرى فيها ابتعاد المنظمة عن الخط الماركسي الثوري . مما جعل الأتجاه العام لدى المنظمة هو التأرجح بين تكثير المحرمات الفكرية وبين رفع القيود عن المتناقشين رغم ان اكثرية أعضاء القيادة السجنية يعبرون ، بهذا الشكل أو ذاك عن قناعاتهم الفكرية في الجلسات الخاصة عن عدم رضاهم على النهج الحزبي الجديد بمن فيهم عبد الوهاب طاهر وسامي أحمد اللذين " تفلت " افكارهما الحقيقية في احاديثهما بتلك الجلسات.
إذاً من يكتب الأفتتاحيات.؟
أضطر الى أن أسأل نفسي هذا السؤال مثلما يسأل آخرون السؤال ذاته .
صادق جعفر الفلاحي . عامل نسيج منبثق من بين صفوف الطبقة العاملة الفقيرة وشيوعي قديم له تاريخ نضالي طويل في السجون وفي الحركة النقابية العراقية كواحد من بناتها وقيادييها يجاهر بصريح العبارة مؤيداً نهج الانفتاح على تنظيم الاتحاد الاشتراكي ، فهل هو صاحب الافتتاحيات إذاً..؟
ربما يكون هو أو لايكون.
في الليل يهدأ السجن أكثر من النهار يتحدث السجناء في مجموعاتهم بحرية تامة ومن دون اكتراث.
يتحدثون طويلاً عن أمور كثيرة .
بعضها يتعلق بداخل السجن وما يجري فيه .
بعضها الآخر يتعلق بما يجري في الوطن من أحداث أيضاً مصحوبة بأنواع القصص والنكات عن رشاوى وصفقات مالية تجري في نطاق الحكومة ووزرائها ، حتى عاد الى اذهان العراقيين لقب " حرامي بغداد " يطلقونه على طاهر يحي أقرب المقربين من عبد السلام عارف وعبد الناصر ، وأحد أبرز دعاة الأشتراكية ( العربية ..!) في العراق ..!
غالباً يجري حديث عمّا جرى وليس عمّا يجري.
الخوف من مناقشة الأوضاع الحاضرة شيء مشاع وأصبح دائمياً . ليس ذلك ظاهرة مطلقة لكنني أؤكد ان الأحاديث الطويلة تتركز ، حتى عند مناقشة مجريات الحاضر ، على الانتكاسات المتعددة التي مرت بالشيوعيين وبالحركة الوطنية العراقية، وبالوطن نفسه في ظروف وأوقات مختلفة . المتناقشون يتوقعون انتكاسة جديدة للشيوعية في البلدان العربية كلها إذا صار الحزبان الشيوعيان ، المصري والعراقي ، يدوران في فلك عبد الناصر واتحاده الاشتراكي . كان سرور السجناء بالغا ً حده الاقصى حين ترد بعض الاخبار من خارج السجن عن محاولة قيادة الحزب التخلص من نتائج سياسة خط آب 1966 وعن محاولة التحرر من قبضة جمال عبد الناصر واشتراكيته .
الساعة الآن تجاوزت الخامسة صباحاً. ما زلت احس بتعب رحلة المناقشة التي ركبنا زورقها طوال ساعات الليل لكننا فشلنا في العثور على ضفة آمنة نضع فيها نتيجة مناقشاتنا.
بدأتُ ادرك انه مهما يكن صبر السجين طويلاً لكنه حين يقضي بين الجدران وقتاً غير قصير في مناقشات غير مجدية فأن هذا يجلب له حزنا شديدا .
الى حد ما فأنا أعاني من آثار هذا الحزن في الوقت الحاضر.
طبعا يوجد هنا عدد من السجناء يبتعدون عن المناقشات ، وهم من نوع معين . يعتقدون ان عقل الانسان لم يخلق للمناقشة بل لملئه بالترهات والسفاسف . منهمكون ليلاً ونهاراً بحياكة أشياء من " النمنم " مثل الحقائب النسائية والجزادين النسائية الصغيرة.
في النقرة تجد التفاعل السريع بين الآراء والأفكار.
أفكار قديمة ، تبعث من خلال النقاش أفكاراً جديدة بين السجناء.
السؤال يأتي من السجناء المتفاءلين : هل تبعث الأفكار الجديدة أية قدرة على تغيير أوضاع العراقيين سواء كانوا مسجونين في سجن كبير ( العراق ) أو صغير كسجن (النقرة ) ..؟
الجواب يأتي من غير المتفاءلين : لا أمل في التغيير من دون تغيير النظام كله ومجيء نظام حكم ديمقراطي .
استمرار الأحاديث والنقاش هو البديل لوحدة السجين القسرية .
وهو البديل لآمال بعض النفوس ..
وهو البديل لفقدان الأمل في نفوس أخرى..
وهو البديل لحزن حقيقي عائش في الأعماق..
هو البديل للسفوح الصخرية التي تسير بينها أفكار السجناء الغائمة غير الممطرة.
لكن السجين يظل بكل الاحوال وبكل البدائل غير منغلق أمام أيمانه بقدرة الشعب على تحريره عاجلاً أم آجلا. يظل يواصل المعرفة والنقاش والحوار للتخلص من جمود الحياة السجنية ومللها.
مع اتساع النقاش كانت المحبة تتسع أيضاً بين السجين وأخيه السجين من دون أن يؤثر اختلاف الرأي بينهما على علاقتهما الرفاقية أو السجنية.
تلك هي ميزة الطليعة المحبوسة في سجن النقرة حيال من ليسوا منها..
يتبع
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)