| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 8/9/ 2008



نقرة السلمان
(9)

جاسم المطير

في مقر الحرس القومي قصص عن بشاعة التعذيب
أكثر الكلمات تداولاً ، في النقرة ، في هذه الأيام هي كلمة ( الحرس) . تأخذ مفهوماً محددا موصوفاً لقوة غاشمة خارج السجن لتصبح كلمتين مترادفتين ( الحرس القومي ) لا تنفصل إحداهما عن الأخرى ، كما لا تنفصلان كلتاهما عن الحرس النازي ( SS ) الذي ارتكب أبشع الجرائم أيام الحكم الهتلري في ألمانيا .

مع كل بريد يأتينا من خارج السجن نطّلع على عدد من التحقيقات الصحفية المنشورة في جرائد ومجلات لبنانية تصلنا قصاصات مصورة منها عن الجرائم التي أرتكبها الشباطيون بعد أن سيطر (البعثيون والقوميون ) في انقلابهم الدموي على سلطة الحكم في العراق.

أكثر الناس سخرية من الحرس القومي هو رئيس الجمهورية عبد السلام عارف. قال الشيء الكثير عنهم وعن جرائمهم في خطبه وتصريحاته . وقد اطلقت الصحف العارفية على الحرس لقب ( الحرس اللاقومي ) مشيرة الى أن أعمال الحرس وبشاعة جرائمه ستكون مصدراً من مصادر العار على " القومية الاشتراكية العربية " التي ينادي بعضهم بها..!

وصلت الى داخل السجن أخبار تقول أن قيادة حزب البعث قد انقسمت الى قسمين ، يميني ويساري . كلاهما نادمان على الحملة الهستيرية ضد الحزب الشيوعي ، الذي هو حزب ثوري حقيقي واشتراكي حقيقي من وجهة نظر جديدة نادى بها بعضهم ..!

ساد نقاش واسع بين السجناء حول هذه الاخبار .

منهم من قال أن القسمين دجالان ، ومنهم من وصف الاعتراف البعثي بذنوبه وجرائمه بانه شكل من اشكال مراجعة الضمير ..

بعد فترة علمنا أن القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ـ من القسم اليساري ـ أصدر في كانون الثاني 1964 كراساً صغيراً بعنوان " مذكرة الى الجهاز الحزبي حول أزمة " الحزب " أي حزب البعث العربي الأشتراكي ، ورد فيه ما يلي عن الحزب الشيوعي العراقي:

(( ان الحزب الشيوعي العراقي هو من الحركات السياسية التي تعبر بتركيبها وتفكيرها عن مصالح القوى والطبقات الاجتماعية والجماهير الكادحة .

وقد كان ينبغي على الحزب ـ أي حزب البعث العربي الأشتراكي ـ ان يحدد الموقف منه ـ أي من الحزب الشيوعي ـ إنطلاقاً من نظرته الاشتراكية ومنطلقاته كحزب ثوري لجماهير الكادحين . فالحزب الشيوعي رغم مواقفه الخاطئة ومواجهته لثورة الثامن من شباط بمقاومة مسلحة ألاّ أن ذلك بالاضافة للمقاومة لم يكن ليبرر استمرار الحملة بشكل صليبي هستيري ضده في الوقت الذي تركت فيه الرجعية بمختلف فصائلها داخل اجهزة الدولة تندس في صفوف الثورة .

إن هذا الموقف كان بدون شك نتيجة دفع وتخطيط من عناصر اليمين في الحزب ـ حزب البعث ـ وخارجه ، تلك العناصر التي استغلت موقف الشيوعيين من الثورة وحرص جماهير الحزب على حمايتها لأيمانها بأن الثورة تعبر عن أماني وتطلعات الجماهير الكادحة .

لقد عملت تلك العناصر على استخدام الحزب ـ حزب البعث ـ كأداة فقط تتحول لمعاداته بعد أن تتم لها تصفية بقية القوى ، وقد أكدت مؤامرة 18 تشرين وما بعدها هذه الحقيقة حيث تتربع الآن على كراسي الحكم وتمعن في معاداة الحزب والجماهير الشعبية بعد ان فشلت في تحويل الحزب نهائياً الى أداة طيعة بيدها يخدم أغراضها ومصالحها.

إن الموقف الثوري السليم يفترض على الحزب ـ حزب البعث ـ أن يعتبر البورجوازية والاقطاع والرجعية وفصائلها هي العدو الأول الذي يجب أن تتركز الحملة عليه. )).

جميع الكلمات الواردة بين داشين ، في هذا البيان ، هي من عندي.

لم يكن هذا البيان الهش الركيك قادراً على أقناع أي سجين بصدق النوايا البعثية. خاصة بعد قدوم الكثير من الشيوعيين الى النقرة من مواقف ومعتقلات مختلفة في انحاء العراق إضافة الى الخارجين من قصر النهاية. جميعهم يتحدثون عن فنون التعذيب التي مورست ضدهم بهدف انتزاع الاعترافات لتهديم كيان الحزب الشيوعي والقضاء على تنظيماته كافة . يضاف الى هذا ، تداول القصص والروايات عن اشكال التعذيب التي مورست ضد قادة الحزب الشيوعي وكوادره من الذين استشهدوا أثناء تلك الممارسات وهي تفوق أي تصور أو خيال .

بالنسبة لنا ، نحن السجناء ، لم يكن في ما نقرأه شيئاً جديداً . فنحن ضحايا هــذا الحـرس ( الأوائل ) . أنا شخصياً أحطتُ إحاطة تامة بكل أنواع الجرائم التي أرتكبها أفراد الحرس القومي في لواء البصرة . أحفظها في صدري شاهداً عليها ، على الأقل أستطيع تحويل تلك الصور الى كتابات مقبولة من القراء ، في المستقبل ، على شكل مرويات قصصية تتضمن الوجود المر لهذه الفئة على دست الحكم في العراق لفترة قصيرة جداً، مما يجعل الصور المنقولة لنا في الماضي عن ما فعلته عناصر الحرس النازي الذي اطلقت يده من قبل ادولف هتلر لتمارس اختصاصات القتل والاعدام والتعذيب ضد المناضلين بوجه النازية شبيهة تماماً لتلك الصور التي اقترنت بأسم وكاميرا جرائم الحرس القومي العراقي.

في صبيحة التاسع عشر من آذار 1963 أغارت مجموعة من عناصر الحرس القومي على دارنا المستأجرة من قبل الحزب لتكون مقراً لمكتب اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في البصرة . كانت الساعة الخامسة فجراً. لم يطرق الباب أحد إلاً أنني شعرتُ بحركة تطويق غير طبيعية قرب الباب الرئيسي وحول الشباكين المطلين على الزقاق . حركة سريعة وهادئة كتحرك اللصوص.

كان معي في البيت زوجتي ( سميرة محمود ) التي ايقظتها في الحال مشيراً إليها الصعود الى سطح الدار والانتقال منه الى سطح الجيران والهرب ، بينما ذهبتُ الى غرفة عبد الحسين الشهباز فأيقظته باحثاً عن رسالة حزبية صغيرة كتبتها قبل ساعات ملفوفة مثل كبسولة الدواء كان مقرراً أن يسلمها ، عصر الغد ، عبد الحسين لمسئول إحدى المنظمات . بلعتُ الرسالة في اللحظة التي كان أفراد الحرس قد كسروا باب البيت هاجمين الى داخله وأنا مهم في صعود السلم . ألقي القبض عليً وهمّوا بمحاولة إخراج الرسالة من فمي لكن أوان ذلك قد فات إذ أحسست بأنها أستقرت مشكورة في معدتي.

قبضواعلى عبد الحسين بينما لاحظتُ انسلال شقيقته ماجدة الشهباز من بين صفوفهم الى خارج الدار دون انتباه منهم.

أصبحوا مسيطرين على باحة البيت مشهرين بنادقهم الرشاشة ( بورسعيد ) نحو صدري وصدر عبد الحسين بينما صعد أثنان منهم الى السطح فزاد قلقي على سميرة لكنهما عادا خائبين سريعاً ثم فتشوا البيت سريعاً . لم يجدوا غير أربعة كتب في الشعر العربي موجودة في غرفة عبد الحسين ورقعة شطرنج وطاولي خشبي أخذوها مع الكتب وتركوا أحجار الشطرنج التي توجد في داخل قلعتين من قلاعها الأربعة رسالتين حزبيتين مخبوءتين بدقة رغم عدم أهميتهما.أما الأوراق الحزبية الأخرى فكانت مخبوءة في مكان لا يتصوره أحد ، داخل ماكنة المروحة المنضدية الموضوعة في زاوية غرفة الأستقبال.

صعدنا الى سيارة بحجم كبير . فوجئت أن فيها عبد الحسين خليفة في المقعد الخلفي وأجلسوني في مقعد أمامه ( الحوض الوسطي ) بينما اجلسوا عبد الحسين الشهباز في مقعد يقابلني ويقابل عبد الحسين خليفة الذي كانت آثار التعذيب قد شوهت وجهه.

على أرضية الحوض الوسطي كان شيء ما مغطى ببطانية عسكرية . صعد حارس مسلح بجانب السائق بينما صعد الآخرون في سيارة ثانية تتبعنا . قبل ان تتحرك السيارة همس عبد الحسين خليفة بأذني : امامك جثة عباس نعمة.

كرر قوله ثانية : أنها جثة عباس نعمة .

عرفتُ ان السيارة قادمة من لواء العمارة لأن عباس نعمة الحداد كان مسئولاً عن تنظيم لواء العمارة لمنظمة الحزب الشيوعي ، وكان خليفة قد ذهب قبل يومين للأشراف على التنظيم هناك بأعتباره عضواً في مكتب المنطقة الجنوبية.

الهمسة كانت أول صدمة كبيرة كبداية لفصل خطير من فصول محاربة الشيوعية في البصرة والمنطقة الجنوبية. وفصلاً من فصول العنف الدموي الذي لم تشهد له بلدنا مثيلاً من قبل .

ياللغرابة ..

قبل بضاعة ساعات فقط ، أي في الساعة الواحدة صباحاً كنتُ أقرأ تقريراً عن الوضع الأرهابي في لواء العمارة كان قد أرسله عباس نعمة الحداد نفسه يُعلم مكتب المنطقة الجنوبية أن مجيئه من العمارة سيتأخر لمدة أسبوع واحد لأستكمال بعض الامور التنظيمية قبل انتقاله الى البصرة . كان يشكو في تقريره أنه متضايق من الحركة في مدينته المعروف وجهه فيها جيداً من قبل أصدقاء الحزب وأعدائه. وقد وردت في التقرير " أن الحرس القومي أستباح العمارة بصورة همجية " . وقد وافق مكتب المنطقة على نقله الى البصرة مع إبقائه مسئولاً عن اللجنة المحلية لتنظيم الحزب الشيوعي في العمارة.

بدلاً من مجيئه حياً ، جاءتنا روحه المغدورة في حوض هذه السيارة .

نقلنا بسرعة الى مقر الحرس القومي الذي أحتل بناية جمعية الأقتصاديين العراقيين فرع البصرة المطل على نهر الخورة ، وهو النهر المقترن بفرح البصريين ومتعتهم ومسراتهم ففيه تجري أحتفالات عيد نوروز في كل عام ، وعلى شواطي النهر يجتمع المحبون والعاشقون تحت ظلال النخيل الوارفة التي ليس لجمالها جمال مماثل في أية بقعة بصراوية أخرى.وكثيرا ما شهد النهر الأحتفالات الجماهيرية بعد قيام ثورة 14 تموز.

هذا المبنى أعرفه بقعة بقعة وغرفة غرفة فعندي عنه ذكريات عزيزة وحميمة وفيه حققتُ ذات يوم ، نصراً " بوليسياً " على طريقة الأفلام الأمريكية لأفشـال مخططـات الشعبة الخاصـة ( الأمن ) للأيقاع بكادرين من كوادر اللجنة المحلية في البصرة ، هما عبد الوهاب طاهر وعبد الهادي أبراهيم.

وضعونا في نفس القاعة التي لي فيها ذكريات خاصة تدافعت إلى ذهني في لحظات.

ذات يوم من أيام عام 1960. أعتقل عبد الوهاب طاهر وعبد الهادي أبراهيم من قبل (الأمن) جرى التحقيق معهما في مبنى المتصرفية بحضور مدير الأمن والمتصرف اللواء الركن عبد الرزاق عبد الوهاب ( صديق شخصي لعبد الكريم قاسم ) ثم نقلا الى سجن البصرة وصدر أمر بمنع مواجهتهما حتى من أهلهما.

خرقنا هذا الطوق بواسطة أحد الرفاق الذي كان يعمل محاسباً في السجن . كان صديقاً لي في نفس الوقت . فدبر لي مواجهة في غرفته وفق حيلة اصطنعها لمقابلتي لعبد الوهاب طاهر . خلال دقائق أخبرني عبد الوهاب أنهما متهمان بتدبير محاولة لنسف مصفى النفط في الكويت وأنهما زودا المدعو قاسم حسين بالمتفجرات وكلفاه بالمهمة لكنه بدلاً من تنفيذها توجه الى الأمن مقدماً لهما المتفجرات والأعترافات . أعطاني عبد الوهاب الوصف الكامل لقاسم حسين.

غادرتُ السجن محاولاً أستذكار أسماء رفاق الحزب فما وجدتُ في ذاكرتي مكاناً لشخص باسم قاسم حسين .

لكنني تذكرتُ جيداً أن أسم صباغ القنادر في مقهى التجار بالعشار اسمه قاسم حسين برويزي . أصبغ حذائي يومياً أو بين يوم وآخر في هذا المقهى . لم تنطبق الأوصاف التي ذكرها عبد الوهاب طاهر عليه فقد ذكر لي أنه طويل القامة بينما الصباغ قصيرها وأن عمره حوالي العشرين بينما الصباغ كان يقترب من الثلاثين . الوصف الوحيد المنطبق بين قاسم وصباغ الأحذية وجود أثر جرح من أسفل عينه اليسرى حتى فكه.

ربما أصبح صباغ الاحذية البسيط اداة من أدوات ( الأمن ) ..!

بلغت اللجنة المحلية بالأمر ، وإذا بموعد لي مع حمزة سلمان في بيتي ظهراً .

كان الموعد في وقت الغذاء وعندما علمت والدتي أن حمزة سلمان سيكون ضيفنا أصرت أن تكون المائدة حافلة بسمك الصبور( السبور ) المشوي الذي يكرهه حمزة سلمان ، على السماع ، من دون أن يتذوقه وكثيراً ما دخلتْ والدتي معه في نقاشات حول أهمية الصبور وطعمه المتميز اللذيذ رغم شوكه الكثير .

أقترح لي حمزة سلمان خطة العمل مع الصباغ . علينا أن نكتشف حقيقته وإن لم يكن هو ، نبحث بعد ذاك عن قاسم المقصود.

لأول مرة يتلذذ حمزة سلمان أكلة الصبور . ترك مرقة الباميا متعلماً من والدتي كيفية فصل " أشواك " السمكة عن " لحمها " ومنذ ذاك اليوم صار يحب في البصرة ، كما يقول ، اهلها وصبورها وتمرها.

حملتُ معي كلوص جكاير روثمان ، يهوى قاسم الصباغ تدخينه لكن أمكانياته المادية لا تسمح له. جلست أمامه ليصبغ حذائي كالعادة . سلمته الكلوص أولاً كخطوة أولى في تنفيذ المخطط ، ثم أدعيتُ أنني رأيته في المتصرفية مرتين في ليلتين متتاليتين ، وأدعيتُ بأنني شاهدته بنفس الوقت الذي ذكره لي عبد الوهاب طاهر عندما قابله في تمثيلية ( التشخيص ) في غرفة الأمن بالمتصرفية.

أحمرّ وجه قاسم وغمرته الصفرة . نظر إلى وجهي مستغرباً. ثم كزّ على شفتيه طالباً مني السكوت.

وقع كلامي على رأسه كالفأس.

إذاً نجحت الخطوة الأولى فقاسم الصباغ هو المخبر عن عبد الوهاب وعبد الهادي ابراهيم.

ألححتُ عليه أن يخبرني بالأمر . تردد.. واصلتُ ألحاحي عليه بضرورة إخباري بمشكلته فأنا قادر على حلها له مهما كانت . وافق على لقائي مساءً في أي مكان أختاره .

أخترتُ بيت المهندس هادي عبد الامير الهاشمي عضو لجنة تنظيم المثقفين . كان بيتـــه " قصراً " من قصور منطقة العزيزية. والده من أثرياء البصرة ففرح قاسم لمجرد سماعه كلمتي باننا سندخل الليلة بيت الهاشمي في ضيافة أبنه على مائدة تتصدرها قناني البيرة والويسكي وتعقبها صحون الدجاج والتمن .

رتب هادي الهاشمي مسجلاً من النوع الممتاز مخبوءاً في مكان غير منظور على بعد ثلاثة أمتار من مكان جلوسنا بينما كانت اللاقطة قادرة على ألتقاط الكلام عن بعد خمسة وعشرين متراً حسب كاتالوك المسجل نفسه.

كانت خطتنا تقوم على ضرورة تحقيق الكلام قبل السكر ، أي ضرورة أن يتكلم قاسم الصباغ مدليا بمعلوماته قبل أن يسكر ، حتى تحتفظ الجلسة بقانونيتها.

أشترط قاسم حسين أن يكون صريحاً يكشف كل شيء مقلبل شيئين :

ـ أن أقوم بترتيب تهريبه الى إيران عن طريق عبادان للألتحاق بعائلته فهو أيراني مقيم في البصرة وكان والده وعائلته قد هربا الى إيران قبل بضعة أشهر بينما أعتقل هو من قبل الأنضباط العسكري بتهمة التخلف عن الخدمة العسكرية في نقطة سيطرة قرب السيبة محاولاً عبور شط العرب الى خرمشهر. توسطتُ له عند آمر الأنضباط العسكري في مركز شرطة العشار الملازم إبراهيم فيلي في حينه وأطلقتُ سراحه.

ـ أن تكون الجلسة بعيدة عن معرفة (الأمن ) لأنهم كانوا قد هددوه بعدم نقل أخبار ( المؤامرة) الى أي إنسان آخر.ولا مانع لديه من كشف كل شيء حتى بنشرها في ( الجرايد ) ، كما قال ، بعد تأمين سفره الى إيران.

فتعهدتُ بذلك بعد أن طلب مني أن أقسم على تحقيق طلبه بشرفي وشرف الشيوعية ..

وأقسمتُ.

كشف كل خيوط ( المؤامرة ) ..

أولها وآخرها وحائكها كان عبد العزيز بركات ( صاحب جريدة المنار ) الوثيق الصلة بالكويت ( يذهب اليها ويأتي باستمرار وله صلات واسعة مع شيوخها) عاونه في ذلك شقيقه رجب بركات رئيس بلدية البصرة.

أولها تخريب العلاقة بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي.

وآخرها تخريب العلاقة بين الكويت وعبد الكريم قاسم.

ثاني خطوة كبيرة وضعها حمزة سلمان هي توجيه دعوة عشاء في نادي جمعية الأقتصاديين ، أي في هذا المكان الذي سيطر عليه الحرس القومي ، لعدد من المحامين والقضاة من مختلف الاتجاهات السياسية ولبعض وجوه البصرة ومثقفيها ورجال القنون فيها . حضر ما يقرب من عشرين شخصاً في الساعة السابعة ، بينما حضرتُ في السابعة والنصف ومعي قاسم حسين صباغ الأحذية الذي لم يكن يحلم بالبدلة التي أشتريتها له وبالرباط الأخضر الذي أختاره على ذوقه .

حالما دخلنا نهض الجميع لأستقبالنا ، مرحبين بنا وبقاسم بشكل خاص .

كل واحد يصافحه يقدم له اسمه إضافة لوظيفته.

هذا حلم آخر لم يتوقعه .

مشت الخطة كما أردناها . أعترف قاسم حسين بكل ما دار بينه وبين بركات ، الأول والثاني ، وبينه وبين مدير الشعبة الخاصة (الأمن) كان المسجل يشتغل بانتظام في هذه الجلسة أيضاً لتوثيق كل قول حسبما أراد منظما الجلسة : القاضي الشيوعي حميد الحكيم والقاضي المستقل حسين ميرزا .

في اليوم الثاني نقل الشريط الأول الى لجنة التنظيم المركزية للحزب الشيوعي مع مراسل خاص الى بغداد .بينما نقل الشريط الثاني الى الاستخبارت العسكرية بواسطة المقدم الشيوعي عربي فرحان مدير استخبارات البصرة ومنها الى عبد الكريم قاسم الذي قارنه مع الشريط الأول الواصل إليه من قيادة الحزب.

بعد ثلاثة أيام كان عبد الوهاب طاهر وعبد الهادي إبراهيم طليقين بينما أصطحبتُ بنفسي قاسم حسين الى خرمشهر بصحبة رفيقنا مسئول خلية السيبة قضينا فيها ليلة جميلة .

مرت هذه الذكريات سريعاً وأنا في هذا المكان الذي صار تعيساً في نظري بمجرد دخولي فيه معتقلاً أنتظر الموت المؤكد ، بينما كان أفراد الحرس القومي يواصلون واحداً بعد آخر تصفح وجوهنا ..

اليوم تغير الموقف في نفس هذا المكان . انا معتقل من قبل مجموعة من الناس متحولة الى وحوش . تصوراتي السابقة عن هذا المكان النادي تحولت الان تجاه اساليب هؤلاء الذين يحملون غدارات بورسعيد ليغدروا بارواح الشيوعيين المعتقلين . هنا صار يظهر في كل لحظة تكنيك جديد في التعذيب ورغبات في فعاليات إلحاق الاذى بالاجساد البشرية . هنا تنقلب على رؤوس جميع المعتقلين كل انواع التسلط والقمع .

في ذاكرتي خلال تلك الشهور التسعة التي قضيتها محبوسا ومعذبا في زنزانات مقر الحرس القومي كثير من القصص علي الان بعد ان اصبحت " حراً " في نقرة السلمان ان ارسم صور إطاراتها للقراء كي يتعرفوا على ما فعله الحراس القوميون في البصرة لشخص اسمه جاسم المطير أو لبضعة اشخاص آخرين شاهدهم او سمعهم يتعذبون . حدث الانقلاب في 8 شباط عام 1963 وبدأ وحوش الحرس القومي بتفتيش بيتنا الذي يسكنه والداي فقط في 23شباط وفي 1 آذار وفي 9 آذار على التوالي . اعتقلوا والدتي نهاراً كاملاً يوم 9 آذار ثم أطلقوا سراحها .. فتشوا دار عائلة زوجتي سميرة محمود بحثاً عنها وعني وعن شاكر محمود .. كان جميع من يعرفني من البعثيين والحرس القومي ، وهم كثيرون ، يريدون أن يرووا عطشهم مني لكثرة ما تردد أسمي أمامهم من قبل بعض المعتقلين المعترفين . تكررت أمامهم المعلومات والتقارير عن كوني مسؤول اللجنة المحلية في الحزب الشيوعي بالبصرة وعن كوني عضواً في مكتب لجنة المنطقة الجنوبية و عن حركتي وتنقلاتي خلال الشهر الأول من الانقلاب.. مرة يجيئهم اعتراف من عامل ميناء بأنني كنتُ مجتمعاً بالعمال ومرة من طالب في اجتماع طلابي بالبصرة ومن معلم في العشار ومن فلاح في القرنة ومن معلم في السيبة أو الفاو أو الزبير فصاروا يكمنون لي الكمائن بعد " مغادرتي " لتلك المناطق التي كنتُ أزورها فأخرج سالماً منها وقد نجوتً بسهولة من كمائن عديدة ..

من 13 شباط حتى 19/3/1963 يتلفتون في كل الوجوه بأعين ملؤها الترقب والحذر . قضيتُ عدة أيام مختبئاً في دار شخصية قومية معروفة بنزاهتها ( فيصل حمود ) صاحب مكتبة الفكر العربي وهي اقدم مكتبة في البصرة وله صلات متينة مع المتصرف ومدير الأمن ومدير الشرطة ومع البعثيين .

يساعدني في تنقلاتي من مكان الى آخر في كثير من الأيام عندما استنجد به وكان الرفيق أبو داود ( سلمان محمد النجار ) قد خصص سيارته البيكاب لتنقلاتي ليلاً ونهاراً ، داخل البصرة وخارجها .. كنتُ أحتفظ لنفسي بأصفى أغاني الصبر والحذر رغم أنني واثق ان الخوف سيزول سريعاً وأن عتمة الحرس القومي ستنتهي أسرع من البرق المنتظر حدوثه في أية لحظة .

الأصدقاء مثلما الأهل يخشون عليّ إذا ما وقعتُ بأيديهم . ازدهرت تلك الأيام باقتراحات كثيرة تقدم إليّ للفرار الى خارج العراق ( عبادان أو الكويت ) . حتى أصدر صالح دكلة أمره لي بمغادرة البصرة إلى بغداد أو الكويت فقد كان كل الذباب المتوحش يبحث عني كما كتب لي برسالته ذات مرة .استولت الليلة الحرة الأخيرة على جفوني .قضينا ليلة كاملة أنا وعبد الحسين الشهباز ( عضو اللجنة المحلية ) لتصفية الكثير من الأوراق والتقارير الحزبية ذات الخطورة.

كنا نعاني في تلك الليلة كما في قبلها السأم والاضطراب والخوف نتوقع الخطر فــي كل لــحظة . فما ان نسمع صوتا في الزقاق إلاّ وتثقل قلوبنا جميعا بشيء من صمت الحذر . نفس الحالة أراها الأن أمامي في هذه اللحظة حيث يسيطر الصمت التام . فقد تحول هذا النادي الى مَجلد . الى حاكم بالعنف والتعذيب يدور حول الجميع بالسياط لكي تنزف أجساد ضحايا ولكي تنوح قلوب.

هذا مكان موحش عقيم . يحس الجلادون فيه بالعظمة وهم صغار . ويحس المجلودون فيه بالانكسار وهم كبار .

العظمة والانكسار وجها لوجه . أيهما ينتصر ..؟

أدخلونا إلى القاعة الرئيسية في نادي جمعية الاقتصاديين العراقيين، المقر الرسمي للحرس القومي في لواء البصرة أخرج عبد الحسين الشهباز من القاعة إلى مكان آخر بينما لم ينزل معنا عبد الحسين خليفة الى المكان نفسه ، ولم أعرف المكان الذي اقتيدا إليه.

بعد قليل ( ربما بعد نصف ساعة ) جاءوا بصالح دكلة ـ مسئول مكتب المنطقة الجنوبية ـ وبزوجته وطفلتهما .أجلسوا صالح على كرسي بجانب الشباك المطل على الحديقة بينما أجلسوا زوجته إنعام العبايجي على الأرض . لم أكن قد التقيت بها من قبل لكن كريم فرج كان قد حدثني ، قبل الانقلاب ، عنها وعن شخصيتها التي كثيراً ما أظهر أعجابه بها . نظرتُ الى وجهها . كان نضراً ، جميلاً ، أليماً ، فيه صلابة وتحد ٍ. المرأة الوحيدة في هذا المَجلد تنظر اليهم بشراسة وتوتر . تغمغم بكلمات لم اسمعها . لقد محت تلك اللحظات ليس الكلام من شفتي فقط بل محت سمع أذنيّ أيضاً كأن فيهما وقر.

قلتُ في نفسي : ساعدك الله يا إنعام وأنت تحملين وقر طفلتك.

فجأة اهتزت القاعة بانطلاق رشاشة بور سعيد داخل القاعة متجهة رصاصات نحو صالح دكلة . أصابته عدة شظايا ورصاصات أطلقها شاب من الحرس القومي نقلوا صالح ، بعد حدوث هرج ومرج من جميع الحرس الموجودين في المقر ، الى خارج القاعة بسرعة عرفت فيما بعد أنهم نقلوه الى المستشفى .

ثم سمعتُ مكالمة هاتفية من غرفة الآمر مع بغداد (المقر العام للحرس القومي) تبلغهم باعتقال لجنة المنطقة الجنوبية وذكر أسم صالح دكلة وبعده أسم جاسم المطير. وخلال بضع ساعات وصلت طائرة خاصة من بغداد على متنها أحمد العزاوي ، وصباح المدني، وجاء أبو طالب عبد المطلب الهاشمي الذي كان موجوداً في مدينة العمارة بسيارة مسلحة, وجميعهم من القيادة العامة للحرس القومي، ومنذ اللحظة الأولى من وصولهم بدءوا مع المعتقلين تحقيقاً بأساليب بشعة.

تألمتُ كثيراً في تلك اللحظة فها نحن ثلاثة من أعضاء المكتب قد تم اعتقالنا . لم يبق طليقاً غير واحد هو محمد حسن مبارك . كم تمنيتُ أن يفلت من قبضتهم . كان شاطراً في التخفي وكان حذراً جداً منذ أول يوم الانقلاب ، فقد كنتُ قد التقيته طالباً مني الانتقال الى دار جديدة خلال أسبوع واحد . كان يتوقع خطرا على بيتنا الحالي وفعلا وقع الخطر بعد سبعة أيام من تحذيره .

كان عدد غير قليل من الحرس الواقفين حولنا من معارفي . الكبار منهم أصدقاء لي سابقون . وكان فتـَيان عرفتُ من أسميهما أنهما ابنان لصديقين من أصدقائي المعلمين غير البعثيين .أنا أتطلع لوجوههم بألم وهم يتطلعون إليّ بألم.

استفسرت من أحد الفتيين كان واقفاً بقربي عن آمر الحرس القومي في لواء البصرة ( فتحي حسين ) الذي هو مسئول البعثيين في اللواء. إن كان موجودا أم لا.. فأجابني هامسا انه موجود.

كان فتحي حسين صديقاً لي قبل أن يصبح بعثياً عام 1952 أيام أنتفاضة تشرين ، أزوده دائماً بمنشوراتنا الحزبية وكان يوقع على عرائضنا بحماس. بين عائلتي وعائلته علاقات طيبة فنحن أبناء محلة واحدة في ذلك الحين ، محلة االعشار ، التي يطلق عليها ، الناس والشرطة ، لقب (موسكو) لكثرة الشيوعيين فيها ولأن الرفيق فهد كان أحد ساكنيها في دار شقيقه فرج في إحدى فترات حياته. كانت دار فرج سلمان مجاورة لدار سكنانا ذات يوم بصورة مشتركة أنا ومحمد سعيد الصكار . كنتُ أفاخر دائماً بهذا السكن فمنه تأتيني قوة معنوية معينة.

بسط جواب الحارس الشاب شيئا من الراحة في نفسي . فتحي حسين هو الآمر الناهي في هذا المكان وفي كل مكان من اللواء كله.

أبسط أمر من أوامره يمنع تعذيبي .

أخذ قادة الحرس القومي وقادةلتنظيم حزب البعث بالبصرة يطلون علينا واحدا واحدا متفحصين وجوه الغنيمة الجديدة من الشيوعيين. دخل علينا شخص نادوه باسم ( أستاذ زهاء ) وكان وجهه متوحشا . ثم دخل علينا شخص برتبة ملازم أول اسمه نصار السعدون نائب آمر الحرس القومي لكن وجهه كان هادئا .

ثم صدر أمر بنقلي الى غرفة صغيرة ملحقة بالمطبخ ، ربما هي إحدى مخازن المطبخ. غرفة مساحتها متر بمترين . شاهدتُ في ارضها رطوبة كما شاهدتُ في زاويتين من زواياها آثار دماء وشعر آدمي.مرت دقائق جاءني بعدها علي حسين الطهراني ( صاحب محل أحذية في شارع الصيادلة بالعشار) وهو شقيق فتحي حسين آمر الحرس القومي بالبصرة . كان محله عنواناً " محطة " لإيصال منشورات حزب البعث العربي الاشتراكي القادمة من بغداد الى تنظيماتهم في البصرة . في أواخر عام 1959 ألقي القبض على المراسل البعثي القادم من بغداد الذي سرعان ما أعترف بمهمته وبالعنوان الذاهب إليه فاعتقلوا أثر ذلك علي حسين الطهراني . وقد سعيتُ كثيراً من أجل إطلاق سراحه فتم ذلك بعد أسبوعين من اعتقاله وقد شكرني هو وجميع أفراد عائلته بمن فيهم فتحي حسين لأنهم لم يكونوا يتوقعون عودة أبنهم إليهم ..

أول كلمة قلتها لعلي حسين :

ـ هل تتذكرني يا علي ..؟

ـ نعم . بالتأكيد..

ـ هل تتذكر كيف أنقذتك من أزمة اعتقالك عام 1959 يا علي..؟

ـ نعم ..

ـ هل تتذكر الجهود المتواصلة الحثيثة التي بذلتها مع صديقي معاون مدير الاستخبارات العسكرية المقدم عريبي فرحان لضمان إطلاق سراحك وضمان عدم المساس بكرامتك أو تعذيبك خلال فترة التحقيق ..؟

ـ نعم أتذكر كل شيء.

كان يجيب على أسئلتي بنوع من الذل الذي يشعر به الآن . تحاشى النظر الى وجهي .

وذكـّرته أيضاً كيف سافرتُ الى بغداد لرفع " الحيف " عن شقيقه فتحي بعد ان استنجد بي لحل مشاكله مع اتحاد الطلبة العام في كلية الإدارة والاقتصاد حيث صلافته أدت به الى الهروب من الكلية الى البصرة بعد حوادث الموصل في أعقاب مؤامرة الشواف وكان في السنة الأخيرة من الكلية. بينما عائلته ترتب له أمر الهرب الى إيران. في حينه ، وعلى عجل ، اصطحبت فتحي معي الى مقر اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية التي كنتُ عضواً فيها . تفهم الرفاق قضيته مقررين منحه فرصة العودة الى الكلية وحل مشاكله مع إدارتها ومع لجنتها الطلابية ، وبالفعل كلف هاشم الطعان بحل مشكلته وعاد الى الدوام بحرية وأكمل مرحلة تخرجه بعدها ..‍

قال علي :

ـ نعم أتذكر كل ذلك. لا ننسى فضلك علينا ولا ننسى فضل الحزب الشيوعي ..ولا ننسى فضل اتحاد الطلبة العام . ولا ننسى فضل عربي فرحان صدقني يا جاسم أنا لا أكره الشيوعية ولا أكرهك .

قلتُ له : إذاً عليك الآن وعلى فتحي واجب الوقوف الى جانبي وعدم تعذيبي أو ممارسة أي ضغط بل المبادرة فوراً الى إطلاق سراحي وسراح الآخرين من رفاقي رداً للجميل .. وعار عليكم أن تعتقلوا امرأة وطفلتها الرضيعة . إن كنتَ شريفاً يا علي إطلق سراحها فوراً.

أكد لي أنهم سيطلقون سراحها بعد قليل وأن أحداً لن يمسني بسوء على الإطلاق قائلاً:

ـ أقسم بشرفي أنني أصدرتُ قبل قليل أمراً الى جميع منتسبي الحرس القومي بعدم الإساءة إليك لحين عودة فتحي من بغداد الذي سيأمر بإطلاق سراحك حتماً .

شكرته موقناً أن ادعاءاته أمامي كانت صادقة .

بعد دقيقتين فقط سمعتُ صوت فتحي حسين يتحدث تلفونياً مع بغداد . كان صوته يصلني قوياً واضحاً من ممر الحديقة عبر شباك غرفته المجاورة للمكان الذي أنا فيه .

صوته يعلو ويعلو ويتكرر مع محدثه في بغداد :

ـ تعالوا سريعاً .. ألقينا القبض على اللجنة المحلية . ألقينا القبض على اللجنة المنطقية . كل الشيوعيين الخطرين تحت قبضتنا . أيادينا قبضت على صالح دكلة مسئول المنطقة وعلى جاسم المطير مسئول البصرة. تعالوا سريعاً..

في الحال عرفتُ أن علي حسين كان كاذباً عندما ادعى ان فتحي في بغداد. بالتالي فأن وعوده الأخرى كاذبة أيضاً..

دخل الى الغرفة زهاء حسين الذي كان صيته قد ذاع في البصرة بأنه " زهاء الجلاد " ومعه عدد من حاملي السياط والصوندات . وظيفته في الحرس القومي ( رئيس اللجنة التحقيقية ) بيده صوندة بطول متر في نهايتها حديدة .انهالوا عليّ جميعاً ضرباً ورفساً .

تنهال السياط على كل مكان من رأسي وجسدي ورجليّ.

لم أر أي ضوء ولا أية كوة مفتوحة . العذاب هو الشيء المؤذّن في الغرفة .

نزفت الكثير من الدم من أنفي ومن فمي وصارت في جسدي كسور وجروح .

كسر في عظم الكتف الأيسر ونزيف مستمر مع بول مدمي مستمر . لم أشعر بعدها بشيء رغم أنهم استمروا في تعذيبي كما علمتُ بعد ذلك .

بعد ساعات من المكالمة التلفونية لا أعرف عددها حضر الوفد القادم من القيادة العامة للحرس القومي ، من بغداد على متن طائرة خاصة .

الوفد من ثلاثة أشخاص ، صباح المدني و أحــمد العزاوي ( أبو الجبن ) ، وأبو طالب عبــد المطلب الهاشمي .وبعدهم جاء عطا محي الدين .

أبو طالب الهاشمي كان في العمارة وجاء بسيارة خاصة بعد مكالمة تلفونية من علي حسين . يحتمل أنه هو الذي عذب عبد الحسين خليفة وعباس نعمة الحداد في اليومين الماضيين (في العمارة ). لم يستمتعوا بأية فترة استراحة . فبعد دقائق من وصولهم دخل الى الغرفة أحمد العزاوي .

كنت ممدداً على الأرض عارياً . حتى الملابس الداخلية كانــوا قد انتزعوها من جسدي المتورم .

بيد العزاوي لفة يمضغ فيها وهو يشتم الشيوعية ويشتم عرضي بلسان سرسري بذيء .

بيده الأخرى قدح من الشاي .

رفسني بقدمه ثم رمى الشاي على جسمي . لم يكن الشاي ساخناً.

هددني بالقول : سأعود إليك حال انتهائي من آكل الكباب الطيب . إن لم تعترف سأمزق جسدك كله و أرميك كباباً للكلاب كما رمينا جسد عباس نعمة..

غادر باب الغرفة ومن خلفه مجموعة من حرس البصرة دخل بعده مباشرة ( صباح المدني ) مبتدأ بضربة قوية بقدمه اليمنى أصابتني في صدري وهو يقــول : أول الغيث قطر وسوف ينهمر المطر .

ربطوني بأمر منه ، واقفاً ، بحبل شد الى شباك الغرفة .

أنهمر التعذيب فعلاً بأشكال همجية متنوعة حتى أغمي عليّ بعد وقت لم أعرف مداه.

ذات يوم لم أفق إلاّ وأنا في غرفة الطوارئ بالمستشفى الجمهوري بأمر مباشر من فتحي حسين كما قال الحراس الذين اصطحبوني إليها .

نظرتُ إلى وجه الطبيب أولاً ومن ثم الى وجه الممرضة .أمعنتُ النظر الى وجهها جيداً فتأكدتُ أنني أعرف هذا الوجه الجميل ذي الشامتيْن الكبيرتين .

همَستْ في أذني :

ـ نعم أنا الرفيقة سليمة . سيأمر الطبيب بإبقائك في المستشفى بناء على طلبي وإلحاحي سأساعدك على الهرب إن بقيت..

هي التي عرفتني .

كانت عضو في خلية شيوعية تنظمها عايدة ياسين . زرت الخلية مشرفاً في يوم ما من قبل . لم يبق في ذاكرتي عنها غير شامتيها الكبيرتين .

في الغرفة الثانية كان الطبيب يتحدث تلفونياً بحضور الحارسين مع فتحي حسين بعد أن رفضا بقائي في المستشفى حاول الطبيب اقناع فتحي لكنه أصر على عودتي.

في طريق العودة عرفتُ أن الليل في منتصفه . الشوارع والطرقات خالية تماماً من الناس والسيارات.

أعادوني الى نفس المكان الذي تحولت كل غرفه الى مسالخ. كنتُ بحالة من الوعي اسمع بوضوح كل ما كان يصلني من صراخ المعذبين ومن أوامر الحرس .

في غرفة قريبة كان يجري (حوار) مهذب ومؤدب عن الشيوعية والاشتراكية بين أبو طالب الهاشمي وبين امرأة كنتُ أسمعها تدافع عن الشيوعية وعن سياسة الحزب الشيوعي .أظن أنها انعام العبايجي.

يخرج ابو طالب ليأتي غيره شاتماً المرأة الصلبة نفسها التي تحتج وتتجاسر عليهم بلسان طويل لا يصلح لغير القطع .كما كانوا يصفونها.

ثم سمعتُ صوت صباح المدني يسبها ويشتمها ويهددها بقطع لسانها .

خلعوا عني الملابس ورموني في ارض الغرفة مرة ثانية .

صبرتُ عشرة أيام في نفس المكان بلا أكل ولا شرب . ضرب متقطع أو متواصل ، ونوم متقطع أو متواصل ، وغيبوبة متقطعة أو متواصلة . لم أعد أعرف ماذا يجري في الغرف الأخرى .

في اليوم الحادي عشر أظهر فتحي حسين نفسه أمامي ليمثل دوره بأنه مستغرب من وجودي في هذا المكان وبهذه الحالة . مقسماً بشرفه وأغلظ الأيمان أنه لا يدري أني من بيــن المعتقلين . كان رهط من الحرس يقف حواليه فاصدر أوامره التالية :

ـ أوقفوا تعذيبه .

ـ هاتوا له بملابس داخلية وبيجاما جديدة .

ـ هاتوا له وجبة غذاء على الفور .

ـ ارسلوه كل يوم الى المستشفى للتداوي .

ـ هاتوا له صحف اليوم ليطلع عليها .

أي تمثيل فاشل هذا يا فتحي..!!

أتعتقد انك بهذا الأسلوب ترد دينا بذمتك. انظر الى عظامي يا فتحي قد دقت بأمر منك .شجوا رأسي بالعصي والهراوات بأمر منك . مزقوا ظهري بأمر منك . منحوني عذاباً كاملاً اهتزت له غرف المجلد بأمر منك. فأنت لا غيرك المسئول عن ارتفاع الآلام في كل مكان من هذه المدينة الطيبة ، وسوف لن يسامحك تاريخها من هذا العار .

أعرفك كذاباً يا فتحي حسين . ضايقك ( المد الشيوعي ..) عام 1959 لكنه لم يجلدك ولم يؤذِ ظهرك أو بدنك . انك الآن تنتقم بجلد آلاف الناس .

لا احتاج الى كذبك بعد الآن . فقد أخرجوا جسدي من جسدي .

أشهقوني بالجلد وتمزقت كوامني . لجمتم تنفسي ولم يبق في جسدي شيء غير عينين مشرعتين في فضاء الغرفة .

استدر بوجهك نحو الحائط واكذب . اقتحم نفسك واكذب فأنا لا أصدقك مهما كان صوت الطبل الذي تضرب عليه الآن.

صاح فتحي بأعلى صوته :

أيها الحرس تراجعوا منذ هذه اللحظة عن هذه الغرفة . يجب أن لا يثقل أحد منكم على هذا الإنسان بأي شيء ولا بأي عذاب . مدوا له بالطعام والشراب. لا ترددوا أمامه غير الكلام الطيب. امنحوه نشوة القراءة . ضعوا أمامه الصحف والمجلات والكتب . لا يمس أحد منكم طرف ردائه. ولا يثب أحد عليه بشتيمة . انه ضيفنا .. أنه أخي الكبير منذ طفولتي . انه هو الذي أرشدني الى الاشتراكية..

وقف الجلد. وقف الشتم. وقف الصراخ .

أي حلم هذا بعد صخب الأيام العشرة . أعبثاً يلمع قدري أم أن صدفة ما أيقظت ضميره فجأة فقربتني الى المياه الهادئة ..!

أحلم وأفكر .. أحلم أنني أعيش وأفكر أنني حي . أين الآخرون يا ترى ..أين صالح دكلة .. أين إنعام العبايجي .. أين شاكر محمد العبد الله ..أين جميع أولئك الذين واصلوا الحياة بحب الفقراء وحزب الفقراء .. ؟

كانت أسئلتي لنفسي ترتد إليّ بصمت هائل ثقيل.. لا يقطعه غير صوت فتحي حسين يقع على رأسي كأنه صوت الذئب وهو يتحدث عن وعود جديدة بتوفير الاشتراكية والحرية للشعب كله ثم أوصاني :

ـ كن واقعياً يا جاسم المطير . السلطة بيدنا الى الأبد . لا شيوعية بعد اليوم في العراق الوطني القومي . لا تكن عنيداً كالبغل صالح دكلة . كن مثل الآخرين الذين اعترفوا وانتهى كل شيء يا صديقي ..سأطلق سراحك فوراً لنضع ايدينا معاً لبناء الاشتراكية ..!!

في منتصف الليل جاءني زهاء حسين ومعه ثلة من الحرس . اصطحبوني بسيارة الى منطقةٍ ما خلف السجن المركزي في البصرة . كان عدد من الحرس قد سبقونا وقد حفروا حفرة واسعة تكفي لعشرة اشخاص .

أنزلوني من السيارة وقيدوا يدي في تلك اللحظة ثم أوقفوني على حافة الحفرة مصوبين رشاشاتهم الى صدري ، ثم ألقى خطابه :

نريد أن تدلنا على الأشياء التالية وإلاً سندفنك حياً في هذه الحفرة :

أولاً : أين هو شاكر محمود البصري عضو اللجنة المحلية.

ثانياً : أين هو أبو مولود عضو اللجنة المنطقية .

ثالثاً : أين هي سميرة محمود وعايدة ياسين .

رابعاً: أين هي المطبعة الجديدة .

خامساً: أين هم ضيوفكم من أعضاء اللجنة المركزية لحزب تودة الإيراني المختبئون بمعرفتك في البصرة .

سادساً : أين هو عبد الواحد كرم عضو اللجنة المحلية. وأين عرب عكاب.. أين عبد الوهاب طاهر .. أين سامي أحمد..

سابعاً : قل لنا من هو البعثي الخائن المندس من قبلكم في صفوفنا ..

ثم أطلق عيارات من بندقيته الرشاشة بورسعيد.

كان سروري عظيماً وأنا أستمع الى هذه الأسئلة فقد عرفتُ من خلالها أن التنظيمات لم تكشف كلها وأن المعترفين لم يقولوا كل شيء .

فأولاً كان شاكر محمود البصري على بعد عشرات الأمتار لا غير من هذا المكان الذي نقف فيه ، إذ كان معتقلاً قبل أيام معدودة من الانقلاب وقد وضع في سجن البصرة مع السجناء العاديين . أنه سالم إذن من قبضة البعثيين وحرسهم القومي.

وثانياً كان سروري عظيماً لأن أبا مولود ( محمد مبارك ) النشيط حر أيضاً وسيكون قادراً على إعادة بناء التنظيمات .

وثالثاً أن زوجتي ليست في قبضتهم.

ورابعاً أن المطبعة الاحتياطية الجديدة على بعد كيلومترين من هذا المكان سليمة أيضاً وبأيدٍ أمينة..

وخامساً وهذا ما سرني كثيراً أن ضيفينا من حزب تودة ، اللذين أمنتهما قبل الانقلاب لدى سعدي يوسف في بيته ، هما في أيدٍ أمينة . حمدتُ الله أن سعدي يوسف و رفاقنا الآخرين بيضوا وجه الحزب الشيوعي العراقي أمام الأشقاء الشيوعيين في حزب تودة .

وسادساً أنهم لا يعرفون شيئاً عن وجود عبد الوهاب وسامي في نقرة السلمان.

لم يكن لدي من جواب في تلك اللحظة غير كلمتي : لا أعرف .

صفعني زهاء ورفسني واسقطني على كتلة من الحصى وهو يقول : سفلة .. كلكم سفلة أيها الشيوعيون عملاء روسيا..

بالكاد رفعتُ رأسي لأقول له : لسنا سفلة .. نحن حملة آمال شعب العراق..

فلطم رأسي بقدمه الى الأرض .

لاحظت ضياء سيارة قريبة تتجه نحونا . كانت سيارة حرس أيضاً . نزل منها فتحي حسين في مشهد تمثيلي عاصف ومعربد لائماً زهاء واصفاً إياه بالأحمق لتجاسره على عصيان أوامره وتحديها .

أصدر أمره الى الجميع :

ـ فكوا القيود من يديه وأعيدوه الى مكانه . أنه جاسم المطير صديقي وقريبي وأبن محلتي وطفولتي.

كان الوقت فجراً ونحن نجوب شوارع البصرة عائدين الى مقر الحرس القومي تغمرني سعادة الاكتشاف الجديد : لن يموت الحزب الشيوعي طالما يوجد شيوعيون أحياء.

قيل لي في آخر يوم قضيناه في هذا المَجلد : سننقل صالح دكلة إلى قصر النهاية ليبقى هناك حتى الموت.

وقال لي فتحي ان صاحبك عنيد سينال جزاءه بالموت في بغداد.

وسوف ننقلك إلى نقرة السلمان لتبقى فيها إلى ما شاء الله..

أنه وعد مني لعائلتك أن تبقى حياً..ولكن في نقرة السلمان..

وكان هذا أول تهديد لي باسم نقرة السلمان.

وبقيتُ أنتظر كل يوم الخلاص من جحيم الحرس القومي للانتقال إلى " جنة " النقرة .

خلال فترة وجودي في مقرات الحرس القومي الثلاثة مارسوا معي كل أنواع التعذيب للفترة من 19/3/1963 ولغاية صبيحة يوم 18 تشرين الثاني 1963 حين هرب الجلادون البعثيون بعد أن رموا أسلحتهم وملابسهم من دون صدور أية اطلاقة رصاصة واحدة . احتل بضعة جنود مع المتصرف محمد الحياني وسمعتُ أحد الجنود يفتح قفل باب التواليت ليخرجني منه كي يضعني في لوري عسكري كان فيه بقية المعتقلين .

كانت المدة المنصرمة جحيماً حقيقياً في ساعاتها وفي ذكرياتها المريرة فقد واجهت فيها مرارات أنواع مختلفة من العذابات أذكر منها :

* ربطوني عدة مرات في مروحة بسقف غربة التعذيب بنادي الاتحاد الرياضي بعد ان نقلونا من جمعية الاقتصاديين وكانت الصوندات البلاستيكية تنهال على ظهري وعلى كل مكان من جسدي ..

* سحلوني مرتين بعد ربطي بسيارة ..

* وضعوني مربوطا على ( ستول ) كرسي عال ٍ عن الأرض وليس فيه مسند للظهر بقيت فيه أربعة أو خمسة أيام بدون نوم رغم عيني المقفلتين .

* قضيت الشهور الثلاثة الأخيرة من عمر الحرس القومي بدشداشة صيفية داخل تواليت صغير في المقر الثالث للحرس القومي حتى ساعة سقوطهم يوم 18 تشرين .

* رفضوا السماح لي بالذهاب إلى التواليت في الأيام العشرة الأولى من اعتقالي ..

· كانوا يرمون خل زلاطتهم على بعض الجروح المؤلمة في جسدي ..

· كانت الصوندة والجلد بها على ظهري أبسط وسائل التعذيب اليومي أو الأسبوعي ..

· لمدة الأشهر الثلاثة الأخيرة من عمر الحرس القومي وضعوا سماعة مسجل في شباك التواليت من خارجه لأسماعي على مدى 24 ساعة من كل يوم أغنية أم كلثوم ( أروح لمين ) كجزء من حرب نفسية قاتلة ..

· لم يتركوا شتيمة إلاً وأدخلوها في قاموس شتائمهم ..

· في الغرفة المقابلة لي بمقرهم في مبنى نادي الاتحاد الرياضي فتحوا لي بابها وشباكها كي يأتيني صراخ امرأة أو فتاة اغتصبوها ..

· حرقوا مكتبتي 25 ألف كتاب أمام عيني في نادي الاتحاد الرياضي وكانوا يخرجوني من غرفتي في عدة ليال لمشاهدة لهب حريق مكتبتي التي نقلوها من مكتبة بيت والدتي قرب شارع 14 تموز.. ورموا أوراقي بخط يدي في المحرقة وكانت تضم رواية واحدة ومسرحيتين ومجموعة من القصص القصيرة وكتابات أخرى . كانت عيناي في تلك اللحظات تدمعان دماً ..

· رفضوا معالجتي لمدة ثلاثة اشهر من نزيف دموي حاد بالكلى إلاً في الشهر الرابع بإصرار من الطبيب البعثي ( كامل عباس الدوركي ) الذي كان يداوم مرة واحدة اسبوعيا ، في مقر الحرس القومي .

· عذبوا الكثير من النساء في الغرفة المجاورة لغرفتي . وكان صراخهن يدمي قلبي ..

دونت في ذاكرتي هذه الذكريات سريعاً وأنا في هذا المكان الذي صار تعيساً في نظري بمجرد دخولي فيه معتقلاً ينتظر الموت المؤكد ، منذ لحظة كان فيها أفراد الحرس القومي يواصلون واحداً بعد آخر تصفح وجوهنا ..

خلال أيام قليلة بعد يوم أعتقالي اختزنت ذاكرتي مشاهدات لا حدود لها . مسلسل غير محدود من العذاب طال عددا كبيرا من الشيوعيين ومن الناس الاعتياديين الذين اصبحوا مستهلكين لمرارات قاسية بأيدي ممثلي ومخرجي " مسرح العذاب " الذي اشاده " الحرس القومي " .

حين اتكلم عن العذاب انما اتكلم عن جنون المجانين من بعثيين كانوا تحت ايديولوجية قومية سادية في مؤسسة لا تعرف للحرية معنى غير العنف والقتل والتعذيب التي ارتسمت صورها في ذاكرتي في الصور الجهنمية التي ادون بعضها .

أنا واثق أن التاريخ سوف لن يرحم هذه الفترة من حكم حزب البعث العراقي وستكون علاماتها أولى علامات الفاشية الجديدة بعد سقوط الهتلرية في مزبلة التاريخ ..

سررت لوجودي في نقرة السلمان فهنا في هذا المكان أستطيع ان ادون بحرية تاريخ الاوباش من اعضاء الحرس القومي وجرائمهم التي لا تعد ولا تحصى .


يتبع
 

¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس