جاسم المطير
الخميس 11/9/ 2008
نقرة السلمان
(10)جاسم المطير
سعادة السجناء في صلابتهم
لا يستطيع أي سجين في النقرة ان لا يتصور انه كبير وقوي في هذا العالم و ان الحكومة التي تسجنه هي ال صغيرة والضعيفة ، وها هو الوقت يمضي هنا بسرعة لكن كل سجين يتذكر ماضيه ويتذكر الحزب ويتذكر امه وابيه وزوجته او حبيبته يتذكر حتى بائع الجبن و بائع تذاكر بطاقات السينما و عامل المقهى . للذكريات هنا مذاق خاص . كل سجين هنا صار روائيا او قصاصا يستطيع ان يتحدث ، مع نفسه أو للآخرين ، عن تاريخ مدينته او عن رابطته بالاخرين من الحزبيين الذين عملوا معه او اختفى في بيوتهم او اجتمعوا في بيته وهنا في النقرة مجموع كبير من الاصدقاء والر فاق يواجهون نوعا مشتركا من العيش وتسود بينهم جميعا مشاعر وعواطف وقيم تقوي وحدتهم وتزيد تمسكهم بامل العودة مرة اخرى الى المدينة التي انجبته والى الناس الذين سجن من اجلهم . عقول السجناء في نقرة السلمان محشوة بالافكار حول الحزب والناس والادب والسيا سة . لا بديل هنا غير التفاؤل رغم العذاب والقسوة لكن جو الافكار كلها مفعمة بالامل ورغم وجود عدد قليل من المتشائمين لكن عين السجين تتسع عدستها كلما جاءت رسالة من اهله او من حبيبته .
تلقيتُ ، هذا اليوم ، رسالة من والدتي بكثير من الحب والدهشة والأرتياح. قرأتها عدة مرات وأحسستُ أنني أطير من نقرة السلمان الى البصرة . في الحقيقة أنني سررتُ سروراً عظيماً لعدم ظهور أي تعب في كلمات الرسالة.
لم تثر هذه الرسالة عندي أي تساؤل سوى عن مصير عيني ّ والدي فقد كانت الرسالة خالية من أية اشارة لكنني كنت واثقاً أن خلو الاشارة يعني ان وضع والدي ليس فيه أي جديد .
حملت الرسالة كلمات مدهشة عن البصرة وأهلها وعن معارفي والكثير من اخبار الاصدقاء .
أول ما تبادر الى ذهني سؤال: من كتب هذه الرسالة ..؟
الخط غير معروف عندي ولا توجد أية اشارة الى اسم كاتبها.
المهم ان الرسالة حملت مغزى عظيماً تاريخياً شاملاً عن مدينة البصرة التاريخية الوفية لأبنائها ومحبيها.
ذكرتني صفحات الرسالة الأربع بكل شيء عن البصرة .
دروب ا لعشار لعشار الضيقة النظيفة حيث أعرف عناوين بيوتها بيتا بيتا وأعرف الساكنين فيها فردا فردا . بعض السجناء هنا في النقرة هم من جيراني في محلة العشار أو رفاقي في بعض خلاياها او في بعض لجانها . طيبون كلهم ونقلوا طيبتهم وجميل معشرهم الى النقرة .
الرسالة أعادتني إلى مدينتي وتنفست السعادة وانا اتذكرها ، اليوم ، بقعة بقعة ، بل اقول انها خلصتني لبعض الوقت من قسوة اجواء السلمان التي نتنفس هواءه مع الغبار الاصفر. يا لها من سعادة حين ارى الوجوه الصديقة في النقرة تعلو وجهها ابتسامات وضحكات تزيدني ثقة بمستقبل منتصر على الطكتاتورية والظلم مهما طال الزمن ها هي وجوه مبتسمة اراها كل يوم سامي احمد العامري ، عبد الوهاب طاهر ، الفريد سمعان ، خالد الخشان ، عباس المظفر ، سليم اسماعيل ، جميل جبر ، عبد القادر العيداني ، طعمة مرداس ، فيصل السعد ، صالح الشايجي ، عباس الفياض، شاكر محمد العبد الله ، عبد علوان الطائي ، سلطان ملا علي ، يعقوب فالح ، مصطفى عبود ، عبد الواحد كرم ، محمد الجزائري ، العقيد غضبان السعد ، خالد حبيب ، هندال جادر و آلاف غيرهم .
تذكرت شط العرب وضفافه المزينة بالنخيل.
تذكرت ُ المطر الذي تزيد بعض قطراته الانهار الصغيرة ، من نهر العشار وانتهاءً بنهر باب سليمان في ابي الخصيب.
ذكرتني الرسالة بالاهوار والصحراء واسماك الفاو .
تذكرت النسوة من المعيديات الجميلات بائعات القيمر والحليب في ساحة أم البروم .
تذكرتُ مطعم زينل ومرقة القيمة والفاصولية .
تذكرتُ كعك الأنصاري واحسستُ بحنين من نوع ما الى ألبان أسماعيل البجاري ، القيمر والزبد المنتج [افضل المكائن الحديثة .
تذكرتُ اشجار الأثل التي تنمو وحدها في صحراء الزبير .
تذكرت بقايا جامع علي ابن ابي طالب في البصرة القديمة مثلما تذكرت جامع السيف الكبير في البصرة الحديثة.
تذكرتُ القرنة وشجرة آدم .
آه .. كم انا مشتاق لرؤية حركة المد والجزر في شط العرب.
أمتد بصري الى الماضي البعيد ، الى أول يوم دخلتُ فيه الى موقف شرطة العشار مع عدد من المتظاهرين وقد كنتُ ما أزال فتياً . لم أكن شيوعياً ولم أكن أفهم في الشيوعية شيئاً . لكنني كنت ، كما غيري ، يفهم أن الشيوعيين أناس طيبون. منهم عبد الله رشيد وحسن عبد الحسين وعبود علي و سامي نادر وعبد السلام الناصري وهادي طعين وناصر عبود وجاسم حسن وجبار الحلوجي وعبد العزيز وطبان وحتى صديقي اليهودي يوسف كرجي كان شيوعيا.
معلم الحساب في مدرستي شيوعي .
مدرس الانكليزية شيوعي .
عبد الله فاضل بورجوازي صاحب معمل ألبان ، لكنه شيوعي .
اسماعيل البجاري ابن اقطاعي وصاحب اكبر معمل اوتوماتيكي للألبان يحب الشيوعيين حبا جما .
محمد ابراهيم المظفر ابن اكبر عالم دين شيعي في البصرة لكنه شيوعي .
عبد الله رشيد ابن رجل دين سني فصار شيوعياً .
عبد المسيح ايليا مسيحي شيوعي .
كنتُ أفكر وأسأل نفسي ما هي الشيوعية .
ما هذه الشيوعية التي تجمع الجميع من ابناء الشعب.
لكن الايام كانت تمر مسرعة لم تفسح لي مجال الحصول على جواب.
يوم سألت الرياضي عبد الله رشيد : ما هي الشيوعية ..؟
أجابني : بعدين تعرف..
تمر الايام متسارعة في النقرة في بعض الأيام ، لكنها بطيئة جدا في أغلب الأيام . مجادلات عديدة واعية وغير واعية تدور في النقرة مثلما كانت تدور بين الطلاب والشباب حول وثبة كانون واحداثها كافة، إضافة الى نتائجها حين تحل الذكرى السنوية للوثبة .
آراء مختلفة متصارعة ، لكن الرأي السائد في أغلب المجادلات : الحكومة قوية والشعب ضعيف.
صارت في داخل السجن ( حركة اجتماعية واحدة ) هدفها جعل الحياة السجنية حياة عادية رغم التعقيدات الكثيرة المحيطة بكل سجين . لكن في داخل السجن يجب ان تكون ( حركة سياسية واحدة ) أيضا . يجب ان نتكاتف جميعا حتى نكون قوة متينة امام جبروت السلطة الغاشمة . علينا ان نرفض كل ما يمكن ان يفرقنا مثلما كان سامي احمد يقول لبعض السجناء من الضباط العسكريين الذين كانوا يعبرون عن عقائدهم وافكارهم التي هي من وجهة نظر اكثرية السجناء لا تخلو من تطرف يساري قد لا تؤدي الى اهداف مشتركة بين جميع السجناء او انها قد لا تساعد على ضبط السلوك الجماعي للسجناء عموما في المناسبات التي تمر علينا . لا بد أن أذكر هنا أن سامي أحمد كان محبوبا من قبل غالبية الضباط العسكريين وكان يؤثر بعلاقاته المتميزة بالمرونة حتى على الاقلية العسكرية التي " تتمرد " في بعض الحالات .
اعادتني الذكريات إلى الماضي السياسي البعيد . فقد تذكرت ُ اليوم حالة سياسية سلبية اخضعت شباب مدينة البصرة الى مواقف سياسية سلبية . تذكرتُ كيف انسحب شباب محلة العشار من الظهور في المقاهي العامة ، مقهى " حبش " مقابل المتصرفية ، ومقهى " حسن " في سوق الصيادلة ومقهى شط العرب في الكورنيش ومقهى هاتف في السيف بالبصرة . حتى نادي الطلبة أصبح لا يستقبل أحداً بسبب الرقابة البوليسية المفروضة على أبوابه الثلاثة .
هنا في النقرة نحن أحرار في الاحتفال بالمناسبات الوطنية والحزبية ، بل نحتفل بكل سهولة لا يمنعنا مانع ولا تخيفنا سلطة امنية ، لكن لم يغب عن بالي كيف صار الخوف ، ذات يوم ، هو المسيطر على " الشارع البصري " ربما هو مثل الشارع العراقي كله خاصة بعد العاشر من شهر شباط 1949 حيث أحضر فهد سكرتير عام الحزب الشيوعي وزكي بسيم وحسين الشبيبي عضوا المكتب السياسي للحزب لأعادة محاكمتهم أمام محكمة عسكرية وحكم عليهم بالاعدام شنقاً حتى الموت . كان مقرراً أن تخرج مظاهرة يوم 11 شباط في ساحة ام البروم لكن الشرطة كشفتها قبل قيامها وطاردت المتجمعين في الساحة فاعتقلت قسماً منهم بينما استطاع الاخرون بالافلات واللجوء الى بساتين مدرسة الامريكان.
نفذت احكام الاعدام فجر يوم 14 شباط بشنق حسين الشبيبي في باب المعظم وزكي بسيم في الباب الشرقي وفهد في ساحة المتحف بجانب الكرخ.
تلبدت الغيوم في سماء العراق وصار الوضع السياسي حالك السواد. من الصعب جدا أن تجد أي معنى للمواقف السياسية وللظواهر الاجتماعية .
الفاشية تزحف على كل بيت له صوت قومي أو شيوعي أو ديمقراطي أو حتى مستقل.
الحكومة تريد من الشعب أن يصمت . لا مظاهرات ولا اجتماعات ولا بيانات ولا منشورات.
لدى الحكومة كثير من المشاريع والاهداف تريد ان تحققها في ظل الاوضاع العربية المتسارعة .
نسي الناس بسرعة جريمة اعدام الوطنيين الثلاثة . نسوا ايضاً جرائم اعتقال وسجن آلاف الوطنيين في انحاء العراق كافة ، وتصدرت احاديث الناس موضوعات جديدة تتعلق بالقضية الفلسطينية :
ـ قرار تقسيم فلسطين واستمرار التغطية الصحفية اليومية.
ـ الحرب العربية ـ الأسرائيلية في فلسطين .
ـ دخول الجيش العراقي الى الحرب وعودة الملازم عدنان البعاج أبن محلتنا مكسور القدم اليمنى بعد اصابته بالحرب .
ـ دخول الجيش المصري وجيوش عربية أخرى الى جبهة الحرب الفلسطينية وانسحابها السريع من الحرب .
ـ فضائح الاسلحة المصرية والعراقية الفاسدة والمستوردة من انكلترا.
ـ محاكمة التاجر البصراوي اليهودي السوري الأصل شفيق عدس واعدامه. بتهمة التبرع بالاسلحة لقوات الصهاينة.
ـ أستقالة مزاحم الباجة جي وعودة نوري السعيد الى السلطة لتجديد مشاريعه في التحالف مع الغرب .
كانت هذه الاوضاع تشغل الناس جميعاً . أصبحت الحكومة في واد والشعب العراقي في واد آخر . الأحزاب في واد ثالث .
الحرب الفلسطينية غدت فرصة ذهبية للحكومات العربية ومنها الحكومة العراقية لتحقيق خططها الخاصة في الاهداف التالية :
ـ محاولة تحويل السخط الجماهيري ضد " العدو الخارجي " أي ضد الصهيونية.
ـ توسيع الاجراءات القمعية ضد الاحزاب والشخصيات المعارضة.
ـ فرض حالة الطوارىء في مصر والعراق بحجة حماية الجبهة الخلفية .
ـ اقامة الاحلاف المعلنة وغير المعلنة مع الدول الاستعمارية في هجومها ضد حركة التحرر الوطني كلها.
كان الشباب ونحن معهم في حالة ضياع تام بعد ضرب قيادة الحزب الشيوعي والقيام بحملة اعتقالات واسعة للشيوعيين واصدقائهم . غاب عن البصرة كثيرون وتم سجن الكثيرين في الأحكام التي اصدرتها محاكم عسكرية رأسها عبد الله النعساني الذي اشتهر باصدار أحكام " الجملة " على الشيوعيين. في تلك الايام وما بعدها ، بدأنا نسمع بوجود سجن صحراوي أسمه نقرة السلمان .
كان الوعي القومي قاصراً عن فهم الأحداث خاصة بعد توجه حزب الاستقلال نحو الأنخراط في حملة مكافحة الشيوعية .
بالتالي كان وعينا ، نحن الشباب غير المنتمي ، بالقضية الفلسطينية قاصراً أيضاً.
نسمع بفلسطين في تلك الفترة ولا نعرف أكثر من اسمها . لا نعرف عنها غير قيمة نضالية محدودة جداً.
الأسئلة كثيرة في المدارس والاسواق والشارع والمقهى : ما هي العملية المباشرة التي يمكن ان نقوم بها لنصرة قضية الشعب الفلسطيني ..؟
ما علاقة أبن البصرة أو الناصرية أو أبن الأسكندرية أو الجزائر أو تونس بقضية الشعب الفلسطيني ..؟
لقد حلت النكبة على الدول العربية . كل جيوش العرب انهزمت امام جيش واحد . لماذا ..؟
حتى اننا لم نحصل على جواب واضح من اصدقائنا الشيوعيين.
لا جواب متكامل نحصل عليه.
الأسئلة تزداد يوماً بعد يوم ، والحكام العرب يمارسون تضليل شعوبهم .
الحكام في العراق لهم غايات خاصة أولها تصفية الحزب الشيوعي . .
الاحزاب لها أفكار مبهمة .بعضها مرتاح ومسرور لضرب الشيوعيين.
وهكذا وجدنا انفسنا قوة عمياء لا تستطيع أن تفعل شيئاً.
حين نوجه سؤالاً الى بعض أعضاء الوطني الديمقراطي من سكان محلتنا سواء من رجال السياسة ، القادة منهم أو القاعديين ، أو حتى جعفر البدر رئيس فرع الوطني الديمقراطي الذي كان يسكن في نفس المحلة . أستوقفناه ذات يوم وهو عائد الى بيته فسألناه عن القضية الفلسطينية ، نظر ألينا بازدراء ، وقال كلمتين فقط : أنا تعبان .
في يوم من الأيام فكرنا في الذهاب الى جمعية الآداب الأسلامية وهي جمعية يقودها شيخ مرموق أسمه محمد العسافي ومعه وجوه أخرى مرموقة أجتماعياً ودينياً من أمثال عبد الهادي عبد الوهاب الباحسين ، وجاسم محمد صالح ، ومحمد الرفاعي ، وعبد الرزاق الفريح . كانت الجمعية مهتمة كثيراً في نشاطها اليومي وهي تدعو لنصرة المسلمين الفلسطينين كما تدعو الناس الى جمع التبرعات للفلسطينيين.
قررنا نحن ثلاثة اشخاص ، بأمر من مسئول خليتنا ، أن نذهب لزيارة الجمعية عسى أن نجد عندها مفاهيم مجسدة عن هذه القضية ، مضمونها والموقف المناسب منها الذي يتوجب علينا .
وجدنا في هذه الجمعية انقطاعاً ليس فقط عن القضية الفلسطينية بل عن القضية العراقية أصلاً . قالوا لنا :
ـ نحن لا نتدخل بالسياسة ..
حين خرجنا من الجمعية علق أحدنا ، عبد الخالق الهواز قائلاً :
ـ هذه الجمعية لا ترى .. لا تسمع.. لا تتكلم.
لم يكن أمامنا نحن الأصدقاء الثلاثة : عبد الله الحاج علي منعم ، وشاكر علوان القيسي ، وجاسم محمد المطير غير الألتصاق بالحزب الشيوعي في خلية مرشحين واحدة .
بعد ثلاثة أسابيع أكتشف الحاج علي منعم أن أبنه الطالب في الخامس ثانوي أصبح شيوعياً صفعه على خده وعينيه شاتماً الشيوعية مؤكداً أن مصير الشيوعي هو الموت في نقرة السلمان إذ تأكله العقارب والديدان .
ـ هل تريد أن يأكلك الدود في نقرة السلمان ..؟ كن شيوعياً ..!
- هل تريد أن تموت في صحراء ليس فيها ماء ..؟ كن شيوعيا .
بهذه الاسئلة والكلمات كان الاب الحاج علي منعم يهدد أبنه البكر عبد الله . ولم يكن يعلم أن أبنه الصغير هو شيوعي أيضا بل هو شيوعي انشط من اخيه الاكبر .
كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع بها باسم نقرة السلمان .. وعلاقتها بـ"الدود " و بالشيوعية. كانوا يحاولون إدخال الرعب إلى قلوبنا عن طريق ذكر مصاعب الحياة واستحالتها في النقرة .
اليوم أنا في نقرة السلمان ذاتها بعد أكثر من ثلاثة عقود على ذلك الحديث.
وقد تضمنت رسالة والدتي ، المعروفة بشجاعتها ، نفس الخوف من نقرة السلمان فها هي تكتب لي : ( آه .. يا ولدي ليتك هربت الى خارج العراق كما هرب الآخرون لكنتً الآن أنام قريرة العين ولا أفكر بالدود الذي سيأكلكم فيها ..)
كتبتُ لها رسالة طويلة جاء فيها : ( قد يكون رأيكِ يا والدتي محقاً لقرارة عينيكِ .. لربما يكون الهروب ضمانة فعلية لقرارة عيون الامهات لكنني أقول لكِ ، كما قلتُ لكِ ذلك في مركز شرطة العشار ، أنني لا أريدكِ تنصبين عويلاً على ما مات وعلى ما فات .. من يدري ربما تكون بلوى الغربة عندي أشد من بلوى السجن . أنتِ تعرفين أن هروبي كان ممكناً بسهولة تامة وكان خلاصي سهلاً بنفس سهولة حركة جفني .. فليس مثلي يعرف الطرق السهلة المؤدية الى عبادان أو ألى أيران أو الى أية دولة في الخليج . أنتِ خير من يعرف أمكانياتي بهذا الصدد ..)
كان صعباً علي ، بعد أنقلاب شباط أن أترك البصرة والوطن ، برغم أن الحزب كان قد رشحني للسفر الى بلغاريا أو جيكوسلوفاكيا قبل شهور قليلة من الأنقلاب . وقد انتقلت الى بغداد بأنتظارحلول موعد السفر ، غير أن المهمات الجديدة للحزب غيرت الموقف فجأة ، فجاءني باقر إبراهيم في بيت بالبياع ليبلغني بتأجيل السفر وصدور أمر حزبي بعودتي الى البصرة لأستلام اللجنة المحلية لضرورات سياسة الحزب الجديدة .
كيف يمكن ترك البصرة بعد الانقلاب وما زال الحريق قائماً في العراق كله.. كان صوت الوطن ، في تلك الأيام، يمشي أمام كل شيوعي وخلفه . المرارات مذاقي مثلما هي مذاق الآخرين .
جميع الاغاني التي نسمعها داخل السجن هي أغان تشارف على البكاء . ألحان هامسة حزينة . كل كلمة تقطر دماً وكل قطرة دم تلتهب متوهجة بقطرة عذاب . لا حرج من الاعتراف بان الصبر هو الدواء الوحيد الذي يشفي أو لا يشفي الجراح النازفة من شباب وشيوخ هذا الجيل المتعب الساكن بين اسوار نقرة السلمان .
ليس بمقدور أي انسان خارج السجن ان يحس الآلام الفظيعة التي تمزق نفوس السجناء وهم مجبرين بالنار والحديد على ان يتركوا الوطن لوحده تحت عمليات ضرب مترنم بجذوع النخل المقتول. الحكام جميعهم قتلوا وطننا في شماله وجنوبه. كل واحد منهم يقوم بدوره المحدود لزمن محدود يقتل شرياناً في الوطن ثم يذهب الى اوربا يعمل فيها ويعيش أو يحلم أو يستريح في هذه المدينة الاوربية أو تلك المدينة النبيذية .
هذا المكان رغم قساوته يجعل السجين فخوراً مع نفسه وأمام ذكريات مدينته. وجود سجناء سياسيين في نقرة السلمان له معان كثيرة اولها انه لا توجد عدالة في العراق فان اجواء النقرة داخل السجن وخارجه اقرب الى مواصفات الجحيم وعذاباته لا شيء صالح للانسان هنا بل ان النقرة تكشف ان القائمين عليها والموافقين على تحويلها الى سجن للشيوعية انما تعبر عن اقصى حالات الطغيان فالدولة التي فيها نقرة كهذه ليست هي دولة اسلامية ولا دولة ديمقراطية انها دولة طالحة بكل شيء .
هنا فقط أكتشف أن روحي متوثبة و ما زالت متعلقة هناك في مدينتي وأنا مولع بحبها ، بخطأها وصوابها ، بجهلها وبوعظ وعاظها ، وبعلم المعتزلة فيها وباختراعات أخوان الصفا وبالمقعد الدراسي الذي جلس عليه يوما ما التلميذ النقي يوسف سلمان يوسف في مدرسة الرجاء العالي الابتدائية.
أكتشفتُ أيضاً أن الحكمة لا تتعارض مع الخوف. لذلك بقيت في ارض البصرة بعد انقلاب شباط يسعدني فيها ان ارى وجوه سكانها وهم حزانى ، مثلما كانت ميزة عظيمة حين رأيت نفس الوجوه مغمورة بالسعادة صبيحة الرابع عشر من تموز 1958 ومن يدري فربما يستنير الخوف بروح شجاعة تموزية جديدة في يوم قادم ، مهما طال الزمن ، فيتيسر لشجعان شعبنا ان يتخلصوا من الحزن المحيط بهم وبنا جميعاً وإلى الأبد .
بقيت عشرة شهور بعد شباط الاسود في مكان مظلم داخل مقرات الحرس القومي البشعة ، أعاني حالات وآلام المرض الممض الناتج عن التعذيب في الظهر والكليتين والكتف والقدمين والخصيتين حتى هبط مقامي مع الالاف مثلي في هذه الصحراء الخالية من ستار النوافذ ومن أي شكل من اشكال الانسانية التي محتها السلطات الحكومية الغاشمة من قواميسها .
ليس هنا غير عواطف أليمة في عالم مفعم بالأمل. قناعتنا في نقرة السلمان تفرض قدرتنا على الرقاد فوق عروش الصبر الذي لا يلقى مصرعه أبداً.
وسوف لا يخسر إلاّ السجان لأن السجين الشيوعي في هذا المكان اعتاد على حرية حقيقية من نوع خاص هي حرية الضمير المتصل بضمير الشعب العراقي ، وهي حرية بناء مجتمع صغير قائم على المحبة والاخوة والصداقة الحقيقية ، وهي حرية يغيب عنها قسر مفروض علينا رغم ان النقرة هي ابرز رموز القسر السياسي في العراق .
السجناء هنا لا يعيشون في فراغ .
يتبع
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)