| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

السبت 13/9/ 2008



نقرة السلمان
(11)

جاسم المطير

العمل في جريدة السجن اليومية
علينا ، نحن السجناء ، ان نقتل الوقت قبل أن يقتلنا بكآبته . علينا أن نقتل الجهل قبل أن يخضعنا لمعاييره . علينا أن نتخلص من خطر التحجر الفكري قبل أن نتحجر . في هذا الزمان نرى كثيرا من غرائب وتقلبات الحكومات . بعض الحكومات العربية وفي مقدمتها حكومة جمال عبد الناصر تدّعي الاشتراكية لكنها تسجن الاشتراكيين في غياهب السجون . تدّعي بالديمقراطية لكن جمال عبد الناصر يدعو الى الحزب الواحد . نفس الشيء يفعله عبد السلام عارف في العراق . يبدو ان هذه الثقافات اصلها واحد هو العداء للشيوعية .

ولما كنا نتقن هذه الألاعيب جميعها ، فأن إحدى المهن الأشد ضرورة ، هنا ، هي مهنة الثقافة التي تبدأ بالصحافة . أعني صحافة السجن لكي نضع النقاط على الحروف ، يوميا ، امام السجناء جميعا . كذلك كي نعيد الى ذاكرة السجين اشياء وحوادث ومواقف جرت في العراق ، الملكي والجمهوري ، حتى لا تغيب عن دراساته ومواقفه وتطلعاته . صحيح ان الكثير من صفحات الماضي كانت مخيبة للآمال كما اختبرنا وقائعها في ثورة 14 تموز وتاريخها لكننا مع ذلك ندرك ان ذكريات سجناء النقرة المتناثرة في كل مدينة وقرية عراقية يمكن ان تصلح كأساس لرؤية المستقبل .

كان المسئولون عن تنظيم السجن يعرفون مدى حبي للعمل الثقافي وخصوصا العمل الصحفي ، مثلما يقدرون حذاقتي ومهارتي ، كما قالوا لي ، في هذا العمل الذي كنتُ قد مارسته من قبل في الصحافة الحزبية السرية (صوت الكادح) وفي الجريدة الحزبية العلنية ( صوت الطليعة ) وفي غيرهما ، مع توفر جانب متواضع في تكويناتي الثقافية والعقلية ، كما كان يقول البعض من رفاقي داخل الحزب الشيوعي ومن اصدقائي خارجه .

عادت بي أجواء النقرة إلى الماضي الصحفي التجريبي الذي زودني بتفاصيل دقيقة عن كل ما يتعلق بعمل هذه المهنة التي يحتاج قسم منها الى اسلوب الرواية والقصة والبعض الاخر يحتاج الى استنتاجات مستقبلية لتوضيح الرؤية امام القاريء . بعضها الثالث يحتاج الى قدرة خاصة لتوجيه النقد الى كل ماهو خاطيء . وكان بعض رفاقي واصدقائي يفحصون آراءي النقدية الساخرة في كتاباتي ، المنشورة وغير المنشورة ، فكانوا يحسسوني بضرورة تقديم مثل هذا الأسلوب على غيره من الاساليب التي امتلكها لأن السخرية الناضجة والموضوعية أقوى تاثيرا على القاريء .

عملتُ في بداية الخمسينات مصححاً في ( جريدة الناس ) وهي جريدة بصراوية قديمة صدرت لأول مرة في عام 1935 وكانت تطبع في مطبعة الثغر في العشار بينما كانت إدارتها في مدينة أبي الخصيب في بدايات صدورها . كان رئيس تحريرها عبد القادر السياب ( صديق والدي ) وعم بدر شاكر السياب . أظن أن عبد القادر السياب هو الذي حرّض والدي على محاولة اغتيال نوري السعيد بحرق غرفته اثناء نومه في اليخت الملكي في شط العرب وهي العملية الوحيدة التي كادت أن تودي بحياته ، التي سجلت ضد متهم مجهول لأن التحقيقات عجزت عن كشف الفاعل . أنا أرخت الحادثة في سيرة معلومة بوالدي خلال مضمون قصة قصيرة نشرتها في مجموعتي التي كنت قد عنونتها " الزمن المخجل " .

لستُ متأكدا من تحريض السياب على محاولة اغتيال نوري السعيد لكن والدي أخبرني ، ذات يوم ، أن عبد القادر السياب هو) الشخص الوحيد ( الذي يعرف بأنني حاولت اغتيال الباشا . من هذا الكلام أستنتجت أن السياب هو المحرض . لا أدري إن كنتُ على صواب أم على خطأ في هذا الاستنتاج فقد توفى والدي آخذا سره معه كما توفي عبد القادر السياب قبله .

اعتبرتْ جريدة الناس نفسها في الثلاثينات ناطقاً رسمياً باسم حزب الإخاء الوطني . بوقتها ، آنذاك ، عالجتْ العديد من المواقف الوطنية والقومية ، فلسطين والخليج العربي والأسكندرونة ، وكذلك شجبتْ سياسات الاحتكارات الاجنبية العاملة في البصرة وخاصة شركات احتكارات تصدير التمور . توقفت الجريدة عن الصدور في عام 1938 ثم عاودت صدورها بعد الحرب العالمية الثانية وفي عام 1952 اشتغلت فيها مصححاً براتب دينارين في الشهر الواحد. كانت انذاك لسان حال حزب الاستقلال وكان مقرها ومطبعتها في محلتي ، محلة العشار . لم يكن يعرف بانتمائي الشيوعي وشغلني نتيجة طلب والدي حيث كنا نعاني من وضع مالي صعب. وقد كنتُ قد فصلتُ تواً من وظيفتي كقاريء مقاييس في دائرة كهرباء وماء البصرة بسبب نشاطي أثناء أضراب عمال الموانىء.

حين ألقت الشرطة القبض عليّ في مقر الجريدة اثناء أنتفاضة تشرين 52 عرف عبد القادر السياب من الشعبة الخاصة ( مديرية الامن ) نفسها التي توسط لديها لأطلاق سراحي ، بأنني شيوعي . وقد طالب اصحابه في الجريدة وخاصة المحامي حمد موسى الفارس بفصلي وابعادي من الجريدة القومية لأنه كما يقول ( لا يجوز لشيوعي أن يعمل بيننا ) لكن عبد القادر السياب رفض هذا الضغط بشدة . وقد نشرتُ في الجريدة عدداً من المقالات القصيرة والخواطر القصصية.

كان مهدي آصف قومي الاتجاه يعمل في الجريدة محرراً وقد اصبحنا صديقين . وقد أصبح هذا الشخص في ما بعد عضواً في حزب البعث قبل ثورة تموز ( ربما عام 1957 ) . تم أعتقالنا سوية ( أنا ومهدي آصف وعبد الوهاب طاهر ) في الثاني من تموز عام 1958 واطلق سراحنا يوم 10 تموز على اساس اننا محالين للمحكمة الكبرى في البصرة بتهمة ( إحراق مدينة البصرة ) التي ألصقت بنا زوراً . كان هدفها توجيه ضربة لتنظيم الحزب الشيوعي أما وجود متهم بعثي معنا في نفس الدعوى فكان للتضليل ليس غير كما اعتقدنا انا وعبد الوهاب طاهر . نجح ضباط الامن في إلصاق تهمة الحريق الهائل الذي شب في الرباط الكبير والحكيمية ونهير الليل. شهد ضدنا أثنا عشر شاهداً واعترف علينا أثنان بأننا زودناهما بمواد كيمياوية سريعة الاشتعال لغرض إحراق آلاف الصرائف . لكن حدوث ثورة 14 تموز في نفس اليوم المحدد لمحاكمتنا ألغى قرار المحاكمة وأنكشفت فيما بعد خطة ( مكتب النقطة الرابعة الأمريكية في البصرة ) وأعترف بعض عملائها بتنفيذ أوامرها بحرق المدينة واتهام الشيوعيين . كان على رأس المعترفين جميل المظفر أحد رؤساء موكب حسينية العشار . ثم أغلق الملف بعد صحوة ضمير هذا العميل الذي كشف الكثير عن نشاطات ومؤامرات النقطة الرابعة أمام سلطات ثورة 14 تموزوأمام الحزب .

كنت قد عملت محرراً في جريدة الخبر في عام 1954 لصاحبها ورئيس تحريرها كامل العبايجي ( كان من مؤيدي عبد الناصر ) وقد توطدت العلاقة بيننا الى حد كبير فقد كان إنسانا محبا لكل الناس . ليس في قلبه أي حقد على أحد ، بل هو انسان في غاية البساطة حتى معلوماته السياسية كانت بسيطة وساذجة . كنتُ أزوده بجريدة الحزب الشيوعي فكان يدفع ثمناً لها قدره ربع دينار في بعض الاحيان . بينما كان سعرها خمسين فلساً. في تلك الفترة اشتدت ضغوطات الشعبة الخاصة على الشيوعيين للتوقيع على البراءة . وقد لفقت الشعبة " براءة " أثنين من الشيوعيين رفضا التوقيع عليها ونشرتا في جريدة الثغر للتنكيل بهما والاساءة إلى سمعتهما . وقد نشرتُ التكذيب الذي وقعه الرفيقان المكذبان في جريدة الخبر ، مستغلاً غياب كامل العبايجي فما كان من الشعبة الخاصة ( الأمن ) غير غلق مطبعة الخبر أسبوعاً واحداً وأعتقالي بتهمة نشر التكذبين وتحدي الشعبة الخاصة ( أعترف علي ّ أحد عمال المطبعة ) ، فما كان من العبايجي إلاّ الذهاب الى المتصرف وإقراره أمامه بأنه شخصياً حرر التكذيبين مؤكدا أن لا علاقة لجاسم المطير بمسألة نشرهما فاطلق سراحي في آخر الليل.

إضافة الى نشاطي الصحفي في البصرة كنتً قد نشرت مقالات وقصص عديدة في جريدتي البلاد والزمان البغداديتين.

علاقتي وطيدة بالمطابع والصحف . كنتً أفتخر دائماً بأن والدتي كلفت ذات يوم في بداية الأربعينات بنقل جزء من اول مطبعة سرية للحزب الشيوعي من عبادان الى البصرة . كما ان الشيوعي القيادي السابق حكمان فارس أعتمد على والدتي في الخمسينات بوضع مطبعة الحزب في بيتها لمدة سنة كاملة . كانت والدتي تعرف انها ( مطبعة ) بينما لم اكن اعرف غير انها ( أمانة ..! ) .

من مجازفات والدتي وجسارتها هذه وغيرها كان والدي يسميها ( فطومة ) بينما اسمها وردة . كان يسميها فطومة أم الشيوعيين . كان يهددها دائما بأن نوري السعيد سوف يسجنها في نقرة السلمان .

تضحك والدتي حين تسمع اسم النقرة وهي لا تعرف شيئا عنها .

حين سألته ذات يوم عن سبب تسميته لوالدتي ( فطومة ) قال أنه معجب بأمرأة بصراوية قديمة اسمها فطومة ظهرت في شوارع البصرة وذاع صيتها بين الناس في شهر تموز الحار عام 1931 عندما حدثت اضرابات ومظاهرات واسعة في شوارع البصرة . لم تستطع الحكومة القضاء على تلك الحركة المتسعة إلاّ باستخدام الرصاص ضد المتظاهرين . ثم حدثني عن مشاركته في تلك المظاهرات وكانت تمشي أمرأة وحيدة في مقدمة المظاهرة بعباءة سوداء مكشوفة الوجه ، تهتف وتقرأ الشعر الشعبي التشجيعي . كان اسم تلك المرأة ( فطومة راهي ) . تم اعتقالها لبعض الوقت في مركز الشرطة . لم تنتهِ تلك الحركة الاحتجاجية إلاّ باعتقال عدد من قادتها من بينهم المحامي سليمان فيضي وحبيب الملاك وابراهيم البجاري وطه الفياض . كما اعتقل عدد من المشاركين فيها كان والدي محمد المطير منهم ، كما اعتقلوا علي طاهر والد عبد الوهاب .

يبدو أن أعجاب والدي بفطومة راهي ظل مستمراً فراح يطلق هذا اللقب في الأربعينات و الخمسينات والستينات على والدتي التي انغمرت في تلك الفترة في المظاهرات والاجتماعات الجماهيرية والوفود النسائية وتوزيع المنشورات الحزبية وخاصة ما يتعلق بحركة المطالبة باطلاق سراح السجناء السياسيين .

هذه الذكريات حفزتني للعمل بنشاط في المهمة التي أوكلت لي بالعمل الصحفي بنقرة السلمان ، مع ثلاثة آخرين ، بدءاً من الساعة السابعة مساءً حتى منتصف الليل تقريباً لتهيأة الأخبار من خلال الانصات لجميع المحطات العربية والعالمية المهمة . كانت حصتي إذاعات لندن والقاهرة وموسكو.

خلال اسبوع واحد ، بعد تبليغي بواجب العمل في جريدة السجن . كنتُ قد وضعت على ورقة أمامي جميع مواعيد البرامج الأدبية في أهم الاذاعات العربية ، التي واظبتُ على الأستماع إليها حتى في أوقات أنشغالي بتحرير الأخبار السياسية بعد تسجيلها صوتياً في المسجل لإعداد التقرير الخبري عن هذه القضية أو تلك . أما التقارير والأخبار الأدبية فكنتُ أعود الى الأستماع لها في ساعات النهار وتفريغها وتدوين الملاحظات عليها وقد ساعدني ذلك على أستعادة ثقافتي الأدبية ، ثم جاءتني فكرة أعداد صفحة أخبار وتقارير أدبية ، عرضتها على المنظمة الحزبية فوافقت عليها فوراً مع الاشارة الى ان تكون الصفحة أسبوعية . بعد مضي فترة قصيرة كانت الصفحة الادبية تصدر يومياً ..‍

بعد أستكمال جميع صفحات الجريدة من محرريها الأربعة يتم تسليمها الى سامي أحمد العامري مباشرة فقد كان مسئولاً عن القسم الخاص بنا الذي تحت مسئوليتي . بعد تدقيقها وأعادة صياغتها أحياناً ترسل الى غرفة أخرى مع الافتتاحية التي يكتبها أحد أعضاء المنظمة الحزبية .

ثم ترسل المواد الى غرفة الأستنساخ ( الطباعة اليدوية ..‍!) . في هذه الغرفة يعمل ، في العادة ، خمسة أشخاص من أصحاب الخط اليدوي الواضح والجميل . يجري فيها أعتماداً على أقلام القوبيا والكاربون والورق الأبيض المخطط ، كتابة عشر نسخ من الجريدة لتوزيعها على القواويش في السابعة أو السابعة والنصف صباحاً ، ليتم قراءتها في كل قاووش من قبل أحد السجناء الذين اختارتهم الهيئة الأدارية للقاووش بشروط ثلاثة :

(1) أولها الصوت الجهوري الذي يستطيع الوصول الى آذان المستمعين في طرفي القاعة .
(2) ثانيها أن يكون نطقه سليماً واضحاً كمذيع الراديو .
(3) وثالثها أن تكون لغته العربية سليمة أيضاً .

لا أتذكر أن الجريدة قد تأخرت عن موعد صدورها في أي يوم من تلك الأيام الصعبة . كنا جميعا في قسم (الانصات) وقسم (التحرير) وقسم (الطباعة) في أشد حالات الحرص على مواعيد الصدور بانتظام فقد كان هندال جادر يسميها جريدة الفقراء والمضطهدين في نقرة السلمان وهم ينتظرونها دقيقة بعد أخرى حال نهوض السجناء من النوم صباحا . كان أقل عدد حررناه من صفحاتها هو ثماني صفحات فولسكاب ، وأعلى عدد كان ست عشرة صفحة عندما يكون العدد خاصا مكرسا لمناسبة وطنية أو حزبية . لم يتأخر صدورها ولا مرة . كانت الجريدة السجنية هي التعبير المباشر على انتماء السجناء الى الشيوعية . تبث الشجاعة وروح الالتفاف حول راية الحزب مهما كانت رؤيته للواقع ، بنظر غالبية السجناء في هذه الايام ، صعبة ومعقدة او خاطئة .

كنا ، نحن جماعة الأنصات ، نعاني في هذه الأيام صعوبة حقيقية في اختيار المواد في ظل الكثير من العقد السياسية في العالم العربي وخصوصا في مصر والعراق التي تترك آثرها السلبي على السجناء . كنا نشعر بواجب ان تحمل الجريدة معاني الثقة والتفاؤل والتآلف بين الجميع وتحقيق التواصل بين داخل السجن وخارجه علينا أن نكافح كل ما يؤدي إلى اليأس وأن نشيع الأمل في الصدور .المناقشات بين السجناء ازدادت ونشطت حول مختلف الامور السياسية العربية والدولية وتطوراتها . خاصة بعد التقارب السوفياتي ـ المصري ، والتقارب السوفياتي مع حكومة عبد السلام عارف في العراق .

أكثر الأخبار إثارة وارتياحاً في أسماع السجناء هي التي تتعلق بأخبار الحملة العالمية للضغط على عبد السلام عارف من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين وما تذيعه ( صوت الشعب العراقي ) عن الحملة ، لذلك كنا نتابع الحملة وننقل صداها ، أولا بأول ، إلى السجناء فكانت اخبارها عاملا مهما من عوامل ايجابية مؤثرة داخل السجن وهي تجعل الجميع ملتفين حول الحزب ، قائد الحملة داخل العراق وخارجه .

أكثر الأخبار إثارة للمناقشات والاستفسارات أيضا هي الاخبار التي تتعلق بموقف الحزب الشيوعي من الأوضاع السياسية في العراق ومصر المتجهة نحو " التقارب الحكومي " مع الشيوعيين في مصر والعراق للضغط عليهم الى حد الطلب بحل الحزبين في البلدين وتأسيس ما يسمى ( الأتحاد الاشتراكي العربي ) كتنظيم موحد وحيد بديل للحياة الحزبية في البلدين . كان هذا الاتجاه يضع العناصر القيادية في المنظمة الحزبية السجنية في موقف حرج في الندوات ، وفي الاجتماعات الحزبية ، وفي الاجتماعات السياسية العامة ، خاصة بعد تأميم حكومة عبد السلام عارف البنوك وبعض المشاريع الصناعية . لقد روجت إذاعتا موسكو والقاهرة وحتى اذاعة لندن وصوت امريكا لقراري التأميم والدعوة لتأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي بشكل ٍ قلبَ السجن كله بالمناقشات واستنكار الموقف السوفييتي بل اصبح الاتحاد السوفييتي مشتوماً بشكل علني . وأصبحت بعض الاتهامات توجه للحزب باعتباره يتجه نحو اليمينية التحريفية .

نحن هيئة الانصات والتحرير لم نكن نعرف بدقة أي الأخبار نحجبها لضعفها او لأنها تقدم تفسيرات خاطئة قد تؤثر سلبا على السجناء ، فقد كانت اغلب اخبار الاذاعات العالمية تركز على هذا النوع من الأخبار التي غايتها دفع التقدميين العرب للالتفاف حول نهج جمال عبد الناصر وهو النهج غير المرضي عنه من قبل غالبية سجناء النقرة . فهل علينا أن نحجب ( كل ) ما يقال أم ( جزء ) منه ..؟ لم يكن سهلا ضمان التخلص من الازمة الفكرية داخل السجن خاصة واننا نواجه كل يوم تقريبا مأزقا فكريا جديدا تذيعه القاهرة او يقدمه راديو موسكو .. صار المصريون والسوفييت يتسابقون لعرض المقالات المصبوغة بالاشتراكية وبالديمقراطية وقد كنا نشاهد ان افكار هذه المقالات محنطة بقوالب غير علمية وغير عملية . وجدنا ضرورة في ان لا تكون جريدتنا وسيلة لترويج هذا النوع من المفاهيم وحاولنا اعادة ربط ذهن السجين بانجازات العلوم والثقافة والفنون الثورية فكنا نستقطب امكانياتنا لنشر اخبارها من انحاء العالم .

في الجريدة السجنية حاولنا تخفيف الأخبار والتعليقات الواردة في النشرات الاجنبية التي هدفها تقوية زعامة جمال عبد الناصر في العالم العربي وتقوية زعامة عبد السلام عارف في العراق حيث كانت بعض صحف الدول الاشتراكية ايضا تعتقد ان جمال وعبد السلام يحملان رسالتي العدل والاشتراكية . لكن هذه الخطوة في التخفيف التي عملنا بموجبها لم تكن مفيدة . السجناء يريدون من هيئة التحرير ان تهاجم الحزب الشيوعي السوفييتي والدول الاشتراكية وكذلك مهاجمة " التيار اليميني " في الحزبين الشيوعيين ، العراقي والمصري . فقدنا ثقة السجناء بالأصغاء الى النشرة . صرنا نلاحظ لأول مرة ، أن عددا غير قليل من سجناء القواويش كلها يخرجون في لحظات قراءة النشرة . راحوا يستمعون ، مباشرة ، أفراداً وجماعات ، الى ما تذيعه الاذاعات غير الاشتراكية ، الغربية والعربية . كانوا يبحثون عن التعليقات التي تهاجم " التحول الاشتراكي " في العراق ..! كنا نشعر بواجب كبير في تعزيز ثقة السجناء بالحزب الشيوعي وكنا نفتش عن كل خبر أو تعليق يصدر من اذاعة صوت الشعب العراقي أو من أية اذاعة اخرى تحقق هدفنا هذا .

لا بد من الاعتراف أننا كنا ، نحن السجناء ، ندّعي الديمقراطية لكن لم نكن نعرف تطبيقاتها . كيف نطبقها بالطريق الصحيح في ما يتعلق بدورنا في تحرير الجريدة بمثل هذه الظروف الصعبة . هل علينا احترام كل وجهات النظر الاساسية الموجودة داخل السجن وخارجه بما فيها التي نتعارض معها أم علينا فضحها ..؟ أو فضح ما يؤدي إلى يأس السجناء أو إحباطهم أو إضعاف معنوياتهم . .؟ المهمة ضعبة للغاية فقد كان الوضع الفكري مشوشا .

أحد السجناء من الموصل أمسك بالجريدة الصباحية ومزقها أحتجاجاً على نشرها الأخبار " اليمينية " كما صرح بذلك صارخا وسط القاووش.

كنا نفسر مثل هذه التصرفات بكونها ناتجة عن ضغط نفسي عنيف يقع في ظروف معينة بشدة على بعض السجناء مما يدفع بهم الى مجابهة مباشرة مع النفس تظهر بشكل من اشكال العنف الاستفزازي لكن غير المؤذي كما في صيغة تمزيق هذا السجين للجريدة السجنية . مقولة التسامح تسود غالبا في مثل هذه الحالات خاصة لدى قيادة المنظمة السجنية وكان سامي احمد وكاظم فرهود اكثر القياديين تسامحا ازاء اخطاء السجناء .

هناك نوع آخر من السجناء من الذين نطلق عليهم بانهم سريعو الإنفعال وكثيرا ما يقودهم الإنفعال الى الوقوع في اخطاء المجابهة . بعضهم يجابه المنظمة الحزبية حين لا تعجبه بعض اخبارها او قراراتها فيستتبع ذلك نتائج سلبية ومضاعفات قد تؤذي السجين المنفعل او الذي تغذي سلوكه تصرفات ومواقف خارجة عن ارادة المجتمع السجني . كان السجناء العسكريون اكثرهم عصبية . يتعاملون بعدائية احيانا مع الآخرين . كانوا في الغالب لا يحبون " المثقفين " . كما ان بعض السجناء من أهالي الموصل كانوا يستجيبون بسرعة لطبيعة الروح الانفعالية ، لكنهم بنفس الوقت سرعان ما يعودون للمحافظة على توازنهم .

كنتُ قد أنفككتُ ، بعد فترة قصيرة من صدور قرار التأميمات ، من العمل مؤقتا في الجريدة بناءً على قرار المنظمة الحزبية بنقلي الى لجنة تحرير موضوعات خاصة عن ضحايا التعذيب في قصر النهاية . تكونت اللجنة من سامي أحمد رئيساً ومن زهير الدجيلي ومني عضوين فيها وباشرنا العمل على الفور في الأطلاع على مئات الرسائل والتقارير التي كتبها المعتقلون المعذبون في اقبية الحرس القومي .

بسبب أنشغال رئيس اللجنة بالاوضاع السياسية الملتهبة في السجن أنصرفنا أنا وزهير الدجيلي الى العمل ، ليلاً ونهاراً ، لأنجاز هذه المهمة الصعبة خلال ثلاثة شهور متواصلة .

أهم المناقشات وأخطرها وأعمقها تدور ، هذه الأيام ، كما في الشهور الثلاثة الماضية ، حول المكانة القيادية لثورة 23 يوليو المصرية في الوضع العربي الراهن . تتزايد الأسئلة هل ان الثورة آخذة حقاً بأفكار الاشتراكية كما يشيع ويذيع راديو موسكو نقلاً لكتابات بعض المعلقين والمنظرين من داخل الحزب الشيوعي السوفياتي ..؟

هل أن الثورة المصرية متجهة فعلاً للبناء الاشتراكي وتطوير هذا البناء ليكون مثالاً لنموذج دولة العالم الثالث ..؟

أم أن التناقضات ازدادت عمقاً بين التيارات المتصارعة داخل الثورة المصرية ..؟

بصورة عامة وأساسية فأن الأفكار المتبلورة في هذه الأيام داخل السجن لا تثق بالثورة المصرية ولا بما يقال عن تطورها نحو الاشتراكية ، كما لا يثق السجناء بعبد الناصر نفسه الذي اعلن في مرات عديدة عن عدائه للشيوعية كما انه في نظر السجناء جميعاً هو المخرب الاول لثورة تموز العراقية وهو الساعي الاول لأسقاط عبد الكريم قاسم وثورة 14 تموز. فكيف نثق به ..؟

كانت مجلة الكاتب المصرية الواصلة الينا قبل شهرين قد حذرت من نجاحات العناصر الرجعية في استغلال مواقعها القيادية في الثورة المصرية لتصفية التنظيمات اليسارية في مصر .

لا أذيع سراً إذا قلت ان غالبية مطلقة من السجناء في النقرة ربما تصل نسبتهم إلى 99 % يعتقدون ان الثورة المصرية منحرفة رغم ما قامت به من تأميم المشاريع الصناعية والزراعية الكبيرة والصغيرة والمؤسسات المصرفية والتجارة الخارجية ، حتى بالرغم من تقاربها مع الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية . الجميع يعتبرون أن انتكاسة ثورة 14 تموز يتحمل فيها عبد الناصر ، شخصيا ، دوراً كبيراً ومسئولية كبرى ، وقد غدت سمعته في خط تنازلي منذ عام 1959 أي منذ حركة عبد الوهاب الشواف الإنقلابية المتمردة في الموصل حتى تأييده الإنقلاب البعثي 1963 الذي قدم فيه لحزب البعث كل عون لأنجاحه. ولم يتدخل الآن أيضاً في قضية إطلاق سراحنا رغم مناشداتنا الكثيرة ورغم عرائض ومذكرات عوائلنا المقدمة إليه .

أخذت أفكار الصحفيين المصريين وبعض العرب المطبلين بكل نغم ينتجون أسماءً عن الأشتراكية ليست في نظرنا ذات قيمة . مثل تصور وجود ( اشتراكية عربية ) يراد لها أن تأخذ طريقها للتطبيق في المجتمع المصري . بينما تتواصل روح الأمل في القيادة المصرية بضرورة أكتشاف ( الطريق العربي الخاص الى الاشتراكية ..) . وتوزع بعض الصحف والكراسات حرارة افكار كتــّابها عن ( الاشتراكية الاسلامية ) .

كل هذه الافكار كانت تفند بافكار نعتنقها نحن السجناء السياسيين وقد كنا نناضل من اجلها ، وأعني الاشتراكية العلمية ، المطبقة في العالم الاشتراكي .

كذلك دوخت السجناء نظريات سوفياتية عديدة يطلقها منظرون روس عن ما يسمونه ( الطريق اللارأسمالي ) وغيره.

إن كل ما نقرأه في المجلات التي تصلنا في هذه الايام مثير وحافل يحمل الكثير من مستودعات الرأسمالية العالمية في الفكر والتنظير والتنظيم .

ثمة إدانة متنامية بين السجناء لمثل هذه الافكار والاجراءات السارية في مصر . فأننا نعتبرها مجرد خداع هدفه تشويه منابع الاشتراكية الحقيقية وتشويش افكار الحركات التقدمية والماركسية بالعديد من المصطلحات والتعابير التي لا تنبع من أي فهم علمي للأشتراكية الذي استقر في أعماقنا قبل دخولنا الى السجن . في اعتقادنا أيضاً ان ما يجري من احاديث عما يسمى بـ(تجديد الاشتراكية) أنما يحمل في ذات الوقت أهدافاً غير معلنة لضرب الاشتراكية ليس غير .

تبعاً لكل هذه الاوضاع والتغيرات أختلف الموقف من عبد الناصر بين السجناء .

قليل من السجناء يذكرونه بالمديح والثناء على مواقفه ضد الاستعمار .

وكثير منهم يلومونه على كل شيء يتعلق بالعراق.

وكثير منهم يلومون الاتحاد السوفياتي ، حكومة وحزباً ، وراء الاندفاع المتزايد نحو دعم عبد الناصر دعماً غير محدود لبناء السد العالي وتأييده لتأسيس تنظيمات الاتحاد الأشتراكي كبديل للأحزاب الوطنية المصرية بما فيها الحزب الشيوعي المصري والتنظيمات الماركسية الأخرى . حصل خروشوف نصيبه من لوم السجناء أثناء افتتاحه السد وتقربه من عبد السلام عارف باعتباره زعيماً عربياً ثان..!

لو يقوم الآن التنظيم الحزبي داخل السجن باستفتاء بين السجناء حول الاشتراكية الناصرية وحول الحزب الواحد وحول اشتراكية المشير عبد السلام عارف لصوت جميع السجناء بالاغلبية المطلقة ضد ذلك التجديد كله.

بعض العناصر في السجن يقدم المبررات لأمل جديد متفاءلاً بخطوات عبد الناصر ، معلناً موقفه بشيء من البهجة والتفاؤل ، معتقداً أن جمال عبد الناصر سيضغط على عبد السلام عارف لأطلاق سراح الآلاف من السجناء السياسيين في العراق بعد أن تسربت الكثير من مذكرات السجناء الى الصحف المصرية . صار أسم نقرة السلمان معروفاً على نطاق واسع كصنو لمعتقل أبي زعبل في مصر.

على أية حال تمضي الاحلام في طريقها .

الوقائع تمضي في طريقها ايضاً.

لا بد في النهاية ان يكون رأي قيادة الحزب أكثر نضوجاً من رأي السجناء المحصورين بين اربعة جدران نائية عن العالم كله .

كان السجناء بانتظاره..


يتبع
 

¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس