| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأربعاء 17/9/ 2008



نقرة السلمان
(13)

جاسم المطير

والدتي تحتضني بباب النقرة
كان يوماً من أيام السعادة حين جاءتني الوالدة في موعد مواجهة حصلت على موافقته من مدير السجون العام مباشرة..

ما زالت قبلات والدتي ندية فوق جبيني ، وما زالت حرارة تلك القبلات تدخل الأمــان الى قلبي .

ودعتها يوم أمس الأول بعينين دامعتين وبمزيد من قبلات هزت كياني هزاً عنيفاً أعادت إليّ الكثير من القوة التي تمنحها الأمومة في أول عمر الإنسان . كما أن مواجهتها الثمينة أعادت لي الكثير من ذكرياتي الماضية عن البصرة التي ما أحببتُ بلداً أكثر منها .

حين تقوم أية واحدة من الأمهات بزيارة أبنها السجين في النقرة فأن ذلك يحدث طفرة كبرى في السجن كله . تنبع من المواجهة ، بعد انتهائها ، أسئلة كثيرة من السجناء تنهال على السجين الذي حظي بمواجهة والدته القادمة من طريق بعيد أو مع زوجته التي تحمل حبا عميقا أو مع أخت تنهمر دموعها مع أول قبلة . غالبا ما تحدث بعد المواجهات " ثورة " في المعلومات السجنية المتجددة عن أوضاع السياسة في بغداد أو عن نضال الحزب الشيوعي في كل مكان أو عن الوعي المتزايد في نضال الجماهير الشعبية . معلومات وأخبار كثيرة ومتنوعة ، مدونة في رسائل أو في منشورات سرية ، تأتي مع المواجهات لتشغل السجناء جميعهم لفترة طويلة بالتحليل والتفسير لمعرفة آفاق المستقبل . كما أن السجين الذي تأتي والدته أو عائلته للزيارة سينهي قطيعته مع " الجوع " ولو لفترة قصيرة ، بما يحمله المواجهون من أكياس وكارتونات صغيرة فيها أنواع من متطلبات الغذاء الجسدي والروحي لا يسلم بعضها من سرقة أو مصادرة عند تفتيشها من شرطة السجن . مع ذلك فالخير كله يقدم إلى السجن والسجناء مع المواجهات .

بريد الوالدة وحمولاتها كانت ثقيلة وممتعة .

ثقيل وخطير حملها عليها ، وممتعة جداً بالنسبة لي .

أول شيء كانت تحمله ، رسالة حزبية من بغداد موجهة بلفافة صغيرة مكتوب عليها ( ل.ت. النقرة ) لكن ليس معها أي منشور حزبي . سلمتها في الحال الى المنظمة الحزبية ، بيد عبد الوهاب طاهر .

استنتجت ، في ما بعد ، أن الرسالة لا تحمل شيئاً مهماً ، لأن السجن ظل هادئاً. ليس كما هو الحال في كل مرة حيث تنتشر الأخبار الواردة من الخارج بعد ساعة واحدة من وصول رسالة حزبية حيث تجد الجميع متهامسين . كل سجين يهمس بأذن صاحبه ( أقول لك شيئاً خاصا لكن لا تقله لغيرك ..!) وتنتشر الأخبار بهذه الطريقة حتى تصل الى جميع السجناء .

حملتْ لي أيضاً الكثير من المواد الغذائية المعلبة وغير المعلبة . سيكاير روثمان . ملابس داخلية ودشداشة صيفية . ورق أبيض مخطط وقنينة حبر باركر أسود . أقلام رصاص . اقلام قوبية . رسالة من زوجتي . صحف بغدادية ومجلات لبنانية ومصرية عديدة . شربتْ برتقال قنينة واحدة وثلاث قناني شربتْ رمان . هي تعرف أنني أحب شربتْ الرمان أكثر من أي مشروب آخر حتى من الويسكي . خبز عرب من الكاظمية مع قنينة طرشي وبهارات من الشورجة . ثلاثة باكيتات اسبرو. نصف درزن استكانات مذهبة مع صحونها وخواشيقها الصغيرة. مع قداحتين عاديتين ، واحدة لي والأخرى هدية منها الى نصيف الحجاج . مع رسالة له من والدته ما زالت تؤكد فيها ان ابنها فيصل الحجاج حي يرزق حسب احلامها المتكررة طالبة البحث عنه في نقرة السلمان المليء بالشيوعيين مثل الدود..!

أنها أحلام بلورية يا أم فيصل . لا شيء يمكنه ان يقاوم عقارب الساعة مطلقاً. هذا هو التاريخ والحقيقة فأبنك البكر سجين في النقرة وأبنك الصغير أرتفع في سماء العراق شهيدا . لقد زرع فيصل الحجاج زرعه ومشى بلا احتفال مهيب . فالذين كانوا بقربه في قصر النهاية ومنهم هاشم محمد سعيد الحكيم أكدوا لي أن فيصل الحجاج قد أقام مجده المريح شهيدا في تراب الوطن فقد أنزله حراس قوميون مع مجموعة من رفاقه إلى حفرة الجريمة بعينين مفتوحتين وجسد حي ونسي كل شيء إلا رائحة الوطن .

وحين ترن دقات الساعة في آذان الصمت سيأتي زمان لا تسود فيه غير قبلة الإنسان في وجه أخيه الإنسان وعند ذاك يخجل التراب الاجرد من واجباته فيستقبل ام فيصل والأمهات الأخريات وأولادهن وأحفادهن وكل الأجيال القادمة ببسمات مرفوعة تحي كل جبين اختبأت فيه شمس الوطنية والشيوعية .

قولي يا أماه لأم فيصل الحجاج أن وجه النهار آت لا محالة وان باقات الأمطار ستطرز كل الينابيع الحلوة في كوت الحجاج الذي رعى طفولة فيصل وشبابه . فقد ذهبنا إلى كوت الحجاج ذات يوم بعد أن طوقتنا المثلثات البوليسية ( الشعبة الخاصة ، والشرطة المحلية والانضباط العسكري ) في صيف حار فكان طلسم كوت الحجاج هو الذي كشف لنا عن إمكانية الاستفادة من مكان صغير فيه لإخفاء مطبعة صغيرة تشبه كل الوجوه الطيبة بعد اعتقال رجاء عبد الرزاق ، فوجدت هناك طريق الحب للحرف الشفاف الذي صعد ، بعد ذلك ، الى كل الأشجار والأغصان والأوراق.

بقينا الى وقت متأخر نتحدث انا ونصيف الحجاج عن الحشائش وكتل الدور التي تغمرها عيون الطيبين الذين تتابعت صورهم لأكثر من ثلاث سنوات يشغلون مطبعتهم بفضائل كوت الحجاج لتخرج منها فضائل الأفكار .

المهم أن والدتي حملت لي اربعة كتب مهمة . كان الكتابان الأولان من تأليف ألأديب الروسي دستويفسكي ( الأخوة كرامازوف ، والجريمة والعقاب ) ورغم أنني حزرتُ أن الكتابين من طبعة تجارية ربما تكون مختصرة لكنني سررتُ لهما . كان الكتاب الثالث هو تاجر البندقية لشكسبير . الكتاب الرابع كان صغيراً عن حياة الشاعر الروسي بوشكين .

حين غادرت والدتي المكان مع الأمهات الأخريات القادمات من البصرة وغيرها من المدن العراقية ، شعرتُ في تلك اللحظة بحالة من الاختناق ، لأن فراقها كان يعني ضياع حلاوة السويعات التي قضيتها معها في ذلك اليوم العاصف برياح شديدة مع الغبار .

ما أسعد السجين حين يكون بجانب أمه التي أنجبته أو أخته التي سامرته أو زوجته التي عاشرته .

كان عدد المواجهين من الرجال ثلاثة ومن النساء تسع ومن الأطفال ستة.

بعد سفر والدتي مع المواجهين الآخرين كلهم سألتني نفسي : لماذا يكون عدد النساء في المواجهات أكثر في كل مرة من عدد الرجال المواجهين ..؟

هل المرأة شجاعة أمام الشرطة والرجل يخاف..

ثم تذكرت قولا قديماً : الطبيعة جعلت المرأة أقوى .. لكن التخلف جعلها ضعيفة .

الطبيعة جعلت المرأة أرحم .. فهي أضعف .

بعد سفرها بقليل جاء إليّ محمد السعدي وعباس بغدادي المسئولان عن تنظيم أمور المواجهة لتقديم " التهاني " إليّ بقوله :

ـ ما أروع هذه الأم ..إنها أمنا جميعاً.. أحسسنا أن أمهاتنا كن هنا ..

كانت والدتي قد أصرت قبل انتهاء المواجهة على مدير السجن على ضرورة دخولها الى السجن ولو لخمسة دقائق فقط لمشاهدته من الداخل. ظلت تلح وتصرخ حتى وافق على دخولها مع أمرأتين كرديتين وثلاثة أطفال .

ثلاث دقائق فقط شاهدت فيها السجن من داخله ، ثم هلهلت بصوتها القوي ..وهي تقول :

ـ يحفظكم الله جميعاً من كل مكروه..

قال لي مدير السجن :

ـ لقد خالف بنفسه قوانين السجون بسماحه لأول أمرأة تدخل النقرة لتشاهده .

في ذلك اليوم كتب محمد الجزائري خاطرته بعنوان " أم المناضلين " .

أول شيء فعلته بعد مغادرة " المضيف " وهو الأسم الذي كنا نطلقه على المكان المخصص للمواجهة بين السجناء وعوائلهم وهو مبني من الخوص والقصب والجادر ، على بعد أمتار قليلة خارج السجن ، هو أنني حملتُ معي أغراض المواجهة بقسمين : الأول ، مواد غذائية سلمتها حالاً الى مدير " الكولخوز " هكذا كنا نسمي المسئول الدائم عن إدارة السفرة ، أي " المدير العام " للسفرة الغذائية " يساعده كل يوم " مدير" السفرة المناوب .

بينما أخذت الملابس والاوراق والاقلام وغيرها فوضعتها في الصندوق الخاص بأغراضي .

كل يوم يقوم أحد أعضاء مجموعة " السُفرة " الخمسة بترتيب أمور استلام حصتنا الغذائية لثلاث وجبات بما في ذلك غسل الصحون وتنظيف السفرة ورمي الأزبال .اليوم ستكون واجباته مضاعفة . ستكون وجبة العشاء متنوعة بسبب تنوع المعلبات التي جلبتها والدتي إضافة الى الوجبة السجنية نفسها . .

هكذا في كل مرة تأتينا فيها مواجهة لأحد أعضاء المجموعة . نبقى على حالة التنوع الغذائي لمدة اسبوع واحد على الأقل.

كل ما في هذا السجن من الناس ( السجناء ) والحيوان ( الحمام الزاجل وغيره يعتني بابراجه بعض السجناء) والنبــات ( الخضروات التي زرعها السجناء في حدائق السجن ) والأشياء الجامدة والسائلة داخل السجن كلها تحتاج الى قوة " تعاونية " منظمة قائمة على اعتبار المجتمع السجني جسماً واحداً تجمعه المصلحة المشتركة . اعضاء هذا المجتمع يتكونون جماعات جماعات . اولها مجتمع السفرة وثانيها مجتمع القاووش وثالثها جمورية الحكم الذاتي في السجن كله .

سجن نقرة السلمان اول مجتمع في العصر العراقي الحديث تقوم بين افراده وجماعاته رابطة التعاون الجماعي أولاً وأخيراً وفي كل نواحي الحياة .

في السجن افراد من قوميات متعددة . لكن القومية لم تتشكل في مجتمع السفرة الواحدة . ليست هناك سفرة تضم عرباً فقط ، أو تضم خمسة أكراد فقط.

ليس هناك قاووش كردي ..ولم يتشكل قاووش يضم عرباً فقط.

لم تتشكل سُفرة بصراوية او حلاوية أو موصلية أو بغدادية .

ليست هناك سُفرة تضم مسيحيين فقط او مسلمين فقط .

هناك مجتمع عراقي واحد لا ينقصه غير المرأة .. أماً وزوجة وأختاً .

هناك مصلحة اجتماعية واحدة كانت تتبلور عفوياً في هذا المجتمع الواعي وتعلو على الجميع..

كل واحد حر أن يتحدث بلغته القومية ، وأن يرتدي ملابسه القومية وأن ينشد أغانيه الشعبية وأن يقرأ كتبه بلغته ، وأن يصلي أو يصوم حسب عقيدته .

كل انسان حر في ما يقول أو يفعل ما يشاء من دون التجاوز على خير المجموع أو على حرية الجميع .

كان هناك تعاون عام وتعاون خاص بين السجناء .

التعاون العام بين جميع السجناء غرضه الاساسي الارتقاء بمستوى معيشة السجناء وضمان خيرهم وراحتهم وسعادتهم الى اقصى حد ممكن .

زال ، تقريبا ، الفرق الطبقي بين سجين وآخر .

الغذاء مشاع بالتساوي للجميع .

الماء للجميع .. كمية معينة محددة لغسيل الملابس مرة في كل اسبوع ، وكمية أخرى محددة يومياً لأستحمام كل سجين .كان السجين النشيط محمد عزو هو " المدير المسئول " عن توفير المياه وتوزيعها معروف بعدالته .

الكهرباء ( اللوكس ) للجميع . يتمكن أي سجين أن يستخدم الكهرباء ( اللوكس ) بقدر حاجته .

قطع المساحة السكنية موزعة بالتساوي على الجميع .

الدواء للجميع . الأطباء السجناء في خدمة صحة السجناء . الاطباء السجناء انسانيون في معالجة السجانين المرضى وعوائلهم أيضاً.

الرياضة للجميع . يمكن السجين أن يمارسها كما يرغب ويشاء.

نظافة السجن واجب مقدس على الجميع . الجميع يشهدون ان الدكتور رافد بابان هو حامي صحة السجناء بابتداعه طريقة خاصة للتخلص من القمامة .

أما التعاون الخاص فقد جمع أصحاب المهنة الواحدة والحرفة الواحدة لتنظيمها وتطويرها لتكون مشاعة لخدمة الجميع .

أجتمع نجارون سجناء في ورشة النجارة لتوفير وصيانة جميع الاغراض الخشبية التي يحتاجها السجناء .

أجتمع حدادون على توزيع الواجبات بينهم في ورشة الحدادة لعمل وتوفير كل ما يحتاجه السجن من اغراض حديدية .

اجتمع علماء واكاديميون لتعليم الجميع .

اجتمع لغويون لنشر اللغات العربية والكردية والانكليزية والفرنسية والروسية وتعليم من يرغب فيها .

أجتمع أطباء وممرضون لحماية السجناء من الامراض في عيادة واحدة وفي نظام طبي واحد يعمل ليلاً ونهاراً بنظام الخفارات حتى في أيام العطل والاحتفالات .

الشعر للجميع .أكتبه . أسمعه . انقده .

الموسيقى للجميع .اسمعها أيها السجين وتلذذ بها في سماعة الراديو بأذنيك .

الرقص للجميع أيام الاحتفالات والمناسبات الوطنية والقومية .

الرسم والفن للجميع .

باختصار أقول : أنعدم هنا الفرق الكبير بين الأمير والمأمور وصار التعاون العام أعلى سمات الأخلاق الاجتماعية في هذه الجمهورية الصحراوية الصغيرة .

تأسست هنا تدريجياً أول جمهورية يتم العيش فيها من دون دور المال أو قوته الرهيبة .

أول جمهورية للحكم الذاتي حرمتها الحكومة المركزية من سكن النساء والاطفال .

لا تقوم أية علاقة بين مواطنينا على علاقة المال أو تبادله . ولا أثر لسيطرة غني على فقير في هذه الجمهورية التي تقودها أول حكومة شيوعية منتخبة بالاسلوب الديمقراطي المباشر في العراق..!

أول مجتمع في العالم المعاصر لا دائن فيه ولا مدين .

لكن يوجد نوع احتكاري واحد في هذه الجمهورية .

دكان واحد فقط يحق له البيع في داخل السجن والشراء من خارجه .

هذا الدكان " الأحتكاري " هو نموذج تعاوني أيضاً .

بنى السجناء هذا الدكان لبيع السيكاير والشربت والشاي والسكر والبسكت وبعض المواد الصغيرة كأبرة الخياطة والشخاطة والاقلام والدفاتر .

هامش الارباح المفروض على هذا " الأحتكار " لا يزيد على عشرة بالمائة وبذلك تكون اسعار مواده أرخص من اسعار المواد في سوق السلمان والسماوة .

تديره لجنة خاصة تحت رقابة لجنة رقابية خاصة .

في نهاية كل شهر تؤول أرباحه الى أولئك السجناء الذين لا معيل لهم ، لمن لا يأتيه مال أو حاجة من خارج السجن .

السجين المبتلى بالتدخين له عشرة سيكاير يومياً مجاناً لمن لا يملك ثمنها .

الملابس الداخلية توزع على المحتاجين .

بيجاما صيفية واحدة وشتوية واحدة لكل سجين فقير .

مساعدة شهرية لعائلة السجين الذي لا يعيلها أحد في الخارج .

المبلغ الباقي من عوائد الدكان يخصص لترقية أحوال السجن كله و لتوفير الغذاء اليومي للسجناء كافة .الدولة العراقية تخصص لكل سجين أثنين وأربعين فلساً يومياً قيمة مواده الغذائية لثلاث وجبات يومياً..!

هذا هو نظام التعاون العام والخاص الذي ابتدعه السجناء بانفسهم لأنفسهم.

هل هناك متمردون على هذا النظام ..؟

بالتأكيد. لكن عددهم قليل جداً ممن يريدون أن يحيوا حياتهم في السجن بصورة انعزالية منفردة ، عددهم لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة في أية مرحلة من مراحل السجن.

تعشينا قبل قليل . كان المطبخ قد هيأ لنا وجبة فشافيش لذيذة . استخدم مسئول سُفرتنا بعض انواع الكاري القادم الينا من المواجهة . كما أصرت الأكثرية على أستخدام الطرشي والبصل أيضاً الذي جلبته والدتي .

نهضنا من السُفرة متخمين .

وراح كل واحد منا الى هوايته .

لا أطيق صبراً ..عليّ الآن أن أتفرغ لمتابعة خطتي في الأستمتاع بالأدب الاوربي ومواصلة القراءة في ما يتيسر من كتبه .

في " العهد الثقافي " بين سجناء النقرة فقرة يلتزم بها الجميع تقول : من يأتيه كتاب من الخارج عليه أن ينهي قراءته خلال شهر على الأكثر ثم يهديه الى مكتبة السجن .

إذاً عليّ الليلة ان أبدأ بقراءة كتاب تاجر البندقية الذي جلبته والدتي . لم يتيسر لي الوقت قبل دخولي الى السجن لقراءة شكسبير فقد كنتُ ملتزماً دائماً بتنفيذ البرامج الثقافية الموضوعة من قبل قيادة الحزب الشيوعي او من قبل اللجنة المحلية ، وكلها في العادة كتب شيوعية أو ماركسية .قادتنا الحزبيون درسونا تاريخ الحزب الشيوعي الروسي ، والحزب الشيوعي الصيني ، ونظريات ماو تسي تونك ، وروايات مكسيم غوركي ، وكتابات فهد ، والدولة والثورة من لينين ونظرية ستالين عن تكوين الامة والطبقة .

كنتُ ، كما كان غيري من الشيوعيين إما التمرد على البرنامج الثقافي الحزبي فنروح نقرأ كتباً أخرى لكتاب " رأسماليين " أو لفلاسفة " غير ماديين " .أو سرقة الوقت للأطلاع على الأدب العربي ، وعلى الادب الغربي .

لذلك لم أقرأ تاجر البندقية إلاّ ملخصاً بالإنكليزية في الصف الخامس الثانوي ولم يبق في ذاكرتي منه غير أفعال اليهودي اللعين شايلوك .

المسرحية معروفة ومشهورة في ذاكرتي . لا تمر فترة طويلة في مطالعاتي خارج السجن إلاّ ويقفز اسم شكسبير أمام عيني في جريدة أو مجلة ، اتحفز لقراءته لكن سرعان ما أتخلى عن قراءة أو متابعة أعمال أو حياة هذا " البورجوازي " لقضاء وقت أفضل في الأنغمار بأحداث رواية بروليتارية سوفياتية كـ" الفولاذ سقيناه ". أو الأنشغال بأعادة قراءة تاربخ الحزب الشيوعي السوفياتي .

الليلة اتخذت قراراً في تفضيل قراءة الكاتب الانكليزي شكسبير وكتابه " تاجر البندقية " على قراءة الكاتب الروسي دستويفسكي وكتابه " الجريمة والعقاب " . كنتُ جريئاً بدون شك عند اتخاذ هذا القرار..!

أمسكتُ الكتاب منطرحاً على فراشي .

القاووش يضج بالاحاديث والنكات وحركة الرائحين والغادين . لكن ذلك لم يؤثر على قراءتي خاصة وان مرور الوقت يشدني لمتابعة أحداث المسرحية من جهة ، ويفرض الصمت في القاووش من جهة أخرى فقد حلت ساعة الهدوء داخل القاووش في الساعة العاشرة تماماً .

لم أترك الكتاب حتى أنهيتُ قراءة آخر صفحة فيه .

ثم غادرتُ القاووش قبيل الفجر للتمشي في ساحة السجن .

ما حكمة هذا الكتاب يا ترى ..؟

الشر .. أنه شيء لا بد أن يواجهه الانسان في كل يوم وفي كل مكان وفي مختلف نواحي الحياة ، مقابلاً للخير الذي لا يواجهه الانسان إلا بكفاحه .

شايلوك اليهودي بطل المسرحية هو صانع الشر ورمزه .

أنطونيو التاجر الايطالي ضحية الشر والشرير .حتى " البورجوازي " الثري يواجه الشر ..!

ما بين صانع الشر وضحيته هو " المال " الذي أقترضه الثاني من الأول بموجب " عقد " موقع بين الطرفين نصّ على " حق " شايلوك أن يقتطع رطلاً من لحم جسد التاجر إذا عجز عن سداد الدين .

استطاعت بورشيا الأنسانة الطيبة الخيرة التي أخذت دور المحامي عن المظلوم ضد الظالم واستطاعت أن تنتصر بما ملكته من ذكاء ومنطق . ويعني هذا أن الخير لا بد ان يهزم الشر في النهاية لكنه لن يهزم بسهولة .

كان ذلك هو منطق الحياة قبل اربعمائة سنة. أما اليوم فأن أجساد الناس تتقطع كلها في السجون والمعتقلات وتتمزق بسياط الظالمين الحاكمين على مر الزمن دون أن يكون للمظلوم حق الدفاع عن نفسه .لا يوجد انسان في هذا السجن لم يقتطع " الحاكمون " من جسده لحماً .

كم من الاجساد مزقت لحومها في قصر النهاية بفعل الاشرار من شايلوكات الحرس القومي ..؟

كم من الحقوق المالية والانسانية ضاعت وانتهبت .. وكم من أصحاب الذكاء والعلوم والمنطق والفن والفكر و الادب أغتيلوا وأعدموا ..؟

يا للبشاعة .. القتل الجماعي يجري تحت ظل " العقد الاجتماعي " باسم الدستور وبرعاية دولة دكتاتورية ..

يا للزمن البغيض.

قلت هذه الكلمات قبل أن أغفو مع طلوع الفجر متعباً..


يتبع
 

¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس