| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الخميس 18/9/ 2008



نقرة السلمان
(14)

جاسم المطير

مرض السجين الاول هو الولع بالقراءة
أحياناً يخامرني الخوف من المعاناة القاسية الناتجة عن بعض رتابة الحياة التي يحاول كل سجين أن يتخلص منها. لكنني أدركتُ ، بسرعة ، أن افضل وسيلة للخلاص من الرتابة هو الدخول الى نوع من الحياة اليومية بدون قطيعة ، اعني الدخول الى الثورة الثقافية التي تتيحها اجتماعات السجناء ومجادلاتهم وما تقدمه الكتب القليلة المتوفرة بين الجدران ، هنا ، للتزود بمعلومات اضافية عن الحياة خارجها وعن تعقيداتها السياسية وعن معرفة عناصرها وعن التعمق في كيفية بناء نظام اجتماعي داخل السجن .

في السجن لا يوجد أي نوع من التسكع ،

بل يوجد سباق مع الزمن . كل سجين يتسابق مع الآخر لاستدراك ما ينقصه من معلومات ثقافية أو تاريخية ، شكلية أو جوهرية ، لكي ينمي وعيه بتاريخ الماضي والحاضر ، بتراث وطني لاجداده في العراق وبإرث ٍ شيوعي ٍ، سبقه بأي مكان في العالم . اصبح السجناء هنا جماعة واحدة ، أمة واحدة ، ليس لديها من واجبات غير الاطلاع على التاريخ وأحداثه ، لكي تكون طموحاته جزء لا يتجزأ من طموحات شعبنا في بناء مجتمع حضاري في المستقبل الذي يخلو من العبودية والدكتاتورية ، سواء كان هذا المستقبل بعيدا أو قريبا ، نشيده نحن أم يشيده أولادنا أو أحفادنا كما قال كاظم فرهود ذات يوم وهو يتحدث عن وحدة الإرادة بين السجناء وعن تضامنهم الجماعي في تحدي ظلام النقرة . صار كل سجين في النقرة يطمع ان يكون ذا مستوى سياسي ارقى مما كان قبل دخوله إلى السجن . كل واحد منا يريد أن ينال من الثقافة ما حرم منها عندما كان حرا طليقا . هنا في النقرة دولة الشيوعية والمثقفين من مختلف الاجيال كل واحد له تجربته في الحياة وفي النضال وكل واحد يمكنه المساهمة في تثقيف الآخر . كل شيء ممكن وكل شيء ضروري في الثقافة والسياسة داخل النقرة وعلى الجميع ان يقاوموا العقبات التي تقف امام تطوير ثقافة السجناء كلهم .

ليس في نقرة السلمان منفذ لأنوار الحضارة لكن فيها حرية اسطورية للتزود بارادة إنسانية صلدة وتوجد مستلزمات قدرة البحث عن الخلاص من قلق الشخصية الانسانية المعذبة التي بدأ اغلب السجناء يبحثون في ارض الخلية الشيوعية البكر عن الصفاء والإخلاص للوطن قبل المجيء الى هذا المكان الشاق .

هذا هو تفكيري . لا اريد الحد منه مهما كان سجن نقرة السلمان قاسيا ومخيفا فقد ادركت ان من الممكن لكل سجين ان يتحاشى الوحدة وان يتعلم ما يفرضه عليه هذا الزمان من قسوة وظلام .

عند غروب الشمس ، بصورة خاصة ، يضطهدني خوف الى الحد الأقصى . فالظل الناتج عن الغروب لا يمنحنا شيئاً . بل هو مثلنا ، نحن السجناء ، خائف أيضاً من الليل الزاحف في كل دقيقة و يحس في هذه اللحظات أننا لا نملك شبابنا .

لقد ضاع منا ، في الغروب قبل قليل ، يوم آخر من ايام حياتنا ، لكن صوت السجناء منطلقا من هذه النقرة اصبح قادرا على اجهاض فاعلية الظالمين الذين وضعونا هنا املين ان يتراجع السجناء ويتقهقروا عن مبادئهم وآمالهم . حتى ثقافة البراءة التي نشرها الجلادون في كل مكان في السجون العراقية تراجعت وتقهقرت امام عقائدية ورومانسية قصيدة واحدة تهيجت من عاطفة الشاعر السجين مظفر النواب بنبع هائل من رموز النضال ومعانيه .

من يدري فقد تضيع أهم سنوات حياتنا بين هذه الاسوار . الأسر يكوينا بنيرانه كلما حل الظلام في ساحة الحقيقة التي تمثل كابوس القرون الوسطى في نقرة السلمان.

قبل حلول موعد العشاء بقليل أخبرني نصيف الحجاج :

ــ التنظيم قلب السجن عليك .. أنهم يفتشون عنك .

سألني : أين كنت ..؟

أخبرته أنني كنتُ في " الغرفة الخضراء " طيلة النهار أكتب بعض الأشياء الخاصة . ثم جاء أحدهم مسرعاً ليخبرني أنني مطلوب للدوام هذه الليلة في " الغرفة الخضراء " أي في غرفة تحرير الجريدة للتعويض عن أثنين من قسم الأنصات يعانيان من أرتفاع حرارتهما بسبب زكام شديد..

وجدت نفسي أمام واجب جديد في هذه الليلة سأخسر فيه بضع ساعات من استعداداتي المتواصلة منذ أسبوعين لكتابة مقالة عن القصة القصيرة بقصد تقديمها الى الندوة الاسبوعية التي تعقد غداً الخميس في القاعة رقم ستة .

فماذا تضمر لي هذه الخفارة المفاجئة في الغرفة الخضراء . هل بامكاني إستكمال مقومات بحث كلفتني به اللجنة الثقافية ..؟

لا تضمر لي الغرفة أي سوء فقد كانت في الشهور السابقة مصدراً مهماً من مصادر معلوماتي وتنمية ثقافتي السياسية والادبية معاً . لم يكن أي واحد منا يتوقع أن تكون النقرة مكاناً جامعياً وموسوعياً للتعلم ولتنمية الثقافة بما فيها الثقافة الماركسية . صرتُ لهذا السبب أحب ساعات الفراغ أكثر من ساعات العمل .

غدت ساعات الفراغ أحب الساعات عندي أجدد فيها قراءتي وكتابتي ، وهي أيضاً تجد فيّ صاحباً متجدداً. كل يوم أجد ساعة واحدة .. ساعتين .. ثلاثة .. أكثر ، لكنها جميعاً أحبها وتحبني . الحب بيننا هو السبيل الى كمال القراءة . لا تتخلى مواهبي عن القراءة قط . لسوف أتولع بها الى أقصى حد ممكن .

قضيتُ كل ساعة من وقت فراغي في السجن أقرأ بشراهة عن طبقات الأشراف والحكام والجلادين والفقراء . قرأتُ في السياسة وتلذذت بها . قرأتُ في الادب واستمتعت به . قرأتُ في الدين خلال الايام القليلة الماضية . قرأتُ بعضاً من القرآن والتوراة والانجيل.

كنتُ بسبب المرض والتعب اللذين أعاني منهما ، في حالة اجتماعية محدودة العلاقات داخل السجن مبتعداً بشكل ما عن المصاحبات الواسعة . أبلغني اليوم أحد أعضاء التنظيم الحزبي أنني أصبحتُ عضواً في اللجنة الثقافية في السجن . كان معنى ذلك مزيداً من الواجبات ومزيداً من العلاقات .

دخلتُ الى الغرفة الخضراء لآخر مرة فقد طلبتُ من التنظيم أن تكون هذه " الدخلة "هي الأخيرة .

صادفتُ خلال الانصات خبرين جديدين عليّ رغم انقضاء سنة تقريباً عليهما .

الأول وفاة ناظم حكمت حين كنتُ في داخل مقر الحرس القومي في العام الماضي ولم أسمع به.

الثاني مقتل الرئيس الأمريكي جون كندي عندما كنا منتبهين الى سياسة عبد السلام عارف بعد انقلابه على البعثيين ففاتتني تفاصيل اغتياله.

لا أدري لماذا جاءتني فكرة أرتباط مظفر النواب بناظم حكمت . قررتُ متابعة اسباب ورود هذه الفكرة في ذهني ومحاولة الكتابة عنها لاحقاً. هذا الشاب مظفر النواب ليس من نوع الشعراء الاعتياديين فهو كما يرى الكثير من السجناء يملك صفات شخصية من نوع فيها تمييز مطلق عن الشعراء الاخرين مما يستوجب عليّ او على غيري من محبي شعره ان يتقدموا اولا على طريق تحليل مكونات هذه الشخصية لكي يعرفوا كل اداة من ادواته الفنية في الشعر والنثر اللذين يمارس بهما انتاجه التعبوي والتحريضي لسامعيه .من يسمع قصائده أو احلامه يجدها خاضعة لمنطق مصالح الشعب العراقي في مسعى خاص لتنمية القوة داخل الناس المكافحين وخاصة من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي فهو شاعر يريد ان يوجد تطابقا بين مفهوم النضال الوطني مع مفهوم الجماعة الشيوعية التي تقف في طليعة النضال . قد تجده منظمة الحزب السجنية في هذه الايام مخالفا للتيار السياسي السائد لكنه يظل من جميع النواحي محفزا ودافعا لبناء شخصية مكافحة وقوية لسجناء النقرة . لذلك صار مظفر النواب في اعين الجميع من الواقفين على اليسار أو على اليمين مؤسسا لعلاقة عليا في تضامن جميع السجناء بوعي عال من اجل الحرية والديمقراطية وصارت شخصية النواب تجسيدا لارادة السجناء كلهم الذين يجدون فيه صوتا يمكن ان يستمد كل سجين منه قوته وعزيمته وصموده .

مرة ثانية اقول لماذا وجدت علاقة ما بين الشاعرين ، مظفر النواب وناظم حكمت ..؟ لكنني لا ادري نوع العلاقة وحجمها ثم وجدت نفسي حائرا في الحصول على جواب رغم أنني سرعان ما ادركت ان كلا الشاعرين مندمجان بالشيوعية . مثلما راح ناظم حكمت المنحدر من عائلة غنية ، بوعي شعري عال ، الى صفوف الكادحين في الحزب الشيوعي التركي باعتباره قلعة شامخة ، كذلك راح مظفر النواب المنحدر من عائلة ثرية ، بوعي عال في مكانة الشعر الشعبي في قلوب وعقول الناس ، الى الحزب الشيوعي العراقي باعتباره قلعة حصينة فرعها في السجون وأصلها على ضفاف الرافدين وعروقها في ضمير الفقراء . كلاهما يتواصلان مع الشيوعية الى الأبد وكلاهما استمدا قوتهما من ينابيع شعبيهما . لم ترعبهما احكام الاعدام ، كائنة ما تكون نتائجها ، شعورا منهما ان الاعدام والسجون لا تلغيان قدرة الشعر على معاقبة الظالمين .

لا اريد ، الآن ، أن اتابع موضوع هذه العلاقة لأن هناك في سجننا شاعر آخر هو ألفريد سمعان يملك في شعره تصورات ومفاهيم مثلما يملكها ناظم حكمت ومظفر النواب لكشف القوة الوحشية الحاكمة التي شيدت مثل هذا السجن في كل مكان لكي تحافظ على وجودها على راس السلطة . سأترك الحديث عن السجن والشعراء أو عن الشعراء السجناء الى فرصة أخرى في المستقبل . لكن الليلة مخصصة عندي لمعرفة اسباب محددة عن مقتل الرئيس الأميركي كندي الذي أغتيل في شهر تشرين الثاني الماضي 1963 فقد اطلعت على بعضها قبل ايام في صحف بغدادية واردة الى السجن تحدثت عن شخص القاتل المدعو " أوزوالد " . اسمه هارفي اوزوالد . قيل في جريدة بغدادية ، وحتى في تقارير الاذاعة الامريكية سمعتها هذه الليلة بأنه كان قد زار الاتحاد السوفياتي طالبا منحه حق اللجوء السياسي . ولما وجد صعوبة في تحقيق ذلك عاد الى امريكا وتدرب على اطلاق الرصاص على بندقيته التي اشتراها بواسطة ( الطلب البريدي ) فقتل بها الرئيس كندي برصاصة اصابته في أعلى العمود الفقري واخرى في رأسه . اعتقلته الشرطة بعد ساعات من اطلاق النار . ثم ادخل الى السجن فهجم عليه ذات يوم شخص اسمه جاك روبي وقتله داخل السجن.

أثار خبر أغتيال جون كندي الذي وصل الى علمي بعد اشهر عديدة ، نوازع كثيرة .

كنتُ أتابع قبل دخولي الى السجن قيادة هذا الرجل للولايات المتحدة الامريكية . كتبتُ مقالتين عنه وعن تحديه للأتحاد السوفياتي ، واحدة في صوت الاحرار والثانية في جريدة بصراوية . وقد أشرتُ في المقالتين أن السياسة العالمية في طريقها الى التغير لصالح الرأسمالية بسبب التدخل الامريكي ومنافسته لبريطانيا العظمى وفرنسا في شئون عدد من دول العالم في الشرق الاوسط وفي جنوب شرقي أسيا ، بما في ذلك تطويق الاتحاد السوفياتي ودول اشتراكية أخرى خلال السنوات العشرة الاخيرة .

بدأت أولى البوادر بهذا الصدد في قيام الأمريكان بالدعم الاعلامي والتجسسي لأحداث وقعت في دول المنظومة الاشتراكية منها المظاهرات العنيفة لعمال برلين في المانيا الشرقية حزيران 1953 وهو نفس اليوم الذي جرت فيه مجزرة السجناء الشيوعيين في سجن بغداد المركزي على يد الجلاد عبد الجبار ايوب . كذلك في احداث هنغاريا وبولونيا في عامي 1955 و1956 ثم جرت اول محاولة لغزو كوبا عام 1961 وهي المحاولة المعروفة باسم عملية خليج الخنازير . أسوأ عملية عسكرية فاشلة تدعمها المخابرات المركزية لتغيير نظام دولة اشتراكية . أعترف جون كندي نفسه انه يتحمل مسئولية هذا الفشل .

بعد عام ، أي في 1962 ، ظهرت ازمة جديدة في العلاقات الامريكية السوفياتية عندما علم الأمريكان بأن السوفيات قد اقاموا قواعد للصواريخ البعيدة المدى في كوبا.

عاش الناس في خوف بكل مكان . يمكن ان تحدث هيروشيما جديدة في اية لحظة . ما هي إلاّ غلطة صغيرة محدودة من طيار مجنون فيندلع ما يبتلي به مستقبل العالم كله . ارتفع صوت انصار السلام في العالم أجمع من باريس حتى مدينة البصرة يحذر وينذر . كان العسكريون الأمريكان والسوفيات يسألون أنفسهم : من ينتصر في الحرب ..؟

جاء الجواب من انصار السلام : لا أحد يكسب من الحرب بل يجب منعها . ربما لا يعيش بعدها انسان على الكرة الارضية . كل حرب عالمية جديدة ستكون حربا ذرية - هيدروجينية لن تكون نتائجها كالحربين العالميتين الغابرتين ، ستكون قاضية على جميع أسباب الحياة .

عاش العالم كله في ذلك الوقت أياما عصيبة لمتابعة الازمة وتطوراتها التي اتخذها جون كندي وسيلة تهديدية لارغام الاتحاد السوفياتي على سحب صواريخه من كوبا .ونجح بالفعل في تحقيق ذلك في اللحظات الاخيرة التي صار فيها العالم كله على شفا حرب نووية عالمية لولا تراجع الاتحاد السوفياتي .

اعتبرت الصحافة الامريكية هذا التراجع أنه الاول بالنسبة للأتحاد السوفياتي الذي يعرف بصلابته في مواقفه المتشددة ازاء الغرب وهو لم يعرف أي تراجع بمثل هذا المستوى منذ نشوئه حتى ذلك الوقت . بل ان بعض الصحفيين الأمريكان والاوربيين اعتبروا التراجع السوفياتي مؤثرا قويا في تراجع حركة التحرر الوطني وانه على العموم هو بداية تراجع شامل امام هجوم رأسمالي بعيد المدى .

ها نحن الآن في نقرة السلمان نتذكر هذا " التراجع " الشيوعي . ثم بدأنا نتذكر بمناقشاتنا اليومية كيف " تراجعنا " ، في ذلك الحين ، ايضا . كنا نحن الشيوعيين العراقيين في حالة تراجع وثورة 14 تموز تواجه خطرا كبيرا عليها مثلما الثورة الكوبية تواجه خطرا امريكيا ضدها . يأتي هذا الخطر بالذات من جون كندي المتحمس ضد الثورتين.

كان عبد الكريم قاسم يلتقي ، من دون أن يدري ، مع أعدائه البعثيين والرجعيين والناصريين في تقييد حركة الحزب الشيوعي العراقي . آلاف من الشيوعيين في المعتقلات والسجون ومنها هذا السجن ايضاً حيث أعيد فتحه وتوسيــعه .

منعت وزارة الداخلية إجازة الحزب الشيوعي في العمل القانوني العلني .

أشكال من التضييقات على جريدة الحزب ( اتحاد الشعب ) حتى تم إغلاقها .

صدورأحكام بالأعدام بحق شيوعيين متهمين بقضايا الموصل وكركوك .

منع الشيوعيين من السفر .

حرب قامت ضد الاكراد .

فسح المجال أمام القوى المناوئة للفوز بانتخابات المنظمات الجماهيرية .

أغتيالات عديدة للشيوعيين في الشوارع وغيرها .

حملة صحفية واسعة تقودها جريدة ( الثورة ) المقربة من عبد الكريم قاسم ومن صحف أخرى لشتم الحزب الشيوعي وتلفيق مختلف الاتهامات حول سياسته ومواقفه .

نجحوا جميعاً في دق الأسفين بين الشيوعيين والديمقراطيين من جهة وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى .

أكثر الاشياء إثارة ، وقبل مرور نصف عام من عمر ثورة 14 تموز ، أن الديمقراطيين العراقيين أثبتوا أنهم لم يكونوا ديمقراطيين ..! فهل يمكن نسيان موقف الديمقراطي المخضرم حسين جميل من الحريات الصحفية التي لم يصبر فيها على مقال واحد كتبته جريدة اتحاد الشعب كمقالة أفتتاحية حول التعديل الوزاري الذي أجراه عبد الكريم قاسم . دخل حسين جميل بموجبه الى الوزارة بصفته وزيراً للأرشاد . دخل الوزارة يوم 7 شباط وفي 9 شباط أغلق اتحاد الشعب لمدة اسبوعين . حتى عبد الكريم قاسم لم يرض على تسرع حسين جميل فألغى أمره الذي أدى بحسين جميل الى تقديم استقالته .. فأي ديمقراطية هذه لعنصر قيادي في الحزب الوطني الديمقراطي الذي من أول أسسه و مبادئه هي الديمقراطية .

لم نكن بوقته على وعي تام بالدسائس التي تحاك للأيقاع بين الشيوعيين وبين عبد الكريم قاسم . القوميون يضغطون على الزعيم لمحاربة الحزب الشيوعي .

جمال عبد الناصر له وسائله الخاصة بما فيها الوسائل المكشوفة للضغط على عبد الكريم قاسم لضرب الحزب الشيوعي .

عناصر كثيرة ملتفة حول عبد الكريم بما فيهم صاحب جريدة الثورة يونس الطائي وصاحب جريدة بغداد خضر العباسي ، يسندهم مباشرة وغير مباشرة لترويج الاكاذيب ضد الشيوعية والحزب الشيوعي العراقي وتوجيه التهم الباطلة الى حد اتهام الحزب الشيوعي أمام عبد الكريم قاسم بأنه يحضر للقيام بانقلاب عليه .

الصحافة الانكليزية والامريكية تواصل كتابة مقالات الدس . الدبلوماسيون الانكليز والاميركان في بغداد يواصلون أتصالاتهم مع شخصيات عراقية ، سياسية ورسمية وعسكرية ، ولا تخلو الاتصالات من محاولات الضغط على فائق السامرائي ومحمد حديد وخدوري خدوري وكامل الجادرجي وحسين جميل ومع شخصيات من الحكم الملكي ( نديم الباجه جي ) ومع قادة عسكريين في الجيش العراقي بما فيهم احمد صالح العبدي لحثهم ضد الشيوعية .

حتى انهم حاولوا الضغط على المثقفين العراقيين المنعوتين باليسارية والشيوعية فاتصلوا بمحادثات خاصة مع الدكتور صلاح خالص سكرتير اتحاد الادباء الذي كان واعيا لمدسوسات محدثه المرسل من قبل السفارة البريطانية في زيارة ودية كما قالوا لاتحاد الأدباء .

ادخلوا الى ذهن عبد الكريم قاسم والمحيطين به بأن الشيوعيين يريدون السيطرة على السلطة .

سربت السفارة البريطانية اخبارا الى احمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام بأن الشيوعيين يضعون اسمه على رأس قائمة الاغتيالات .

لم يكن عبد الكريم واعياً لمثل هذه الدسائس وخاصة لم يكن واعياً لدسائس السياسي البريطاني انتوني ناثنك الذي زار العراق وقابل عبد الكريم ثم عاد الى لندن ليملأ الصحف بمقالات تحريضية ضد الشيوعيين ومارس ضغطاً شخصياً بنفس الاتجاه على صديقه الشخصي جمال عبد الناصر اثناء زياراته الشخصية لمصر . قام بالتشهير أيضاً ضد رئيس محكمة الشعب فاضل عباس المهداوي الذي كان قد وجه نقداً لاذعا اثناء تهريجه بالمرافعات للصحفي البريطاني ( انتوني براون ) الذي شن حملة واسعة في صحيفة الديلي ميل ضد الحزب الشيوعي العراقي بعد زيارته الى بغداد . وقد كان الأثنان :انتوني ناثنك وأنتوني براون قد استغلا أخطاء المهداوي وتهريجاته الزائدة اثناء المحاكمات بما لا ينسجم مع مبادىء العدالة وحيادية القضاء .

هل يمكن نسيان الدور الذي لعبه محمد حديد وقادة الحزب الوطني الديمقراطي في الاستجابة لطلب عبد الكريم اللاواعي بالدعوة الى تجميد الاحزاب والحياة الحزبية على أعتبار( أن الأحزاب أم المشاكل ) ..!!

كانت خطوة " الديمقراطيين " بتجميد حزبهم وأعلان ذلك في صحيفتهم ، في أعقاب مطالبة الجماهير في شوارع بغداد بمظاهرة المليون صوت المنادية بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم ، وهو الشعار الذي أرعب جميع أعداء وخصوم الشيوعية في العراق والوطن العربي وفي الأوساط الأميركية والانكليزية الرسمية .

أول شيء فعله قرار التجميد هو انقسام قيادة وكوادر الحزب الوطني الديمقراطي الى قسمين : كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد وجعفر البدر وهديب الحاج حمود وهم من رواد الديمقراطية في العراق منذ الثلاثينات . وهم جميعا انفردوا باصدار قرار التجميد ونشروه بتوقيع الحزب الوطني الديمقراطي من دون ان يعقد للحزب مؤتمر عام لتقرير مصيره مما جعل العديد من كوادر الحزب تصدر بيانا مخالفا لبيان التجميد كان من بينهم عبد الله اسماعيل البستاني وعبد المجيد الونداوي وعلي جليل الوردي وعبد الحليم كاشف الغطاء وحسان عبد الله مظفر .

كانت هذه أهم انتكاسة معادية للديمقراطية خلقت أوضاعا مناسبة أمام اعداء عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي لمواصلة مساعي التآمر للقيام بانقلاب عسكري هدفه أيقاف مد الشيوعيين أو ذبحهم . وليس أدل على ذلك من محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم نفسه 1959 الفاشلة .

كل هذا كان يؤذن بأن الطريق بات مفتوحاً على مصراعيه لأنقلاب عسكري هدفه الأول ذبح القيادات الشيوعية ووضع القواعد في السجون وفي سجن النقرة بالذات .

لم يستطع جون كندي اسقاط الثورة الكوبية بفعل المساومة السوفياتية ـ الأمريكية . لكنه أستطاع أن يسقط ثورة 14 تموز بفعل الصمت السوفياتي وانقسام الحركة الوطنية وتدخلات جمال عبد الناصر .

هذه الأفكار ضمنتها بمقالة قصيرة كتبتها للجريدة السجنية ، لكن هيأة التحرير رفضت نشرها بدعوى أنها " يسارية متطرفة " .

هذه أول مرة أواجهها في نقرة السلمان لمنعي من حق التعبير . خاصة وأن السجن كان يغلي في تلك الايام فقد جاء موقف بيان آب مؤكداً وقوع قيادة الحزب تحت تضليلات عبد الناصر واتحاده الاشتراكي بعد كل تلك المواقف التي وقفها عبد الناصر من الحزب الشيوعي منذ عام 1958 وحتى هذه اللحظة التي يقبع فيه الآلاف من الشيوعيين في سجون حلفائه .

جاء بيان الحزب ( بيان آب 1964 ) صدمة كبيرة ضد واقع تفكير الآلاف من السجناء الذين منحهم سجن السلمان فرصة اعادة النظر بمجمل سياسة الحزب في الفترة القاسمية . الصدمة الحقيقية هي في قول البيان وتأكيدات قادة الحزب لاحقاً على أن تأميمات عبد السلام عارف " الأشتراكية " قد أعادت الحياة الى ثورة 14 تموز..!! كما أبدى الحزب استعداده للأنضمام تحت راية التنظيم الناصري ـ العارفي المسمى بالاتحاد الاشتراكي والذوبان داخله ، فأنقلب السجن على رأسه بالاحتجاج وباتهام الحزب بالانحراف عن جادة الماركسية .

في البداية ظهرت أصوات السجناء محتجة خافتة .

لكن سرعان ما تحولت الأصوات المحتجة علنية بأصوات صارخة لدى الشيوعيين العسكريين ، ولدى العسكريين التقدميين جميعاً.

في الوقت الذي كان فيه عضوا اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ، باقر ابراهيم وأنور مصطفى ، يفلسفان تطورات العصر الجديد وبلوغ عبد السلام عارف سن الاشتراكية ، كان حلفاء عارف أنفسهم يتخلون عنه وعن اشتراكيته الجاهلة وعن اتحاده الاشتراكي.

بعد شهر واحد بدأت تصل الى داخل السجن من مصادر عديدة أخبار الصراعات الداخلية بين صفوف مؤسسي الاتحاد الاشتراكي العربي. قيل ان جماعة هشام الشاوي ( الرابطة القومية ) تهدد بالانسحاب من الاتحاد الاشتراكي . وجماعة المحامي عبد الرزاق شبيب ( الحزب العربي الاشتراكي ) أعلنت انسحابها .

ووصلتنا اخبار أخرى عن احتدام الخلاف بين عبد السلام عارف وحلفائه من القوميين فأن مجموعة أياد سعيد ثابت ( الوحدويين الاشتراكيين ) قد انسحبت . وان صبحي عبد الحميد ومجموعته من اعضاء الحركة العربية الاشتراكية يهددون بالانسحاب .

القوميون العرب من مجموعة سلام أحمد ، هاشم علي محسن ، وعبد الأله النصراوي على خلاف شديد ومحتدم مع عبد السلام عارف.

جماعة فؤاد الركابي ( الوحدويون الاشتراكيون ) تهدد بالانسحاب .

مجموعة خيري الدين حسيب واديب الجادر وخالد علي الصالح يصرحون ، علناً وسراً ، أن قيادة عبد السلام عارف لا تصلح للأتحاد الاشتراكي .

فهل ينسحب الحزب الشيوعي من هذا النفق أيضاً..؟

كان لا بد للسجين السياسي في النكَرة أن يقول كلمته :

كانت كلمة (لا..) صريحة وقوية تنطلق سراً وعلنا في ساحات السجن وفي اجتماعات خلاياها . لا لسياسة حل الحزب الشيوعي . لا للتحالف مع الجلادين . لا للذين يحبسوننا في السجون .

كما ارتفع أحتجاج مظفر النواب شعرياً ، مرة بالتلميح لأنحراف سياسة الحزب ومرة بالتصريح المباشر.

تسرب خبر من الخارج أن مصمم السياسة اليمينية الجديدة داخل العراق هو باقر أبراهيم وعبد السلام الناصري في خارجه . ولم يكن أحد قادراً على الجزم بصحة دور هاتين الشخصيتين الشيوعيتين في رسم السياسة الجديدة .

كما ثبت من خلال إذاعة موسكو ان الشيوعيين المصريين والسوفيات كانوا وراء الضغط على قيادة الحزب الشيوعي العراقي لقبول التحولات الجديدة تحت دعاوى ومتطلبات مرحلة التطور اللارأسمالي .

ألاحظ أن التنظيم داخل السجن لم يكن متحمساً لسياسة اللجنة المركزية . لم يمنع أحداً من حق التعبير العلني عن رأيه . لم يعاقب أحداً من المحتجين ، حتى الذين شتموا الحزب أنفعالاً أعطاهم التنظيم الأذن الطرشة. كان هندال جادر( عامل من البصرة ) يصرخ بأعلى صوته : سوف أنتحر أذا حل الحزب الشيوعي نفسه . أما علي عامر ( ضابط صف قديم ) فكان يصرخ أيضا : تسقط المؤامرات ضد الحزب الشيوعي العراقي .

أكثر المتحسين والدعاة للسياسة الحزبية الجديدة داخل السجن هو صاحب الحميري ،وصادق الفلاحي ولو بدرجة أقل . أكثر المتحمسين والدعاة ضدها هو مظفر النواب في قصيدته التي انتشر ترديدها بين السجناء :

حمدان يا رب القراطة أعتمر ..

ينادي فيها الحزب الشيوعي بالنهوض الثائر عبر خطابه الى حمدان القرمطي.

حمدان هو القائد ..

والقرامطة هم الشيوعيون الثوار..

كلاهما صاحب الحميري ومظفر النواب أعتقلهما السافاك في إيران وتم تسليمهما الى البوليس العراقي . سأحاول الحصول على تفاصيل قصة الاعتقال من مظفر ، فعلاقتي مع صاحب الحميري بدأت تسوء بسبب مناقشاتي السياسية الطويلة معه ، وكل واحد منا متشدد في رأيه.

واجهتنا اليوم صدمة كبيرة هزّت السجن هزّاً عنيفاً فقد قرر ثمانية عشر سجيناً الذهاب الى إدارة السجن لأعلان رغبتهم بالتوقيع على البراءة من الشيوعية . تم ذلك خلال ساعة واحدة وقرر مدير السجن نقلهم على الفور الى السماوة تمهيداً لأرسالهم الى بغداد لإطلاق سراحهم .

قال بعض السجناء معلقاً على الحادث :

ـ الضعفاء كانوا في ازمة وجدوا حلها في البراءة .

قال آخرون :

ـ أن شر الأزمات ما يغلب نفس الانسان فيجعله جباناً.

وقال غيرهم :

ـ أن أصل الخطيئة يعود الى منظري سياسة الحزب الجديدة فقد أشاعت اليأس بين بعض السجناء فأضاعوا طريق الرجاء.

لا شك ان وقائع الحياة السياسية في السجن متنوعة وحادة بسبب وجود كتلة بشرية سياسية هائلة في مكان واحد. كذلك أن تنوع التأثيرات في حياة السجناء وعلاقاتهم ، ظاهرة عامة تشمل السجناء في الداخل وتشمل الآهل والأقارب والأصدقاء في الخارج .
 


يتبع
 

¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس