| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 22/9/ 2008



نقرة السلمان
(15)

جاسم المطير

العقل الحاكم يرسخ القمع بعد سقوط الحرس القومي

لا أدري هل سيكون غداً أسوأ من اليوم ..

أيمر هذا اليوم ، ويمر غداً وبعد غد حتى نصل الى الأسوأ ، أي الى الموت ..

نحن ، هنا ، في سجن النقرة ، نحب الحياة لكننا لا نرفض الموت إذا جاء . فلقد جاء الى كل واحد من مرات عديدة من قبل ، سواء في المظاهرات التي يطلق عليها الرصاص أو حين وقعنا بأيدي الذين لا رحمة في قلوبهم ، وكان آخر من وقعنا بأياديهم هم الذين يعشقون الموت أكثر من غيرهم : الحرس القومي .

زمر الحرس القومي مثلها كمثل أي زمر نازية وفاشية ، في ألمانيا وفي إيطاليا ، منها تعلموا الاساليب والافكار . مهمتها الاولى هي ان تكون القوة البوليسية القمعية موجهة ضد الحرية . لقد ضاعت حريتنا ، نحن آلاف السجناء ، ليس فقط بقوة الحرس القومي ، لكن استمر ضياعها بوحدات قمعية قياسية شبيهة ، يمارسها ، الآن ، بعد سقوط الحرس القومي ، نظام بوليسي أيضا يقوده عبد السلام عارف بطريقة مطابقة للحرس القومي . ربما بعنف ٍ أقل درجة كما يقول كل راديو وكل صحيفة من راديوات وصحف عربية تابعة لحكومات حليفة لعبد السلام عارف أو متساهلة مع نظامه أو تطمع في مصالح اقتصادية في العراق . حتى في دول غربية ( ديمقراطية ) وشرقية ( أشتراكية ) نجد في بعض اقوال إعلامها : ان القمع تناقص كميا ونوعيا بنسب كبيرة عما كان في ايام الحرس القومي ، بل ان بعضهم يعتقد أو يصرح علنا أن بعض الحرية قد عاد الى الشعب العراقي . هؤلاء يتجاهلون عن عمد أو عن غباء ان اول نوع من العداء للحرية هو عزل دعاة الحرية عزلا تاما عن الحياة وزجهم في سجون شبيهة بزنزانات الاعدام . الفرق الوحيد بين ممارسات جهاز الحرس القومي وجهاز الامن الحالي ، جهاز عبد السلام عارف ، هو ان الاول قتل الحرية بلا قانون بينما الثاني يقتلها بقانون شكلي . الاول سجننا بلا قانون ويستمر الثاني بابقائنا في السجون اعتمادا على تحديدات قانونية يضعها بكيفية معينة للمحافظة على وجوده في السلطة كي لا يسقط كما سقط نظام الحرس القومي . في الفترتين والنظامين لا يوجد أي شكل من اشكال العدالة .

خبر جاء إلينا من خارج السجن عن موت ٍ آلمنا أشد الألم ورفضناه لكننا صدقناه .

حين قرأتُ رسالة والدتي كذبتُ عيني ، ثم كذبتُ الخبر .

خبر جديد عن ضحيتي جديدتين يقدمها اثنان من الشيوعيين احدهما شديد التمسك بالفكرة النقابية كوسيلة للدفاع عن حقوق العمال والثاني بسبب اصوله الرياضية يبدو عليه شيئا غريبا حين يصبح جسده ذات يوم معلقا على خشبة الاعدام . في النقرة كان السجناء جميعا يبلورون مفاهيم الاخوة الوطنية والتسامح والتضامن مع الشعب العراقي لكن نظام الحكم في بغداد ما زال مصرا على مواجهة قيم المناضلين القابعين في السجون بحبال المشانق ، فروح القمع ما زالت تسود الدولة والغرق في لجة الممارسة البوليسية .

هذا خبر حمل الينا فعلا شنيعا من افعال نظام ما بعد سقوط الحرس القومي . انه فعل شرير صادر عن سلطة مريضة ايضا وباسلوب قائم بمستوى افعال الحرس القومي .

فهل يعقل انهم يعدمون صديقي عبد الله رشيد ورفيقي كريم حسين في هذه الأيام التي تتعالى فيها أصوات من العالم المتمدن كله منادية بإطلاق سراح السجناء السياسيين . هل يمكن ان يقوم النظام العارفي بعمل هو في جوهره الشرير تابع من توابع ممارسات الحرس القومي ..؟

طوينا الأيام والأشهر والسنين نتابع قضيتهما والمطالبات الكثيرة التي تناشد حكومة عبد السلام عارف ، باسم الانسانية مرة وباسم القيم الاخلاقية مرة اخرى وباسم الحرية في مرة ثالثة ، لإلغاء الحكم المجحف الصادر بإعدامهما . كنا نطمح المزيد ، أي بإطلاق سراحهما فوراً لأنهما بريئان كل البراءة .

لكن هكذا يبدو الآمر صحيحاً . فالحكومة الحالية بنظرنا ما زالت مريضة تعتمد في علاج نفسها باحكام الاعدام .

لا فرق بين الحرس القومي الذي يقتل المناضلين بالرصاص أو بالتعذيب وعبد السلام عارف الذي يعلق المناضلين على أعواد المشانق باليد اليسرى ويفاوض الشيوعيين للدخول الى الاتحاد الاشتراكي باليد اليمنى .

كل واحد يموت . هذه هي نهاية الحياة مثلما هي حقيقتها .

يموت البعثي أنس طه مقتولاً بتهوره وبعدائه للاحرار .

ومن ثم يموت عبد الله رشيد وكريم حسين قاتلين ومقتولين دفاعا عن الحرية والأحرار . أمر ينبغي أن نستخرجه من وجوده الماضي .

الحق أقول أن الألم أوقع ثقله عليّ وجثم فوق رأسي المتقلب على وسادة السجن يمنة ويسرة منذ لحظة قراءة الخبر في الرسالة وحتى الآن حيث بدأ شروق الشمس . قالت الرسالة أنه تم تنفيذ حكم الإعدام بحياة عبد الله رشيد وكريم حسين . وقد شاهد عدد من أهالي البصرة جثتيهما معلقتين بالحبل الغليظ غير العادل ، فتعرضت مدينتنا الطيبة ، مدينة البصرة ، من جديد ، الى ضغط الآلام والنكبات .

عقدتُ موازنة سريعة بين اليوم الذي قرأتُ فيه خبر إعدام هذين المناضلين البريئين ، واليوم الذي قـُتل فيه البعثي القاعدي أنس طه ، والأيام التي ارتبطتُ بها بصداقة عميقة مع الطرفين .

لا أدري الآن أية كفة هي الأرجح .. أهي كفة الذكريات أم هي كفة القتل أم كفة الإعدام ..؟

حسناً سأرتضي لنفسي موقف التنازل أمام الذكريات والقتل والإعدام ، ولأمعن النظر في بعض التناقضات التي كانت وراء ذلك كله .

أحياناً يعشو الإنسان لمجرد أن ذرة من الرماد قد دخلت الى عينيه . فهل كنا جميعا ، نحن الأربعة ، ضحايا ذرة من رماد ..؟

أنا ضحيتُ بذكرياتي .

وصديقاي ضحيا بحياتهما . أولهما أنس وثانيهما عبد الله .

يضاف إليهما الضحية الثالثة كريم حسين الذي ما ارتبطتُ به بغير العلاقة الحزبية .

هل ما زال المجتمع العراقي مخدّر الى هذه الدرجة ..؟ ألا توجد في هذا العالم كله قوة تدافع السجناء العراقيين السجناء الضعفاء ..؟ ألا توجد في العالم قوة او مؤسسة تدافع عن محكومين بالاعدام قسرا وظلما في مجتمع ليس فيه عدالة ولا قضاء نزيه ولا اكتراث بحياة الناس ..؟

لم أجد جوابا ، كما يعجز كل سجين حر عن الإجابة مثلي تماما . لم يكن امامي في تلك الليلة غير الجدل مع ذاكرتي لاعادة البحث في قلب الحدث أي في جوهر الامر الذي ادى الى مقتل البعثي انس طه واعدام الشيوعيين عبدالله رشيد وكريم حسين . قد يكون الحق لسجين مثلي معزول في نقرة السلمان ان يبحث عن اسباب ضياع كرامة الانسان العراقي الى هذا الحد بنزعات متسلطة لحكام لا يعرفون لكرامة الانسان معنى ولا لحرية الانسان معنى فينزعون بسهولة حياة من يشاءون من السجناء .

يقال أنه في لحظة قصيرة واحدة يمكنك ان تعبر الأيام والسنين . ها أنذا أعبر الى تلك الأيام التي كنا نجلس بها ، أنا وأنس طه ، على " رحلة " واحدة في المدرسة المتوسطة النهارية ومن ثم الثانوية المسائية ، أو كنا على الأقل نجلس على رحلتين متجاورتين . كان كل واحد منا يحمل في عقله أفكاراً مغايرة للآخر .

كنتُ شيوعياً نشيطاً ، بينما كان هو خاملاً من أتباع حزب البعث العربي الاشتراكي .لا أعرف بالضبط إن كان عضواً فيه أو أنه مجرد مؤيد . لكنني أجزم أنه مؤيد فقط لكل موقف ونداء ضد الشيوعية يرتفع ضد الحزب الشيوعي من البعثيين وحزبهم .

كنتُ أزوده بالمنشورات الشيوعية بفترات متقاربة ، ربما تكون مرة كل أسبوع . وكان هو يزودني ببعض منشورات البعث بفترات متباعدة ربما مرة واحدة كل ثلاثة شهور .

يتحدث هو عن فكرة أو عن موقف من " القضايا القومية " دون أي يفقه معانيها ويدعو الى الانضمام الأعمى لمسيرة جمال عبد الناصر . ضائع هو بين البعثيين والقوميين ... كنتُ أحاوره بفكرة أخرى أو بموقف معاكس . يحاول أن يرد على فكرتي بأخرى ويستمر الجدل طويلاً من دون أن نتفق . من الصعب أن نصل الى اكتشاف الطريق الواحدة .

ساعات كثيرة وثابة وجدت جدالها بيننا ، هي في الغالب دائمة الصراع، لكن من دون قتال ولا عنف . بتشدد واضح لكن من دون عنف . كل يوم نتناقش ونتصارع . كل يوم تحتضر فكرة لتولد أخرى .

لا يدوم في حياة كل منا ، عند نهاية النهار ، غير لحظات من الغبطة والسرور تدخل الى ذاكرتنا نحن المتحاورين ومعنا آخرون قوميون وشيوعيون ووطنيون يشاركوننا الأحاديث والمناقشات في المدرسة أو النادي أو في المقهى على كورنيش شط العرب .

ماذا عسانا أن نكون ونحن نبحث عن طريق الوعي في مراحله الأولى قبل قيام ثورة 14 تموز التي أيدتها بحماس بينما عارضها زميلي في المدرسة بحماس ايضا ..؟

ماذا عسانا أن نفعل غير تبادل الافكار المتناقضة بحذر وفرح وبنوع من سعادة التحدي والشجاعة .

كنا نقضي بعضا من وقتنا الليلي في مقهى شط العرب في الكورنيش ـ وهي أشهر مقهى آنذاك يتجمع فيها النشطاء السياسيون والطلابيون من مختلف الاتجاهات تحت نظر ومراقبة الشرطة السرية ـ الشعبة الخاصة ـ الذين كان أفرادها يواجهون حيرتهم كيف يتابعوننا حين نخرج من المقهى مشياً على الأقدام ، بينما هم يتابعون خطانا بالدرجات الهوائية الحائرين بين ركوبها أو جرها مشياً على الأقدام .

المهم إن كلاً منا ما تناسى الآخر في الأيام الأولى لثورة 14 تموز . حاول كل واحد منا الوصول الى مراحل الوعي المتقدم بطريقته الخاصة وبفكرته الخاصة .

أصبح هو بعربة قطار وأنا بعربة أخرى .

هل انتهت متعة الحوار المشترك بعد ركوبنا بقطارين مختلفين ..؟

كلاّ..

استمر كل منا ، لمدة قصيرة ، يحب لأخيه ما يحبه لنفسه . استمر اللقاء بيننا واستمر الحوار أيضاً لكننا كنا نبتعد عن النقطة الواحدة . كل حوار يبعدنا الواحد عن الآخر . صرنا نتصارع ويتصدع دماغ كل واحد منا . لكننا لم نستشعر شراً أو خوفاً . لا أنكر أن أفكارنا التي نحملها انتقلت بعد أسبوعين أو ثلاثة من قيام الثورة الى الشارع . انتقلت نفس الأفكار الى المدارس بصفوفها وساحاتها ، وإلى المعامل ، وإلى أرصفة الموانئ .

كان يظن أن من حقه أن يقول ما يريد لأنه يظن أن خلفه يقف جمال عبد الناصر والقوميون العرب .

يظن نفسه شجاعاً لأن حزب البعث يملك بعض قطع من رشاشات بورسعيد كان عبد الحميد السراج يهربها عبر البادية الغربية ، حتى وقعت وجبتها الأخيرة في البصرة وكشفها شيوعي اسمه حميد بخش ، فادعى بعض أنصار الشواف وانصار عبد الناصر أنها هدية مرسلة من سوريا الى ثوار عـُمان بواسطة معسكر الشعيبة في البصرة ..! الشخص الوحيد الذي صدّق هذه الأكذوبة هو الزعيم عبد الكريم قاسم .

اعتقدَ انس طه أن شجاعته تفرض عليه أن يعلن أمام مجاميع العمال في رصيف الميناء بالمعقل أو أمام سكان محلته أنه يخالفهم الرأي وأنه يخالف سياسة عبد الكريم قاسم وأنه ضد الشيوعية . لم تنفع معه محاولات النصيحة من عبد الله رشيد الذي كان مقر عمله الإداري قريباً منه وهو يعرف أكثر من غيره تنامي مشاعر العمال ضده كلما ازدادت عباراته الاستفزازية ضدهم . كان عدد من المراهقين الطلاب من المدعين بالانتماء لحزب البعث يشجعونه مدفوعين من بعض المدراء في الموانئ وخاصة مديرها العام . كانت " تصريحاته " الشتائمية الاستفزازية تجعله شخصية محببة لدى البعثيين ، وتجعله شخصية مسخرة في نظر العمال المحبين لعبد الكريم قاسم .

أصبح وقت لقاءاتنا متباعداً ، مما أضعف تأثيري السابق عليه وعلى تهدئة مناقشاته .

حاولتُ في مرة من المرات مصارحته بعدم جدوى " تحدياته " لأعيد إليه لحظات الغبطة والسرور التي كان عليها قبل قيام ثورة 14 تموز . حاولتُ إبعاده عن أجواء النزعات المتصارعة بعنف ونزق الشباب والأهواء المحضة النابعة من اختلاف المواقف السياسية التي اتجهت لتكون على أشدها بين الحزبين : الشيوعي والبعثي في تلك الآونة . الحقيقة أقولها أنه تولــّد لديّ شعور بالخوف عليه كصديق ، لكن تولد لديه سوء ظن وشكوك بغاياتي التي كنتُ أضعها أمامه كصديق أريده أن يتجاوز الواقع الصعب و لكي يتحرر من توترات الحياة السياسية غير المستقرة بعد.

رجوته أن يتجاوز بعض مظاهر التحديات الفرعية التي يمارسها ضد آراء العمال ومواقفهم ، خاصة وأنه يعيش بين آلاف العمال بأغلبية يعوزها النظر الثاقب من دون شك وهم يعيشون فترة انتقال حاسمة في محيط ينقصه الفهم ، والعلم ، والتقدير ، والحساب الدقيق ، والعقل أيضاً في ظرف الطفولة السياسية التي لم تجلب لنا جميعاً وللشعب كله غير الشقاء .

أقترن لقاؤنا ذات يوم أظنه في بداية آذار أو أواخر شباط ، ونحن طلاب في الثانوية المسائية بالعشار ، برغبته في قهر الزمن الصعب الذي يمر به بقراره بالزواج كوسيلة لإنقاذ نفسه من براثن اليأس السياسي . أعلن أنه سيتزوج في أول يوم من أيام العيد القادم الذي من المحتمل أن يكون بعد شهر واحد من لقائنا . يريد الزواج لأن الحياة الزوجية ، كما قال ، تساعد الإنسان على تخطي بعض مشاكل الصراعات الحزبية وتشغله عن بعض معاناتها .

كان يجد نفسه كائناً وحيداً ، موظف بسيط أثناء النهار ، بين آلاف العمال الصائحين في رصيف ميناء المعقل بنداءات وطنية مؤيدة لثورة تموز لم تكن تعجبه . عندما كانوا يصيحون بكلمة يعيش . كان هو ينادي في سره : يسقط . أحياناً ينادي في غرفة مكتبه أمام أسماع بعض المنافقين والمتذبذبين بأفكار ضد الشيوعيين وضد الناس الذين تختلف آراؤه عن آرائهم . تسربت نداءاته الى أسماع العمال من الذين وجدوا في أنفسهم اندفاعا غير واع نحو الغرفة التي فيها أنس طه . كلمة منهم قد تكون جرحت أو أساءت لشخصه . كلمة منه أساءت للعمال ولوطنيتهم أو كرامتهم ، أو أنها أساءت إلى بعضهم . ارتفعت يد أحد العمال بوجهه وارتفع صوت منه استفز العمال مما زاد حدة التوتر في باب الغرفة وداخلها وخارجها . صار هرج ومرج ، فارتفعت أساليب التعالي على الواقع . لم يهرب الشر من قلوب الواقفين جميعا فهوى على رأس انس طه . مات بضرب الأيدي في الحال ، وقد ألزمني بموته أن أقطب حال سماعي الخبر وأن أحزن بعده .

في اللحظة التي حفلت بها أرصفة الميناء بالصراع والهياج جاءني من يتشاكى من احتمال وقوع حوادث فيها . كنتُ آنذاك رئيساً للاتحاد العام للطلبة في الجمهورية العراقية فرع البصرة كما كنت في ذات الوقت رئيس لجنة ارتباط المنظمات الجماهيرية في لواء البصرة وكنتُ عضوا في اللجنة المحلية للحزب الشيوعي بالبصرة . كان جو آذار دافئاً لكنه ملتهب في سماء السياسة والصراعات الحزبية . قفزت من مكتبي في الحال نحو السيارة التي أقلتني الى المعقل . اللحظات تدفعني الى التفاني من أجل أن لا يقع ما نخشاه أو ما يؤذي الوضع العام كله بحيث يعطي الفرصة للمركزية الحكومية الثلاثية المعادية للشيوعية في لواء البصرة ( مدير الموانئ ، ومتصرف اللواء ، وآمر الموقع العسكري ) . في طريقي الى المعقل انشغل تفكيري في كيفية إبعاد أي احتمال بحدوث ما لا يحمد عقباه في هذا الوسط الملتهب بعواطف المجموع ضد الفرد . لم أكن على ظن ، في تلك اللحظة ، بأن الفرد في الموانئ هو أنس طه .

لم يكن الوقت سخياً معي . تأخرتُ عن الحضور المناسب ، فقد كان الموت سيد الموقف.

تمرد انس طه فقـُتل .

ليس ثمة وجه للعجلة في معرفة من هو القاتل .

ففيما بعد نسج الزمن تهمته وكان ثمة حاجة ملحة لتوجيهها فوراً الى كريم حسين النقابي الشيوعي سكرتير نقابة عمال الموانئ وإلى الرياضي بطل رفع الأثقال في العراق عبد الله رشيد القريب من الشيوعية منذ نعومة أظفاره .

أليس الموت هو الذي يجسد قيمة الحياة ..؟

ها هما : عبد الله رشيد وكريم حسين يعيشان التهمة التي ستقودهما الى الموت بعد تعذيب ٍ انتقامي ٍ شديد ٍ في مركز شرطة الموانئ تحت توجيه مباشر من مديرها العام الأشد عداءً للشيوعية في العراق . فكانت خاتمة أليمة لي ربما أكثر من أي إنسان آخر .

عبد الله رشيد كان صاحب رأي في تأكيد سيرة حياتي في مرحلتها الأولى نحو الشيوعية . كنتُ فتى يافعاً أمارس هوايتي في كرة القدم وكرة السلة وكان هو بطلاً رياضياً وكانت صداقته لي جهده الحق في وعيي الأول ، بل هو الذي حطم في داخلي صخرة الخوف الجاثمة عادة على صدر كل شاب يعتبر الشيوعية شيئا مجهولاً.

بعد تمرد عبد الوهاب الشواف في الموصل تحرك عدد من الأفراد المعادين للشيوعية في مختلف دوائر البصرة ومدارسها ، بعثيين وقوميين وأصحاب مصالح متضررة وغيرهم ممن آلمهم سقوط التمرد في مهده . متصرف اللواء يشجعهم سرا ويحميهم علنا .

في الوقت نفسه خرجت الجماهير في أكبر مظاهرة في تاريخ البصرة تعدادها يزيد على المائة ألف متظاهر تلبية لنداء عقلاني ، قصير ومحدود الكلمات ، غير هيّاج صدر من اللجنة المحلية للحزب الشيوعي ، كتبه عبد الوهاب طاهر . قامت لجان خاصة عديدة في شوارع البصرة وفي أغلب مؤسساتها الحكومية والأجنبية داخل مركز اللواء وفي الأقضية والنواحي مهمتها الأساسية الحفاظ على النظام وعدم وقوع تجاوزات على البعثيين وغيرهم من خصوم عبد الكريم قاسم وأعداء الشيوعية . لعبت هذه اللجان دورها في إنقاذ العديد من العناصر البعثية والقومية ، المدنية والعسكرية ، من الذين مارسوا سلوكا استفزايا متعمدا . استطاع الشيوعي عربي فرحان معاون مدير استخبارات البصرة ان ينقذ مدير شركة نفط البصرة الذي أصيب بالهستيريا في مواجهته للمواطنين المحيطين بالشركة تحسباً لأي طارئ . كما أنقذ أسعد محمد رضا الشبيبي حياة المهندس الألماني الغربي ( ليوبولود ) المدير في شركة (يوباتك ) الأنكليزية . العاملة في محطة توليد الطاقة الكهرباء ( محطة النجيبية ) بالبصرة ـ الهارثة مع مجموعة من الشركات المقاولة الأجنبية ، من غضب العمال عليه بعد أن تفوه بعبارات وقحة ضد عبد الكريم قاسم وقام بتمزيق صورته أمام ما يقارب من ستمائة عامل عراقي من عمال الشركة . .

حين وصلتُ الى مقر الشركة وجدتُ أسعد الشبيبي يلقي كلمته أمام جموع العمال المحتشدين في الساحة يخاطبهم :

إن هؤلاء الأجانب ليسوا أعداءنا . أعداؤنا الحقيقيون هم أولئك القابعون في لندن وفي واشنطن وفي مقراتهم بدول حلف بغداد . أيها العمال الأبطال إن البعض من العمال الأجانب تصرف تصرفاً خاطئاً وهو غير واعٍ بحقيقة أهداف الثورة لذلك فلسنا المسئولين عن محاسبتهم أو محاكمتهم أو إنزال العقاب بهم . أنا واثق أنهم سيعودون الى وعيهم ويعتذرون عما بدر منهم تجاه مشاعرنا . أطالبكم أيها العمال الأبطال ، باسم الحزب الشيوعي ، العودة الى عملكم فليس لنا عداوة مع من يعمل معنا ويقوم بواجباته في التشييد والبناء لهذه المحطة الكهربائية .والسلام عليكم ..

في اليوم التالي وقف في الساحة نفسها عدد من العمال والمهندسين الأجانب ومعهم أعضاء اللجنة العمالية وأسعد الشبيبي وقد أعتذر ليوبولد وعامل أنكليزي آخر من العمال متمنين التوفيق للجميع في إكمال بناء المشروع .

كما أنقذت ، شخصياً ، بصعوبة بالغة ، حياة مدير شركة ( ويمبي) لبناء المساكن ، من غضب عمال البناء في شركته ، الذي كان يشتمهم ويشتم المتظاهرين متمنياً بصراحة سقوط عبد الكريم قاسم وعودة الملك..!!

أقول الآن : إن الماضي لا يقبل الإعادة ، وأن حياة الموتى لا تعود مهما فعل الزمن من أجل ذلك .

الشيء الوحيد الذي يقبل الإعادة هو النظر الى الحقيقة .

الحقيقة تعود مرة أخرى كلما أعدنا النظر بها مرة أخرى . تتغير الحقيقة ، تتكشف وتتخفى ، لكنها في النهاية تظهر مجردة . أنا واثق أن تاريخ البصرة سيعاد النظر به وسيكتشف المؤرخون الحقيقة كاملة عن واقعة موت أنس طه ، وإعدام كريم حسين وعبد الله رشيد وعن أشياء أخرى خفية أعظم وأكبر من مقتل شخص واحد وأكبر من إعدام شخصين .

مع الأسف أننا جبلنا على النظر المحدود جداً . ربما لم نعِ أن اتهام عنصريين جماهيريين من عناصر الحركة العمالية في البصرة لم يكن سببه مقتل انس طه بل أن ذلك جزء من عملية هجومية ضد ثورة تموز وضد الشيوعية ، وضد الحزب الشيوعي .

كان المخطط الاستعماري بتدخل سري من قبل السفارة البريطانية ومن قبل الشركات البريطانية العاملة في العراق ، يتواصل تدريجياً في قص أجنحتنا دون أن ندري . كان الواضح جداً أن الغرب يعمل باتجاهين : إما القضاء على ثورة تموز بانقلاب عسكري ، وإما حرف الثورة عن أهدافها ..

تتوارد الى الحزب والى صفوف الجماهير أن خطراً كبيراً سيواجه الحزب الشيوعي ولم يكن قد مضى من عمر الثورة غير عام واحد .

التضييقات واضحة على الوزراء اليساريين الذين تتهمهم الصحف الغربية بأنهم شيوعيون مثل إبراهيم كبة ( وزير الاقتصاد ) ونزيهة الدليمي ( وزيرة البلديات ) وفيصل السامر ( وزير الإرشاد ) وعوني يوسف ( وزير الأشغال ) وغيرهم . حين زرت فيصل السامر للسلام عليه أثناء زيارة لعائلته في البصرة ، صرح أمام الحاضرين بوضوح تام : العراق في خطر . ستأكل الثورة نفسها . الوزير لم يعد وزيراً..!

في بغداد اعتقلوا صادق جعفر الفلاحي وضيقوا على نشاط الاتحاد العام لنقابات العمال والحركة النقابية .

في البصرة اعتقلوا محسن ملا علي النقابي النشيط في الميناء وصادروا مالية اتحاد نقابات العمال كما اعتقلوا سكرتير الفرع يعقوب فالح .

أغلقوا مقر اتحاد الطلبة وصدر أمر إلقاء القبض علي .

الموظفون الإنكليز في البصرة يسرحون ويمرحون في زيارات متواصلة للمسئولين الرئيسيين الرسميين الثلاثة مزهر الشاوي وعبد الوهاب عبد الرزاق وعبد المجيد علي . كل زيارة تعقبها إجراءات مشددة ضد المنظمات وتزداد الجهات الأمنية نشاطاً في اعتقال الشيوعيين . كما كانت تردنا من منظماتنا الحزبية في جنوب البصرة ( الفاو والسيبة ) عن لقاءات متعددة اسبوعياً بين مسئولين إنكليز في البصرة وأمثالهم في عبادان ( كنا مسيطرين تماماً على جميع المخابرات اللاسلكية والبرقيات المتبادلة بواسطة رفاقنا في قسم اللاسلكي في ميناء الفاو ) . كذلك كانت تردنا تقارير تؤكد أن التركيز في بعض تلك اللقاءات موجه ضد وجود خبراء روس في الموانئ العراقية ..!

كان القنصل البريطاني في البصرة أكثرهم نشاطاً . أحد العاملين في القنصلية كان عم أحد رفاقنا ينقل له بعض المعلومات عن تحركاته في القرنة بصلاته المنتظمة مع حمود الأمارة ، وهو أحد الملاكين الكبار في المنطقة معادٍ للفلاحين وحقوقهم . إضافة الى سفراته الى عبادان .

كانت مهمة الجواسيس الإنكليز إثارة الحكومة الإيرانية ضد العراق بحجة الخلاف حول شط العرب ، وإثارة مخاوف شيوخ الكويت وبريطانيا من أطماع العراق في الكويت . لم نكن نهتم بالتقارير التي تردنا حول هذين الموضوعين من منظماتنا الحزبية ومن بعض أصدقائنا في الدوائر الحكومية المختلفة .

كان مدير شركة ويمبي في البصرة أكثر الإنكليز نشاطاً في توجيه اتهامات التآمر للحزب الشيوعي وكان نشيطاً في تحريض كل مسئول إداري في البصرة ضد الشيوعيين .

أخيراً ..

منذ عهد النبي سليمان ، وحتى عصر روبسبير ، وصولاً الى عصر كَاكَارين تبدلت حقائق كثيرة بقدر الأعداد التي لا نهاية لها . بيد أن الحكام الفاشيين لا يعترفون بهذا الأمر بسبب عماهم السياسي الذي يقودهم دائماً الى نهايات تعيسة لا تقبل جدلاً.

ما دام الموت بالنسبة لتيار أنس طه وحزبه وحكومته قد حصر نفسه بين ضغط الماضي وثأر الحاضر ، فأن كل الطاقات الحكومية المحبة لاستمرار سفك الدماء يجب أن تتوجه نحو التوتر الذي لا يعود إلى هدوئه إلاّ بإيقاف حياة إنسان أو أكثر كمساوٍ لحياة أنس طه بالقيمة ومعاكس له بالاتجاه .

صدر الحكم على كريم حسين بالإعدام شنقاً ، ونـُفذ ، وليس هو بقاتل .

صدر حكم آخر بإعدام شخص آخر ، عبد الله رشيد ، ونفذ فيه ، ولم يكن قاتلاً .

من المنتصر إذن ..؟

لا شك أن المنتصرين هم أعداء الشيوعية ..

ثلاثة فقط انتصروا هم مزهر الشاوي مدير الموانئ ، والعقيد عبد المجيد علي آمر موقع البصرة ، واللواء عبد الوهاب عبد الرزاق متصرف اللواء ..

خسر أصدقائي الثلاثة حياتهم بالمقابل من دون مقابل .

ومنحت التيارات الفاشية شهادات تقديرية لمبدعي الموت للأحرار جاعلة الدماء الوطنية تسيل حتى هذه الساعة ..

لم يعد عندي شيء في هذه الليلة وأنا في النقرة غير توجيه اللعنة الى زمن عراقي انتخب فيه الحرس القومي ليكون قاتلا سفاكا وانتخب فيه انقلابيون عسكريون يواصلون ذات الاساليب القمعية بسبل متعددة استطاعوا لحين من الوقت ستر مساوئها في اعين الاعلام ، العربي والعالمي ، الذي لا يبصر جيدا .

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس