جاسم المطير
الأثنين 22/9/ 2008
نقرة السلمان
(16)جاسم المطير
صلاح الدين أحمد يهرب من النقرة ويسقط شهيدا في صحرائها .
صحتي تتحسن باستمرار برغم قلة الأدوية والعلاج في هذا المكان .
كمية الأدوية المرسلة إليّ من البصرة ما زلتُ أزهو بها في تسكين الآلام . فقد صار جسمي بوتقة تنصهر فيها تجارب الأمراض ومعالجاتها الكيمياوية وهي تسير من نجاح الى آخر .
عند كل سجين مرض أو أكثر ، ينتقل من مكان الى آخر من جسده ، ولا أي طبيب من الأطباء الموجودين هنا يعرف متى تنتهي الأمراض ، لكنهم جميعاً يعرفون أنها الناتج الأول من نتائج العذاب الذي مارسه الحراس القوميون على أجساد السجناء.
رغم مرضي فأن عندي رغبة وشوق الى العمل مع السجناء الآخرين في مجال الخدمات والثقافة ، فقد كنتُ أشعر أن ذلك يساعدني على التخلص من التوتر المستمر الذي يلازمني عند التفكير بالمرض . أظن عن قناعة وتجربة أن أولى خطوات الشفاء من الأمراض تبدأ لدى السجين من داخل نفسه .
السجن مكان صلب ومتصلب قادر على تغيير تصورات الإنسان عن نفسه وعن المحيط العائش فيه وعن البيئة المتفاعل معها .
يقيناً أن العمل في السجن أصبح بالتدريج مصدراً للتفاؤل والثقة .
كمثال أورده عن نفسي . أصررتُ على العمل اليدوي منذ أول يوم دخلتُ فيه الى السجن . وضعوني في المطبخ في قسم البصل . كان أمراً مزعجاً لعدة ساعات ، مرة واحدة في الأسبوع وأحياناً مرة واحدة كل عشرة أيام . الشيء المزعج في قسم البصل هو استمرار تدفق الدمع من العينين ، يقابله استمرار تدفق الإشاعة القائلة أن الدموع تغسل العينين . وكنا نصدق هذه المقولة .
أمارس في الأسبوع مرة واحدة غسل الملابس يعاونني في ذلك بعض الأخوة البصراويين منهم عباس سكران ، محمد خلف ، خالد الخشان ، جياد تركي ومنهم بعض الأخوة من غير البصراويين مثل ناجي فرج ( ملازم طيار من أهل المسيب ) ومرتضى محمد علي ( من اهالي مدينة الحلة ) والملاح الملازم صلاح الدين أحمد ( من أهالي الموصل ) . تجد هذا يغلي الماء والآخر يشرّ الملابس على الحبل وثالث ينظف المكان بعد الانتهاء من الغسيل . التعاون الجماعي ومساعدة المرضى اصبحت قرارا يؤمن بتطبيقه جميع السجناء بل اصبح التعاون قانونا من قوانين الحكم الذاتي في جمهورية السجن وصار الالتزام به تعبيرا عن روح المواطنة في هذه الجمهورية التي تضم احرارا متساوين ومتفاهمين داخل هذا التنظيم المتميز بقيم انسانية يتداولها الجميع ويتبناها الجميع .
كنتُ أغسل صحون السفرة بعد كل وجبة غذائية مرة واحدة كل خمسة أيام باعتبار ان واجب الغسيل اليومي يقع بالتناوب على أعضاء السفرة الخماسية .
هذه كلها واجبات سجنية عامة وخاصة لا يمكن الابتعاد عن ممارستها . عدا الكسلانين . أكسل واحد في غسل الملابس كان خالد الخشان. عنده حقيبتان متساويتان في الحجم والسعة . الحقيبة الأولى مخصصة للملابس النظيفة . الثانية للملابس الوسخة . يبدأ بارتداء الملابس لبضعة أيام حتى تبدو وساختها واضحة للعيان . فيقوم بتغييرها بعد الاستحمام ، آخذاً حاجته من الحقيبة الأولى واضعاً ملابسه الوسخة في الثانية حتى تنتقل بعد أيام كل ملابس الحقيبة الأولى الى الحقيبة الثانية التي تكون قد امتلأت بالملابس الوسخة .
في نهاية الأمر لا يجد في حقيبته الأولى أية ملابس نظيفة بينما يشعر بحاجته الى الاستحمام فيلجأ مضطراً الى الحقيبة الثانية، حقيبة الملابس الوسخة. يفتح الحقيبة ثم يفرغ الملابس منها واضعاً إياها على فراشه ويبدأ الفحص :
هذا قميص نصف نظيف يمكن استعماله مرة ثانية .. فيعيده الى الحقيبة الأولى .
هذه ملابس داخلية تتحمل أن أرتديها مرة ثانية ..فيعيدها الى الحقيبة الأولى .
وبين هذه صالحة وهذه نصف صالحة يعيد جميع الملابس الى الحقيبة الأولى ليرتديها من جديد حتى تبلو بلاءً حسنا ً..!
كان الشاغل الاول المتواصل مع خالد الخشان هو الشعر . يقرأه كثيرا في مختلف الدواوين ، قديمها وحديثها ، ويحفظ الكثير منه . وينظم ما تجود به قريحته . كان يجد في الشعر وحده علاقته الوطيدة والابدية مع الحياة .
يقول دائما ان ضميري لا يبنى الا بالشعر .
هكذا هو واحد من شعراء النقرة الشباب ، الشعر بنظره هو مرتكز الحرية . الشعر وحده قادر على نقله من السجن إلى المجتمع ، من السجن الذي يحبس طلائع الحرية إلى الشعب المحروم منها .
اليوم واجبي ثرم البصل . ذهبت الى المطبخ في الوقت المحدد ، التاسعة صباحاً .
غاب خالد حبيب عن الاشتراك في الثرم وهو واجبه معي بل هو رئيس فريقنا . انتهى الوقت المحدد ولم يأتِ .
كان في كل مرة يريد أن يغيب فيها يخبرني قبل يوم واحد لتهيئة بديل ، لكن البديل كان حاضراً اليوم من دون أن يخبرني .
سألتُ نفسي عن سبب تغييره لنظامه .
حصيلة تفكيري الأولى هي انه مريض . ربما عادت إليه آلام تقرحات معدته .
بعد انتهاء عملي مباشرة توجهتُ الى قاعة سكناه ( قاووش رقم 5 ) للمتابعة والاستفسار . لم أجد جواباً شافياً عن مكان وجوده فازداد قلقي عليه .
تحت ضغط إلحاحي أخبرني كنعان أبو سليك : أنه مكلف بمهمة خارج السجن . تعهد مع عدد من الزملاء لبناء سقيفة لتأمين مواجهة السجناء مع عوائلهم .
لم يكن عذر أبي سليك مضبوطاً فأنا أعرف أن هذه المهمة من نسج خياله ليس غير . سقائف المواجهة كاملة ولا يعوزها شيء .
كلما كنا نتمشى سوية ، أنا وخالد حبيب ، في مدار حول قاعات السجن كان لا يهدأ في حديثه عن الهروب . يكرر قولاً :
ـ لا خير في سجين يرضى بسجنه . عليه أن يحرر نفسه بنفسه . ليس من الصحيح أن ننتظر شفقة الحكام الظالمين كي يفتحوا لنا أبواب السجن . علينا أن نخرج من الشباك ..
اعتقدت ُ أول الأمر أنه قد حقق أمنيته في الهروب . كان قبل يومين بالذات يحيك الأساطير حول ضرورة الهروب باعتباره عملاً من أعمال البطولة والرجولة :
ـ كان محمد حسين أبو العيس بطلاً حقاً حين هرب من زنزانة هذا السجن قبل عشر سنوات . رحمة الله عليه فتح الطريق الصحراوي أمامنا ..
حين التقيتُ به في المساء وجدت ُ تعباً شديداً يغلف وجهه . كان يحاول أن يظهر أمامي بمظهر آخر . وقد استطاع أن يطيح بكل أفكاري وتوقعاتي من أنه في هذه الأيام لا يفكر في خطة هروبه . أكد لي أنه ( أستقدح ) كل ذهنية التخطيط والإنشاء لينجز بناء سقيفة جديدة خارج السجن كي تقي عددا أكبر من المواجهين من حر الصيف وبرد الشتاء . كان ينطق بعبارات ساخرة أحياناً ، وفي بعض الأحيان الأخرى يواجهني بالصمت إزاء ما يخفيه في قلبه . من الصعب عليك أن تميز بين أقواله الجادة أو الساخرة في أي موضوع ، فأهم ميزة شخصية هي انه يريد أن يتحدى معاناة السجن بالمرح والحبور ..
فكيف لي أن أصدق أقواله في هذه الأيام .
كلانا على صواب .
كنتُ مصيباً في استنتاجي عن شيء أسمه هروب . إذ من السهل اكتشاف أن بناء سقيفة لا يمكن أن يكون سراً .
وكان هو صادقاً في حديثه عن مهمة بناء سقيفة . كان ينسج قصة هروب تحتاج الى سقيفة من الحذر الشديد.
أكثر من مرة شاهدته مع الضابط السجين صلاح أحمد الذي يصر خالد حبيب على أن يدعوه صلاح الدين ، يتجولان في الأسبوع الماضي حول السجن من زواياه المختلفة للبحث ، كما استنتجت ، عن منفذ يستطيع به صلاح أن يهرب مخلصاً نفسه من احتمال تنفيذ حكم بإعدامه في الأيام القادمة .
الصفة الأساسية المميزة لصلاح الدين أحمد هي الإقدام والشجاعة . شديد الأيمان بخصوبة الحياة حتى في أحلك الظروف . يشعر بقوة متجددة متعاظمة كلما ادلهمت الظروف السياسية وكلما واجه صعوبة ما أو فشلاً.
من أول الأشياء التي فعلناها ، معاً ، أنا وصالح دكَلة بعد إعلان البيان الأول عن انقلاب شباط 1963 ، محاولة تحريك القطعات العسكرية في البصرة ، بعد أن جَبُن مسئول التنظيم العسكري واختفى . ذهبنا الى القاعدة البحرية حيث فيها صلاح الدين . كنتُ أعرفه شخصياً وأنا بنفسي رتبتُ له موعد الارتباط بالتنظيم العسكري في البصرة وكنا قد سهرنا معاً مرتين في بيت صديق مشترك ( طبيب أسنان بصراوي شيوعي نشيط ) .
لقد وجدنا صلاح قد سبقنا ، حال وقوف سيارتنا أمام الباب الرئيسي للقاعدة ، قائداً لتمرد شارك فيه أغلب الجنود منفذاً بالدقة خطة طوارئ سابقة . وقد أعتبر الانقلابيون حركة صلاح الدين من أخطر التحركات المناوئة لـ" ثورتهم " دفع صلاح الدين بعد ذلك حياته ثمناً لهذه الحركة الشجاعة .
منذ أن دخل سجن النكَرة حتى الآن وهو يبحث عن منفذ لهروبه . حين جاب مع خالد حبيب مساحات صغيرة خارج أسوار السجن وجدا فكرة مؤكدة عن احتمال نجاح هروبه من أمام إدارة السجن ذاتها .
وضعا نفسيهما في دراسة متواصلة لعدة أيام لخطة الهروب . اقتربا فيها من كل الاحتمالات والصور ثم استقر قرارهما على إمكانية الاستفادة من بناء السقيفة الجديدة لتبدأ منها أول خطوة في مسيرة المليون خطوة .
بين محبة الحرية والشعور بالقوة الشيوعية القادرة على تحقيقها قام لدى هذين الصديقين المغامرين معنى خاص للإرادة .
أعلن صلاح الدين ( البحـّار ) أمام صديقه خالد ( الطيـّار ) : أنني على استعداد لتحمل مصاعب ومخاطر الهروب الى الحرية .
بدأت الخطة بتركيز أفكار معينة على خروج صلاح قبيل غروب الشمس بقليل بقصد الاختباء داخل بئر ماء غير صالح للشرب يقع شرق جدار السجن بمسافة ثلاثين متراً أو أكثر قليلاً ، بعيداً عن الإدارة ونظر الحرس القابعين في الرابية ، كان سبب إنشاء السقيفة الجديدة هو أن تكون حاجزاً لإطلالة حراس الرابية الأولى على البئر .
الخطوة الثانية في الخطة هي مغادرة صلاح مكانه في البئر ، بعد ان يقوم برفع غطائه الثقيل ، بساعة واحدة من نزول الظلام ، ليزحف على بطنه مسافة لا تقل عن ألف متر بمساحة صخرية وليست رملية ليكون بعيداً عن احتمالات رؤية الحراس في الرابية ، ثم ينتصب ماشياً على القدمين متجهاً نحو مدينة السماوة وهي أقرب مدينة لنقرة السلمان .
تمّ بالفعل توفير جميع مستلزمات الرحلة من ماء وغذاء وبوصلة وبعض الأدوية الخاصة بأمراض الكلية التي يعاني منها صلاح .
لا يجوز إثارة حرس الباب الرئيسي ، بل يجب الحذر الى الحد الأقصى .
ها هي الباب الرئيسية للسجن تفتح ، عصرا ً ، أمام عشرة سجناء تم اختيارهم بدقة وعناية لتنفيذ الخطة . كان صلاح أحدهم .
أتخذ واضعو الخطة ومنفذها خالد حبيب الإجراءات الذكية المحسوبة لإبقاء صلاح خارج السجن بعد انتهاء ( العمل ) الذي أدعى السجناء انهم يريدون إنجازه كما هي العادة في كل مرة . إذن لا بد من تحقيق الهدف بخروج ( عشرة ) سجناء وعودة ( تسعة ) منهم ليبقى صلاح في الخارج على أن يكون العائدون ( عشرة ) أيضاً في ( حساب) الحراس المسئولين عن التعداد الواقفين في الباب يحصون عدد الخارجين والداخلين في تلك الساعة .
لابد أيضاً من ( لعبة ) خاصة فيها قدرة على التمويه لتضييع الواحد ، الذي هو صلاح .
وبدأت اللعبة الآن .
خرج عشرة سجناء ومعهم خالد حبيب .
عاد خالد حبيب بعد دقيقة واحدة مدعياً انه نسى شيئاً مهماً .
عاد ستة سجناء من العشرة الموجودين في الخارج وهم ينقلون سطول الماء من البئر الخارجية لسد حاجة السجناء الى كمية من الماء الإضافي في هذا اليوم .
خرج ثلاثة منهم ومعهم خالد حبيب.
عاد أربعة من دون خالد حبيب .
عاد خالد حبيب وخرج أثنان .
ثم خرج خمسة وعاد ستة .
هكذا استمر العدّ والحساب حتى ضاع " الواحد " أثناء الدخول والخروج في أوراق الحراس شبه الأميين .
عندما تزود السجن بحاجته الوهمية الى الماء كان صلاح الدين أحمد قد استقر بطريقة خاصة مدروسة ومرتبة في داخل البئر الذي وضع عليها الغطاء بطريقة خاصة أيضا يستطيع بها أن يتنفس .
في الصباح التالي خرج إبراهيم الدبوني ، أحد ممثلي السجناء ، لمراجعة الإدارة كما هو شأنه في كل يوم مع عدد من السجناء الآخرين المكلفين باستلام الأرزاق والبريد وأوراق معاملات بعض السجناء المغادرين أو القادمين الجدد وغير ذلك من أمور المعاملات اليومية الجارية . استطاع إبراهيم الاقتراب الى حافة البئر هامساً باسم صلاح لمعرفة ما إذا كان قد غادر البئر أم لا .
جاءه صوت صلاح مجيباً أنه ما زال في البئر إذ لم يستطع مغادرته لسببين :
الأول أن عقرباً قد لسع ساقه اليمنى حال خروجه من البئر .
الثاني أنه شعر بآلام حادة في كليتيه .
لذلك فضل أن يبيت ليلته في داخل البئر .
أعيد مساء قبيل الغروب ( تاكتيك ) العد والحساب وإيهام الحراس ، فعاد صلاح الى داخل السجن .
تمت معالجته من لسعة العقرب وزُود بالعلاج اللازم لكليتيه . كما زوده أطباؤنا بتعليمات خاصة ، أهمها التأكيد عليه بضرورة عدم الإفراط في تناول الماء إذا ما أدركه عطش في الطريق مؤكدين على أهمية أن يتناول الماء بطريقة " الرشفة " لضمان سلامة الكلية الى حين الوصول الى السماوة .
نجحت بسهولة ترتيبات إخراج صلاح الى البئر ثانية بنفس الطريقة السابقة .
نزل الظلام . خرج صلاح من البئر محاولاً التأكد من خلو المكان من الحرس والشرطة . لم يكن ضوء السماء يكفي حراس الربايا على الرؤية الليلية . إذ تم اختيار وتحديد موعد تنفيذ الهروب في ليلة غير مقمرة .
بدأ صلاح زحفه على الأرض حال خروجه من البئر . قطع مسافة كيلومترين ، كما يبدو ، زحفاً في ظلام دامس ، بادئاً بذلك أصعب رحلة عذاب وأصعبها يقدم عليها سجين سياسي مهدد بالإعدام في كل لحظة .
كان على خالد حبيب أن يلعب ، هو وآخرين ، دوراً جديداً في اليوم التالي .
في نظام سجن نقرة السلمان كما في أي سجن آخر أن يقوم عدد من السجانين بإجراء ( التعداد اليومي العام ) في الساعة السابعة من كل صباح للتأكد من عدم وجود نقص أو حالة هروب . هنا يجب أن تستمر لعبة الإيهام لكن ليس بنفس ( تاكتيك ) العد والحساب . بل بطريقة جديدة .
قبل التعداد بفترة قصيرة دخل خالد حبيب الى الحمام بحجة الاستحمام . كانت مجموعة بناية الحمامات تتكون من عشرة حمامات صغيرة فردية ، بعضها الى جانب بعض ، لكن يفصل الواحد عن الآخر جدار لم يكتمل بناؤه من ناحية السقف .
انتشر السجانون في تمام السابعة ، دفعة واحدة ، في جميع أنحاء السجن ، كما هي خطتهم كل يوم . كل مجموعة تدخل الى القاووش المحدد لها . مجموعة أخرى تذهب الى الحمامات . مجموعة غيرها الى التواليتات . مجموعة رابعة الى المطبخ . أي أنهم يقومون بالتعداد في كل أنحاء السجن بنفس الوقت .
طرق سجان باب الحمام الأول فأجابه شاغله بكلمة نعم . ثم طرق الباب الثانية فأجاب شاغلها بنفس الجواب . طرق ثالث فكان المجيب خالد حبيب . عندما طرق الباب الرابع استطاع خالد حبيب نفسه أن يغير صوته ويجيب بكلمة نعم بعد أن وضع جسمه على حافة الجدار الفاصل بين حمامين ، لكي يأتي جوابه نعم ، ونجحت الخطة منطلية بلعبة جديدة على السجانين .
في اليوم الثاني صنع أحد السجناء الفنانين تمثالين شبيهين برأس أنساني وقدمين . فتم ترتيب أحد الأفرشة في القاووش رقم ستة وضع فيه الرأس ظاهراً بعضه وهو مغطى ببطانية عدا شعره فظاهر أمام السجان وكذلك ظهرت قدماه بجوربين .
انطلت هذه اللعبة أيضاً .
كان الفرح غامراً قلوب السجناء العارفين بالهروب . وليس هناك أكثر فرحاً من خالد حبيب وسامي أحمد . كانا هما أهم المدبرين للعملية التي شارك في صنعها وصنع قرارها وإجراءات تنفيذها ما لا يقل عن عشرين سجيناً . ظل خالد حبيب قلقاً طيلة ساعات الأيام الماضية بانتظار وصول برقية من بغداد أو من السماوة تحتوي على بشارة وصول صلاح أحمد حراً سالماً ، بصيغة تقول : خرجت الوالدة من المستشفى وهي بصحة جيدة .
مرت أربعة أيام مشدودة بالقلق التام .
ثم حل اليوم الخامس بمقاطع من أخبار تشير الى عثور سائق شاحنة كبيرة يعمل بين قرية السلمان ومدينة السماوة على جثة إنسان ساقطة على بعد خمسين متراً عن الطريق العام .
لا أحد من الشرطة ولا من السجانين تعرّف الى هوية الشخص الميت .
لم يكن يحمل أوراقاً شخصية ..
يحمل هوية مزورة فقط .
ظل القتيل مجهولاً ..
لكن كل واحد منا نحن السجناء وضع يده على قلبه ، فقد يكون الميت هو صلاح الدين .
شاءت الصدفة ، في ذات الساعة ، ورود برقية من المحكمة العسكرية الأولى في بغداد تستدعي إحضار المتهم الملازم الأول صلاح الدين أحمد أمامها لأجراء محاكمته بتهمة القتل العمد للنقيب خيري الخيرو.
أبلغهم ممثلنا إبراهيم الدبون عدم وجود سجين بهذا الاسم ، كما كان متفقاً عليه كجزء من خطة الهروب .
قامت قيامة مدير السجن في تلك اللحظة بعد أن شك في أن الجثة تعود لسجين هارب . والهارب ليس غير صلاح الدين أحمد .
طلب المدير إرسال قوة إضافية من شرطة البادية لمصاحبته الى موقع الجثة . ثم استصحب معه إبراهيم الدبون لمعاينتها وتشخيصها .
حين عاد إبراهيم عرف الجميع من وجهه أن صلاح الدين قد مات .
قال إبراهيم :
من خلال مشاهدتي للجثة والمكان وآثار الزحف وبصمات القدمين واليدين ، تبين لي أنه زحف لمسافة تزيد على مائتين متراً . اتجه نحو الطريق العام لكي يحصل على مساعدة أحد لضمان حياته المهددة بخطر الموت عطشاً في الصيف الشديد الحرارة .
كل شيء من وقائع المشاهدة أشارت الى انه تجاوز مشياً على الأقدام في طرق صخرية وعرة مسافة ثلاثين كيلومتراً ، فنفد منه الماء مما أفقده القدرة على مواصلة الرحلة وهو يعاني عطشاً قاتلاً بعد استخدامه له بإفراط . إذ كان مزوداً بكمية كافية استهلكها خلال الكيلومترات العشرة الأولى بعد أن وجد التحقيق أن قناني الماء النحاسية مرمية خلال هذه المسافة وهي فارغة ..
لم ينفع استخدام لوح العد وإيهام الحساب .
لم تنجح كل طقوس العقل البحري الذكي في عالم الملاحة الصحراوية اللجب .
تلاشت في الوقت ذاته أمنية خالد حبيب في محاكمة الصحراء بجدل كلامه الصارخ وهو ينحب كامرأة فقدت وليدها للتو .
لقد خسرناً مناضلاً ورفيقاً ليس لشجاعته مثيل ..
صار العزاء مضاء في السجن بشمعة إصرار السجناء على نيل الحرية .
أرسلنا بطاقات التعزية لعائلته الصابرة .
ثم دوى صوت مظفر النواب مؤبناً الصحراء غير الوفية بقصيدة حفظها الجميع كما يحفظ أطفال المدارس نشيدا وطنيا ..
يتبع
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)