| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأحد 28/9/ 2008



نقرة السلمان
(18)

جاسم المطير

البراءة والقصيدة ومظفر النواب

أحببتُ الشعر لكن ما أحببتُ نظمه.

أحببتُ قراءة الشعر لكن ما حفظته.

نشأتُ فضولياً للتعرف على كل أجناس الأدب وأنا ما زلتُ يافعاً . لكن ما دسستُ أنفي في ما لا يعنيني . ما دسستُ قلمي في الشعر . لكنني أحببت الكثير من الشعراء القدماء والمحدثين .

كنتُ ، منذ شبابي الأول ، وما زلتُ أتابع الموقف الثقافي العربي والعراقي ، ضمن فريق من أصدقائي المحبين للقراءة في البصرة وفي سجن السلمان .

اقول بصراحة ان مثال النشاطات الادبية والثقافية في النقرة لم يكن اقل من اية مدينة عراقية بما فيها البصرة . هنا في السجن وجدت نفسي على صلة مباشرة بالشعر والقصة والرواية والنقد الادبي والمسرح والخاطرة وغير ذلك من الأجناس الأدبية ، بل جعلني السجين هاشم الطعان موقنا بكلامه حين قال ذات يوم : ( في نقرة السلمان يجد المواطن العراقي السجين وسائل التعلم والتحصيل العلمي متاحة امام الجميع ومتساوية لدى الجميع ) . كان هذا القول تجسيدا لمجانية التعليم في النقرة واشتراكيته .

كل موضوع قابل للجدل والمناقشة بين السجناء حتى يمكنني القول ان المعارك الادبية بين السجناء الادباء كانت موجودة ومفتوحة أمام العقول بكل المستويات .

أحببت معارك المناقشة والحوار وحتى الشتائم الأدبية . تابعت آراء المجموعات الأدبية المتجانسة مثلما أحببت آراء المجموعات المتنافرة من المتعلمين والمثقفين .

نشاط الادباء السجناء ذكرني أيضا بالمعارك الأدبية وخاصة في مصر ، خلال الخمسينات ، اجتذبتني تلك المعارك فتابعت أخبارها وتطوراتها بين كبار الأدباء . دفعتني تلك المعارك إلى مزيد من القراءة والاطلاع فتابعت بشغف كبير قراءة كتاب ( الأيام ) لطه حسين وكتابه ( المعذبون في الأرض ) . قرأت كتاب ماجدولين لمصطفى لطفي المنفلوطي عدة مرات . قرأتُ بشغف كتب المصري سلامة موسى ويوسف ادريس ، وقرأتُ بنهم كتب اللبناني جورج حنا . قرأت مقالات كثيرة للكاتب النشيط عباس محمود العقاد لكنني ما أحببته لانه كان يعادي الشيوعية . كما قرأت بعض المقالات عن رفاعة الطهطاوي وأحببته لانه وقف مع حقوق المرأة .

لا بد من القول هنا ، أنني أحببت غناء فريد الاطرش ومحمد عبد الوهاب وام كلثوم وقد وجدتُ عندي نفس الرغبة للاستماع لاغاني هؤلاء الثلاثة في النقرة . كانت بعض أشرطتهم متوفرة . كان سامي احمد يحب سماع أم كلثوم أيضا كما قبل السجن كذلك بعد دخوله .

حين أزور مدينة أبي الخصيب ، في بداية الخمسينات كنتُ ألتقي الشاعر محمد علي إسماعيل ، مدرس اللغة العربية ، أسأله رأيه في صفحة كتبتها ، خاطرة أو قصة ، وكنتُ أعود منه ممزقاً جميع ما كتبتُ لأكتب من جديد على ضوء ما سمعتُ منه. ملاحظاته النقدية كانت صريحة مع شاب مثلي ولا أدري لماذا كنت أصغي له إصغاء شديدا رغم شدته في نقد كتاباتي بل كان مخيفا ، أحيانا ، في ما يوجهه لي من ملاحظات حول افكاري وحول اسلوبي في الصياغة . لم اتردد يوما في قبول كل ما يقوله لي عن كل ما عرضته عليه . ربما كنتُ موقناً أن عقل هذا الإنسان مؤثر في أدب البصرة ، في تلك الأيام ، على الطلاب الذين درسوا وعلى الأساتذة الذين درّسوا في مدارسها الثانوية . لكن شمعته الشعرية انطفأت بسرعة .

في سجن النقرة أعاد التاريخ نفسه أمامي فقد كان هاشم الطعان يشكل نقديا نفس شخصية محمد علي إسماعيل . لا يعرف آراء وسطية ، بل يحب انسياب الفكرة لدى الكاتب ، مؤكدا ، دائما ، على ضرورة التفاصيل الدقيقة في ما عرضته عليه خلال فترة كتابتي رواية " مذكرات سجان " التي كنت اعرض عليه كل حلقة مما اكتب حال أكمالها فيزودني بمعلومات وملاحظات مفيدة . كذلك كان يتحمل مهمة الاطلاع على ما يكتبه سجناء آخرون . فكثيرا ما يقوم بعض الكتاب أو الشعراء السجناء بعرض نتاجاتهم على هاشم الطعان . يقرأها جيدا وبعناية فائقة ثم ينطلق بملاحظاته النقدية ليقوّم ما هو خاطيء فيها ولا يتورع في النقد الحاد مؤكدا دائما ضرورة ووجوب اتحاد حقيقي لدى الكاتب او الشاعر بين قوة " المضمون " وقوة المعرفة الفنية " الشكل " . بعض الشعراء والكتاب في النقرة يعتبرون الطعان اتاتورك الادب وهو لا يرحم أديبا لا يرتبط ارتباطا عضويا بأصول الادب . الشيء المهم الذي لا بد قوله ، هنا ، هو أنني استفدت كثيرا من هاشم الطعان ومن نزاعه الادبي معنا جميعا، فقد زودنا باخلاقية قبول النقد من الاخر .

مع كونه حاد الطباع النقدية لكنني لم أتردد حتى في عرض بعض المقالات السياسية عليه ، كنت في كل لقاء مع الطعان أتذكر أنني لم أتردد ، أيضا ، عن عرض ما أكتبه على مدرس اللغة العربية في ثانوية العشار محمد جواد جلال قبل عشر من السنين ، وهو صديق والدي الذي أوصاه بمعاينة ما اكتب. اهم ما كان يؤكد عليه هذا المدرس هو ضرورة اتقان قواعد اللغة العربية بما فيه حد الكفاية الاولية وهذا برأيه خير مكتسب لكل كاتب قبل ان يمارس الكتابة . أخذت ملاحظاته بالاعتبار الاول وجهدت نفسي على معرفة أهم قواعد اللغة لكي احافظ كما قال لي ذات مرة على سلامة انتاجي في الكتابة بعد ان وجد لي أكثر من عشرة اخطاء املائية وقواعدية في خاطرة كتبتها باقل من صفحة واحدة .

كانت الحلقات الأدبية عديدة وكثيرة في بصرة الخمسينات الأولى . تجتمع وتتيح المجال للمناقشة . تمارس قراءات شعرية أو تمارس نقداً ، مما مهد لتكوين اختصاصيين في المعارف الأدبية في تلك الحلقات كاشفة عن قدرات وعن أشكال وأسماء في تلك الفترة منهم من كان ينشر ومنهم من كان يقتصر على قراءة ما يكتبه في المجالس الأدبية البصراوية ، لكن أكثرهم كانوا ينشرون في صحف البصرة وبغداد . حتى امتلكت تلك الحلقات ومجالسها وظيفة اجتماعية ـ أدبية متنورة .

شهدت البصرة آنذاك بأنديتها ومجالسها وحلقاتها أنماطاً من الفعل والحركة الساخنتين تنبضان بحيوية أعلام أكفاء من أمثال محمد جواد جلال ، كاظم مكي حسن ، رزوق فرج رزوق ، فيصل السامر ، كمال الجبوري ، مرتضى الشيخ حسين ، زكي الجابر ، محمد الجواهري ، بدر شاكر السياب ، عبد الدايم السياب ، كاظم الصائب ، سعدي يوسف ، عبد الحسين الشهباز ، صالح فاضل ، مصطفى عبد الحميد ، عبد الرضا الملا حسن ، قيصر معتوق ، كاظم نعمة التميمي ، محمد سعيد الصكار ، مصطفى عبود ، محمود عبد الوهاب ، محمد الجزائري ، عبد الجبار داود البصري ، محمود البريكان ، ديزي الأمير ، مقبل الرماح ، وغيرهم من الكتاب والنقاد والشعراء .

ما استطعتُ أن أحدد اتجاهي وانحيازي لهذا الأدب أو ذاك إلاّ بعد قراءتي لكنز أدبي ثمين تجلى لمعانه في كتاب أصدراه مشتركاً الكاتبان المصريان محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ، عنوانه ( في الثقافة المصرية ) تداولنا قراءته : عدنان المبارك ، فيصل الحجاج ، شاكر علوان ، محمد الجزائري ، هشام البعاج ، نزار رفيق و( هادي الاسدي كان رياضياً مثقفاً ) وكنتُ آخر من قرأه ، فصار مؤثراً قوياً على اتجاهاتي الأدبية والسياسية معاً ..كان الكتاب يضم مجموعة من مقالات ودراسات في النقد الأدبي ولا أدري من أين جاءت ألينا أن هذين الكاتبين ماركسيان .

عندنا شغف أن نطل إطلالات سريعة على ثقافات عالمية عديدة لنستكشف مكوناتها كالثقافة السوفياتية والماركسية عموما ، والشيوعية خصوصاً . كنا نتحاشى قراءة الوجودية والأدب الوجودي . قرأت ملحمتي الإلياذة والأوديسة بترجمة مصرية لكنني كباقي الرفاق لم نتجرأ على دخول أدب الوجودية وكنا نكتفي بنقده نقداً شديداً دون أن نتعرف عليه ، وبدون أن نقرأ أي كتاب وجودي . كانت الوجودية من أحدث المذاهب الفلسفية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية رغم ان جذورها كانت ممتدة في القرن الماضي . لم يشجعنا أحد على مطالعة الوجودية ومطاولتها للماركسية ، وكأنما الوجودية ليست سوى فلسفة خيالية . لكنني كنتُ أعتقد أن قائداً شيوعياً عريقاً مثل مسئولي الحزبي ناصر عبود ، هاديء الطباع ، مجاهد في العمل النقابي والشيوعي ، يمكن أن يفيدني ببعض معلومات عن الوجودية وفلسفتها رغم أنه لم يدرس ولم يعرف لا أفكار هيجل ولا كارل ماركس وربما لم يطلع حتى على كتابات ماركسيين عرب ، لذلك كنت أعرف أن من المستحيل عليه أن يفقه نظريات وآراء الفيلسوف الدانمركي سيرن كيركجور ..!

لم يكن بمقدوره أن يجبني على سؤالي له عام 1957 عن ماهية الفروق بين الماركسية والوجودية فقال لي : الوجودية فلسفة رأسمالية استعمارية رجعية .. بينما الماركسية فلسفة ثورية تقدمية ..! وقد أنهى قوله بتحذيري من قراءة كتاب جون بول سارتر شاهده في مكتبتي يوم ذاك قائلا : أحذر قراءة الكتاب وإلاّ فسوف تتحجر ..! لكن هذا الرجل المحترف للعمل الحزبي الشيوعي كان يملك تجربة عالية الامتياز في قضايا التنظيم الخلوي وفي بناء اللجان الحزبية فتعلمت الكثير من جهاديته وخبراته التنظيمية . لقد اصبحت روحه التنظيمية التجريبية مثالا منتشرا في حركتي اليومية في العمل الحزبي .

نتيجة " تحرري " من الالتزام ببرامج الحزب الثقافية استطعت أن أتجه لقراءة هوميروس بعد أن سمعت انه الشاعر الذي أرخ اليونان بشعره فتعرفت إلى إلياذته مكتشفاً فيها إن الحرب قد نشبت بسبب اختطاف الملكة الإغريقية ( هيلين ) من قبل الأمير الطروادي ( بارس ) واستمرت الحرب عشر سنوات . لم تكتف الإلياذة بالتاريخ بل بالحالة الإنسانية وبغضب آخيل بطل الإغريق وصراعه مع الملك ( آغا ممنون ) . تنتهي الإلياذة بمقتل بطل طروادة وابن ملكها ومقتل اخيل وتدمير طروادة .

اما الأوديسة فتروي قصة عودة اوديسيوس الى مملكته بعد تعرضه الى أهوال العودة ومصاعبها بسبب نسيانه تقديم القرابين للألهة .

هل يصبح بإمكاني ، الآن ، وأنا في النقرة أن أتعرف لمذاهب أخرى غير الماركسية ..؟ أليس من الضروري أن يتعرف الشيوعي على كل النظريات القريبة والبعيدة من الماركسية ، الصديقة والعدوة ..؟ أليس من الضروري التعرف على التراث الادبي في تاريخ العالم ..؟

سألتُ نفسي :

هل ينضم أدباء سجن النقرة إلى هذا نفس هذا السياق في فهم التاريخ العراقي وفي تدوين بعض خصائصه وأصوله في ما نقرأ أو نكتب ..؟ ليس بمستوى الأوديسة والإلياذة لكن بنفس روح فاعليتها ومادتها . أم أن خبرات أدبائنا العراقيين ، شيوعيين وغير شيوعيين ، غير ملائمة إلاّ لوظائف ثانوية وحسب . هل يتجه ، مثلا ، أدب نقرة السلمان وخاصة شعره وقصصه إلى الثنائية التاريخية ـ السياسية لفهم قدرات الفاشية العراقية على " تدمير " العراق وقتل أبطاله وسجن الكثير منهم ..؟ هل يتمكن محمد مهدي الجواهري الشاعر العائش في هذه الايام في الغربة أو مظفر النواب الشاعر العائش في عمق السجن البغيض أن يفعلا في الشعر ما فعله هوميروس ..؟ هل يستطيع كتابنا أن يكتبوا عن أهوال السجن ومصاعبه وصراعاته .

اعترف ان أسئلتي اعتباطية لكن (أسناني تصر) مما حدث من جرائم شاذة لم تحدث كما أظن لا في طروادة ولا في " درسدن " الالمانية أيام هتلر . فهل يخلق أدباؤنا الواعون المتمرسون نموذجاً حديثاً من أدب السجون ..؟

هنا ، في النكَرة وجدتُ أجواء أدبية نشيطة . تضم أسماءً لامعة في الثقافة والأدب .

لا أدري لماذا وقع نظري أولاً على شاب طموح سريع الحركة في داخل السجن ، وواسعها . فاضل ثامر من آهل الكوت وضحاياها يقرأ كتباً بالإنكليزية والعربية . ويكتب كثيراً ويطالب بمزيد من الندوات الشعرية والأدبية . ويصر على مراسلة المجلات الأدبية ومنها مجلة الآداب اللبنانية وقد ظهر اسمه فيها وهو في النقرة. ثم ابتدع شكلاً جديداً لأثارة حيوية الندوات وهو إدخال ( النقد ) ضمن الندوة الادبية السجنية الواحدة التي كان يضم جمعها عددا من الشعراء ، منهم مظفر النواب ، والفريد سمعان ، وفائز الزبيدي ، وفيصل السعد ، وخالد الخشان ، ومحمد الجزائري ، وهاشم صاحب ودينار السامرائي ، والشاعر الشعبي زهير الدجيلي وغيرهم . كما يضم مثقفين من مواهب اخرى منهم ، عبد الرزاق زبير ، عبد الصاحب الحميري ، يحي قاف ، عزيز سباهي ، بديع عمر نظمي ، مصطفى عبود ، جمعة اللامي ، سعدي الحديثي ، محمد الملا عبد الكريم ، نصيف الحجاج ، صالح الشايجي وسليم الفخري وآخرون .

كان غالبية أدباء السجن يدركون أهمية تحليل أهواء القصيدة السجنية وأهمية دورها في العض على الواقع المر الذي نعيشه . بعض القصائد كان لها اتصال بالواقع وبعضها يمر عليه مرور الكرام وبعضها يدينه بجزع وبعضها كان أسير النظرة الذاتية لشاعرها .

تعطى جميع قصائد الندوة الواحدة قبل انعقادها لأحد الأدباء ليكتب عنها رأياً .

في يوم الندوة يلقي الشعراء قصائدهم فينهي الندوة الفريد سمعان ، مثلاً ، بقراءات نقدية لما قيل من شعر . ونعطى قصص الندوة القصيرة لناقد آخر مقدماً ملاحظاته النقدية .

كل النقد في الندوات الماضية كان عبارة عن مضمون مقالة يكتبها (الناقد ) لا تخرج عن مألوف القول السطحي أنها قصيدة " جيدة " او " ممتازة " أو أنها " متعارضة " مع نهج الحزب .

لم يفسر لنا النقد السجني بعض مظاهر الإبداع في القصائد ولم نعرف مدى ارتباطها بالأصالة الشعرية أو بالتوجه التجديدي في الشعر الذي بدأته نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي .

اكثر الضباط والعسكريين بمختلف مراتبهم لم يحتلوا مكانهم في الندوات الثقافية . بعضهم لا يرتاح لسماع الشعر وبعضهم الاخر لا يرتاح للمناقشات الادبية وبعضهم كان يجد في النشاط الثقافي مجرد ترف بورجوازي . لكنهم جميعا يرتاحون جدا عندما يسمعون قصائد الشاعر محمد مهدي الجواهري أو مظفر النواب .

ساحة النقرة تحولت إلى منتدى أدبي حقيقي يمارس منهجه الخاص بتجارب خاصة . ولد بعضها داخل السجن وتطور بعضها الآخر فيه أيضاً.

قفز ، تبعاً لهذا النشاط ، إلي ذهني وإلى أذهان سجناء آخرين ، سوقان عربيان قديمان شهيران : سوق عكاظ وسوق المربد. جمعا بين التجارة والأدب . كان لهذين السوقين تأثير كبير على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأدبية وحتى السياسية .

دار في خلد بعض السجناء أن نقرة السلمان ليست سوى سوق عكاظ (غير تجاري ) فهي أولاً اجتماع أناس كثيرين ، مقيدين بأحكام ثقيلة أو خفيفة ، في صحراء واحدة ..

وثانياً أن سوق عكاظ قريبة من مكة . فهذا "عكاظ " نقرة السلمان أقرب أمصار العراق الى مكة .

وثالثاً يأتي الى عكاظ مكة قريش وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف أخرى من العرب . أما عكاظ النقرة ففيها عرب وأكراد وتركمان وصابئة وآشوريين وطوائف أخرى من العراقيين .

ورابعاً يتجمع الناس مرة أو مرتين بالسنة في عكاظ مكة .

ويتجمع عكاظ النقرة كل يوم خميس .

خامساً ..قال بدر بن معشر الغفاري بسوق عكاظ قولته المشهورة :

نحن بنو مدركة بن خندف من يطعنوا في عينه لا يطرف

ومن يكونوا قومه بغطرف كأنهم لجــــة بحر مسدف

هذا الكلام صنفه نقاد الشعر القديم بأنه معجزة شعرية فقد كان فيها قوة غير مرئية للتأثير على العلاقات القبلية منذ العصر الجاهلي حتى مع احتواء بعضها على مبالغة ، أو دجل ، أو سذاجة .. !

فهل يمكن لهذا النمط من الشعر أن يحيا من جديد في سجن نقرة السلمان للتأثير على علاقات الناس بين ( قبيلة ) واحدة هي قبيلة الشيوعية ..؟

في عكاظ النقرة سمعتُ مظفر النواب ينشد :

هذوله أحنه سرجنا الدم عله صهيل الشكَر يـسعود
تجــادح عيون الخيل جدح الحـوافر ســـود
ياخذنا الرسن للشمــس من زود الفــرح ونزود
يا سعود أحنه عيب نهاب يا بيرق الشرجـية
خله الدم يجي طوفــان كلنه نخوض عبرية

صفق السجناء كثيراً لمظفر النواب وكثيرون راحوا يحفظون أبيات القصيدة وآخرون وصفوها بمعجزة الشعر الشعبي وقد ازدهر لدى السجناء عموماً هوس خاص بشعره .

وضحت لدي ان قصائد مظفر النواب تحمل قدرة التحريك النفسي المباشر على سامعيه وقارئيه .

لم أكن أعرف مظفر النواب من قبل . سمعتُ به كثيراً لكنني لم ألتقِ به. أول مرة سمعتُ به حين كنتُ في البصرة إذ تردد أسمه عام 1958 مصحوباً مع قصيدة جميلة : للريل وحمد. نشرها في مجلة بغدادية أظنها المثقف . وقرأت يومها برقية سعدي يوسف المرسلة إليه من البصرة ، لا أتذكر نصها ، لكنني أتذكر فحواها يقول : (سأضع شعري كله في هذا الطريق).

لم أكن أعرف ما إذا كان مظفر النواب شيوعياً أم لا ، لكنني قررتُ في ذلك اليوم ، يوم قراءتي للريل وحمد ، تغيير أسمي الحزبي من (بيان ) الى ( مظفر ) وصرتُ منذ ذلك الحين متابعاً لأخبار مظفر النواب الى حين التقينا في النقرة .

كانت إحدى الخلايا البصراوية الخاصة مرتبطة بي مباشرة لسنوات طويلة ، هي خلية ( الحكام ).حين أخبرتُ مسئولها حاكم التحقيق الشيوعي النشيط حميد محمد سعيد الحكيم بأنني غيرت أسمي زعل كثيراً لأنه كان معجباً بأسم (بيان) الذي كان قد أطلقه على ولده البكر فسماه ( بيان ) . كذلك عضو اللجنة الطلابية في البصرة ( صالح زيدان ) الذي سمى ، فيما بعد ، ابنه البكر ( بيان ) اعتزازا منه بي كما أخبرني بذلك .

تحولت بقاع سجن نقرة السلمان من ارض صحراوية جرداء الى مركز ثقافي نشيط بفضل الخطة الثقافية الأسبوعية التي تضعها اللجنة الثقافية والتي يلعب فيها فاضل ثامر وسامي احمد والفريد سمعان دوراً رئيسياً في إنجاحها.

ما عرفتُ شاعراً ولا سجيناً في النكَرة يحب الحركة المنفردة ويغرق في الصمت مثل مظفر النواب. يمشي كل صباح أو في آخر الليل عدة كيلومترات حول القواويش أو في ساحة كرة القدم . يمشي سريعاً مطرق الرأس الى الأرض.

يحب النظر الى الأرض ، بل ينهبها نهباً.

ربما هذه هي وسيلته في استحضار قصيدته ، أو أنها وسيلته في البحث عن جذورها .

لا أدري.

قد يضللك أنه يحب الوحدة والعزلة .

أو تظن أنك أمام شخص لم يعد يعرف ماذا يفعل ، رغم قناعة غالبية السجناء باستقامته وبامتلاكه قوى إبداعية متعددة ، في الرسم والموسيقى والغناء والكتابة النثرية..

كل الطرق مسدودة داخل السجن . ليس أمامك غير النظر الى الأرض أو الى نجمة ما في السماء .

حسبتُ نفسي قادراً على معرفة ما يفكر به هذا الشاعر المتحمس لموهبة يريد تفجيرها داخل السجن من دون ان يقصد خروجها الى ما بعد أسواره غير أن مجيء المواجهين الى السجن في كل يوم تقريبا بحدود عائلتين إلى عشر عوائل وكان أول سؤال يواجهه السجين من أفراد عائلته هو : هل مظفر النواب معكم ..؟ وعندما يكون الجواب إيجاباً ، يسمع السجين من أهله كلمات : يا لحظكم السعبد . .

ما استغنيتُ عن الحديث بشأنه مع هاشم صاحب فأنبأني الكثير عن طفولته وعن انتماءاته الفكرية ، وأدّعى أنه هو الذي أفاد مظفر في عروض الشعر .

حدثني سعدي الحديثي عن قدرته في الإنشاد الشعري وفي قدرة صوته على التحول من الإنشاد إلى الغناء .

سعدي الحديثي شاب ولوع بالأغنية الشعبية وبالأغنية البدوية . علاقته الطويلة مع مظفر منذ سنوات طويلة مضت جعلتهما يمارسان هواية غناء مشترك .

أدركا أن من اخطر أنواع الفنون التحريضية هي الأغنية .

قصيدة الشعر عند مظفر النواب هي رسالة أولاً وقبل كل شيء.

الأغنية لدى سعدي الحديثي هي رسالة أيضاً.

وهنا ألتقيا في أماسي مشتركة ، في ساحة كرة السلة داخل السجن ، لينشدا كلمات الحب والثورة . صوت واحد في صوتين انطلق جامعاً قلوب هذه الآلاف التي تطحنها آلام السجن وبُعدها عن الشعب الجريح.

مع صوتهما وبفعله تمتلأ ربايا السجن من كل جهاتها بالسجانين يتفرجون ويسمعون ، قد يفهمون ما ينشده سعدي ومظفر وقد لا يفهمون .

قيل لي أيضاً أن كثيراً من سكان السلمان تجمهروا بالقرب من جدار السجن.

ليس لي معرفة بالشعر فكان ألفريد سمعان يحدثني عن مستقبل مظفر الشعري متنبأً أنه سيتحول في يوم ما الى الشعر الحديث ، وأساس هذا التحول موجود في قصيدته الشعبية .

كذلك حدثني صاحب الحميري عن مظفر في غربته بإيران .

واصلتُ صحبة أصحابه لمعرفة رأيهم في أنسان يبدو على ملامحه جمر التمرد على الحياة . في عينيه الناظرتين إليك بهدوء تجد وهج الأفكار الكثيرة ، المتناقضة وغير المتناقضة ، وفيهما حلم الثورة المستحيلة التي كنا ننتظر اشتعالها . أجد فيهما نداءات متحركة متوالية :

يا شعب العراق هيا..

أيها الشيوعيون في نقرة السلمان هيا..

أيها السجناء السياسيون في كل سجون العراق هيا .

وكنت أجد في عينيه جذوة احتراق ألم مستديم كلما مضى يوم من عمر السجناء بلا ثورة .

فأية مفاجأة يمكن ان يقدمها مظفر في هذه الأيام الصعبة القلقة التي نعيشها في السجن بعد ان واجهنا الحقيقة التالية:

السجين يبقى في نقرة السلمان حتى يأكله الدود .

أو :

الاستسلام لقرار الحكومة ، بأن لا يخرج سجين من سجنه إلاًّ بعد توقيعه صك البراءة من الشيوعية . هذا يعني أننا ، نحن السجناء ، في حرب من نوع حروب طروادية ، فرجال الامن ورجال الحكومة يريدون أن يختطفوا منا مئات السجناء عن طريق ( البراءة من الشيوعية ) .

تعكظت نقرة السلمان في هذه الفترة ( صارت سوقاً كسوق عكاظ ) لأفكار انهزامية تحاول فيها الحكومة بمختلف الأساليب الضغط على السجناء لشراء براءتهم من الشيوعية لقاء إطلاق سراحهم الفوري .. فصار سيل يكبر ويكبر من طلبات السجناء المنهارين وأكثرهم من غير الشيوعيين..

وبعضهم ممن ليست له قدرة الصبر للانتصار على الزمن والملل والقهر والكآبة.

أصبح عدد هؤلاء الحالمين بإطلاق السراح حوالي 285 سجيناً من مجموع أربعة آلاف ، بعد قدوم وفد من وزارة الداخلية للتبشير بالبراءة التي هي ثمن إطلاق السراح الفوري . علينا أن نخوض حربا " طروادية " .

وقف ( يحي قاف ) الرجل السبعيني المعروف بسلاطة لسانه أمامهم ليقول لرئيس الوفد :

ـ قوّاد من يدعو الى البراءة . خذ حالك وأمشِ ِ أيها الجبان . أن تفوهت بها مرة أخرى سأبصق في وجهك ..

صار وجه رئيس الوفد مصفراً ، انبرى أحد أعضاء الوفد ليقول ليحي قاف :

ـ ألا تخشى من قوتنا يا هذا ..ونحن من وزارة الداخلية ..؟

ـ لو كنت جباناً لما كنتُ هنا . النقرة مربع الشجعان يا هذا .. ألا تعرف من أنا..؟ أنا يحي قاف . أسأل عني جلاديكم في الموصل وبغداد كي تعرف إن يحي قاف يقول الحق ولا يخاف ..

لا أحد يدري ما في قلوب سجناء آخرين لم يعلنوا موقفهم بعد. لكن موقف يحي قاف جعل الوفد يغادر السجن على وجه السرعة .

يوم الخميس في السادسة مساء أعلن عريف الحفل الثقافي أن برنامج الندوة لهذا الأسبوع يتضمن قصائد عديدة منها قصيدة ألفريد سمعان ، خالد الخشان ، فيصل السعد ، ودراسة نقدية لصالح الشايجي . لكن المفاجأة كانت في قصيدة مظفر النواب : البراءة .

لم تكن قصيدة عاطفية ولا انتقادية ولا سياسية ولا معاناة ذاتية ولا تعبيرية ولا رمزية ولا ثورية . أنها قصيدة من نوع خاص تحقق التزاماً بمغامرة من نوع خاص. فيها مسئولية الدعوة الى النفس المنهزمة ان تنتصر على هزيمتها .أفكار قليلة عن بديهة صلبة فيها نداء للمهزوم بأن يتولى نفسه بنفسه وان يعتنق مصيره من دون شرط اعتناق عقيدة معينة .فأقبل السجناء كلهم عليها ففي كل كلمة منها دعوة للرجولة .

انتصر مظفر النواب في هذه القصيدة على المضمون والأسلوب في آن واحد ، فلا مضمونها يخلو من تعدي لغة القصيدة الى جوهرها الإنساني ولا في أسلوبها غير وحشة الكلمة التي تدق عنق قارئها . أراد لكلماتها أن تنبض وان تصيب الهدف فانتظمت في كونِ قصيدة واحدة تتعايش فيها الحروف بعضها الى جانب بعض لصناعة مفردات تخاطب الحس الإنساني في داخل المنهزم من عذابات السجن .

في ذلك اليوم حال سماعي للقصيدة قلت : ليست القصيدة الشعرية كلمة ووزن . بل هي لحم ودم.

استطاعت قصيدة مظفر النواب ان تجعل سامعها يعاني من ذاته فيحيا في ذاته ثم يحس انه جزء من كل ، وان المناضل لا ينقطع نَـفــَسه مهما كانت الظروف طالما هناك شعب يتنفس .

صارت أسئلة مظفر النواب في قصيدته تدق برأس كل واحد ممن قرروا توقيع صك البراءة :

شلون تجابل عيون المحلة..
لا تصل يَمنه وهاك اخذ عار الجريدة
ولف ضميرك والكرامة
مثل ما تبريت من شعبك
تبرينه من اسمك
يا شعب هذا التشوفه مو ابنـّه

تحقق فعلها المباشر في اليوم التالي فصار عدد المرشحين لتوقيع البراءة نازلاً الى أقل من مائة .

قال لي أحدهم من الذين أرادوا تقديم البراءة فأوقفته القصيدة : لقد ولدتني قصيدة مظفر النواب من جديد.

تخطت القصيدة مناسبتها يوماً بعد يوم حتى انتهى اثنان وخمسون متبرئا الى خارج السجن .

خصبت القصيدة ارض النكَرة من جديد وصانت حقيقة السجين الشيوعي مــن كل شائبة ودخيل ودفعت خالد حبيب هاجماً بعينين مغرورقتين بالدموع مقبلاً مظفر النواب ألف قبلة .

فطن الناس في كل السجون الأخرى وفي بغداد وفي كل المدن العراقية الى المبادرة الشهمة الجريئة لقصيدة البراءة وشاعرها فانتشرت ، مكتوبة وشفاهاً ، من يد الى يد حتى أصبحت مستمسكاً جرمياً لكل من يحملها أو يتفوه بكلماتها.

على المثال عينه برئت نقرة السلمان من الهزيمة .

أصر السجناء على ان يتولوا تاريخهم بأيديهم .

مكيفين إياه على الصبر .

وقد ضمن الصبر مصير السجناء في أمسيات خميسية كثيرة بطاقات ٍ إبداعية ٍ متجددة تستحق أن تحيا بوشائج قوية مع اللوحة الفنية لدى الرسامين والنحاتين والمسرحيين وكتاب المقالة والقصة والشعر ..

واللهِ أن عكاظ النكَرة لينفي بوجهه الحق كل وجوه الباطل في عكاظ مكة ..
والله كان مظفر النــواب محطماً لحصان طروادات البراءة اللعينـة ، وسيلة الحــكومة لإذلال المناضلين .


 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس