| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأحد 28/9/ 2008



نقرة السلمان
(19)

جاسم المطير

استعادة الذكريات مع الفلاح عبد الواحد كرم
بعد سقوط الحرس القومي وقبل الانتقال الى نقرة السلمان كانت هناك ذكرى جميلة عن محاولة هروب لم تنجح ، ليس بسبب ضعف ما او نقص ما ، لكن بسبب ان الكثير من المصادفات تأتي الينا ، في لحظات معينة ، كأنها قدر مكتوب لا يمكن تجاوزه . كان سقوط الحرس القومي قد أعاد الحياة لنا نحن مجموعة الموقوفين في مقراته . اضمحل الموت وصرنا ننظر لشباك الحياة عسى أن ينفتح أمامنا .

أنا الآن في بناية قديمة قريبة الى مستشفى السعدي ، بالقرب من كمب الأرمن ، على طريق بصرة ـ عشار ، اتخذت مؤقتاً كموقف للمعتقلين السياسيين الناجين من موت الحرس القومي ومقراته البشعة . لكنني متفاءل بأمل الحياة الذي عاد لي بعد ان عشت قلق الموت من 19 – 3 – 1963 لغاية 18 – 11 – 1963 في زنزانات حرس فاشي الا فاصل فيها بين الموت والحياة .

كنتُ منقطعاً تماماً ، في المكان الجديد أيضا ، عن الاخبار العالمية وغيرها ، إذ كنتُ " أعيش " في غرفة صغيرة جداً ومظلمة ، لا تصلها حتى الشمس. لا راديو ولا جريدة . لا بــشر يتحدث معي لأنني وحيد في ظلمة .

أول شيء فكرتُ فيه هو الهروب .

لكنني لستُ قادراً وحدي على القيام بهذه المهمة ، خاصة وانا ما زلت اعاني من آلام التعذيب ومن قصور في عمل الكلى ومن مشاكل صحية كثيرة جاءتني من الزنزانة الانفرادية الاخيرة في مقر الحرس القومي بمحلة الكزارة إذ قضيتُ فيها المدة من 5 – 8 – 1963 حتى صباح يوم 18 – 11 – 1963 . لم يكن يمر يوم من أيام هذه المدة من دون عملية تعذيب أو حملة تعذيب .

في مركز الشرطة كان الوضع مختلفا كليا بعد سقوط الحرس القومي فقد صارت هناك مواجهات . كانت والدتي تزورني وقد تحسن غذاؤنا إذ صار أدخال سفرطاس الاكل مسموحا كل ظهيرة وصار بالإمكان " رشوة " الشرطة بسهولة من أجل تحسين أوضاعنا . عليّ الأن البدء بالتخطيط للهروب من موقف الشرطة . أعطيتُ ربع دينار " رشوة " الى عريف المركز طالباً منه نقل جياد تركي الى غرفتي .

لم تمض غير ساعة واحدة حتى أستصدر أمراً من مأمور المركز ناقلاً جياد تركي الى هذه الغرفة الصغيرة .أدعى الشرطي أمام المأمور أن جياد يستحق عزله في الغرفة الصغيرة كعقوبة له على " مشاكساته " مع الموقوفين الآخرين .

حال دخول جياد الى غرفتي فاتحته بفكرة حفر الحائط والهروب منه .

بدأنا نتناقش ونتداول الفكرة ووضع خطة لحفر الحائط المطل على ساحة واسعة خلف المركز .

من اللحظة نفسها أستخدمنا الملعقة والسكين والجطلات في عملية الحفر خلال ليلة كاملة فأنجزنا بضعة سنتمترات لا غير .أشعرتنا تجربة البداية في الليلة الاولى أننا بحاجة الى سجين آخر للمعاونة في رقابة تحرك الشرطة داخل حوش المركز حتى لا يدخلون على غرفتنا فجأة فيكشفوا أمر الحفر .

في صباح اليوم التالي أعطيتُ ربع دينار آخر لعريف في المركز تعمقت علاقتي به من خلال هدايانا له بكميات غير قليلة من الفواكه الواصلة ألينا من أهالينا كل يوم . طلبتُ منه أن يجلب لنا من موقف المركز السجين عبد الواحد كرم ( ابو سلام ) فلبى الطلب حال نزول الربع دينار الى جيبه .

لم تكن غرفة توقيفنا تسع لأكثر من شخص واحد فقد كانت مساحتها مترين × متر واحد . وصرنا ننام ثلاثتنا قعوداً. أحيانا ننام بالتناوب لبعض الوقت ، واحدا بعد آخر .

تم تقسيم العمل بيننا ، بعد مكاشفة ابو سلام بخطة الهروب . وقع عليّ واجب الرقابة الداخلية من زرف صغير في باب الغرفة أشاهد من خلاله تحرك الشرطة في الحوش.

وكان على جياد وعبد الواحد أن يتعاونا على حفر الحائط العريض.

كانت خطة الحفر كالتالي :

قلع الطابوق من نوع " الفرشي " من الحائط على أن يكون قلع الطابوقة دون تكسرها الى قطع صغيرة ، أي الحرص على قلع الطابوق ، طابوقة بعد أخرى .

بعد انتهاء القلع يتم وضع التراب في داخل تنكة البول لننقلها معنا لرمي البول في التواليتات في الساعة السادسة من صباح كل يوم فيذهب التراب معه .

كان لا يسمح لنا بالخروج إلاً مرتين في اليوم الواحد ، مرة صباحاً والثانية في السادسة مساءً.

لم نكن نملك من أدوات الحفر غير سكينة واحدة وثلاثة ملاعق وجطلان . كل ليلة تنكسر بأيدينا أداة واحدة أو أثنتين فنضطر لتسليمها الى الشرطي صباحاً مع درهم واحد أو درهمين لتعويضنا عن الخسائر. إذ لم يكن مسموحاً لنا الأكل إلاّ بأيدينا .

العمل يمشي بطيئاً جداً و علينا أن نعيد وضع الطابوق الى ما كان عليه وضع الحائط قبل حفره لأن شرطياً واحداً على الأقل يدخل لتفتيش الغرفة في الثامنة من صباح كل يوم للتأكد من عدد الموجودين .

فوجئنا بنقل صديقنا الموقوف ( .....) الى غرفتنا كأجراء عقابي له . حاولنا رفض قبول شخص رابع معنا نظراً لصغر المكان وعدم احتماله لنوم اربعة اشخاص فرفض مأمور المركز بأصرار ، ثم تنازل عن رأيه في بقاء أربعة أشخاص في غرفة صغيرة واحدة موافقاً على إخراج احدنا بديلاً عنه .

لم يكن أمامنا بد من التراجع عن طلبنا فأبقينا زميلنا معنا على مضض.

بقينا حائرين لساعات ، هل نخبره بالحفر أم لا ..؟

هل يوافق على الهروب أم لا ..؟

كنا مضطرين على التحدث أمامه بالألغاز والاشارات.

أخيراً أعلمناه بخطتنا فأصيب بصدمة عنيفة . أولاً تقيأ كثيراً عندما شاهد الحفرة التي لم تكتمل بعد ، ثم ساح من تحته بول كثير ، وقال :

ـ أنا جبان .. لا أستطيع الهروب .. أهربوا أنتم .. وأنا أعترف عليكم بعد ذلك وأخلص نفسي..!!

في اليوم التالي بدأنا برشوة مأمور المركز. دفعنا له دينارين وأضاف صاحبناً نفسه ديناراً واحداً من جيبه ، فخلصنا منه إذ أعاده الى مكانه .

بعد أتساع حفر الحائط صارت هناك حاجة ماسة الى كمية من الأسمنت لإعادة وضع الطابوق الى حالته بحيث لا يشعر الشرطي المفتش بأي تغيير .

كان عبد الواحد هو الذي يقوم بغلق الحفرة فجر كل يوم ويقوم بـ(شربتة )الجزء المفتوح بالأسمنت وذره بالتراب حتى يكسب لون الغرفة الأصلي ثم نعلق على الحائط معاطفنا ودشاديشنا طيلة النهار ستراً لمكان الحفر ، كي نعود في الليل الى نفس العملية .

كان الشرطي النائب العريف (محسن ) من نفس عشيرة عبد الواحد هو الذي يجلب لنا كيلو او نصف كيلو من السمنت كلما نحتاج اليه .

بعد عشرة أيام من العمل المتواصل جابهتنا مشكلة وجود عارض قوي في طريق الحفر ، فاكتشفنا أنه الأنبوب الحديدي للمجاري النازل من الطابق الأعلى مما فرض علينا أن نحرف عملية حفر الحائط مسافة نصف متر الى اليسار حتى نتجنب هذه العثرة وفعلنا ونجحنا . كان المركز بالأصل هو بيت لأحد الأثرياء اليهود بني بطريقة الأساس العريض ، فكان سمك ضلع الحائط الذي نشتغل به أكثر من متر واحد .

ما أقساها من أيام على ذاكرتي وعلى ذاكرة من كان معي في تلك الغرفة .لم نكن نعرف أوقات الطعام ولا نميز بين فترة النوم والعمل واليقظة ، ولا نعرف الليل من النهار إلاّ عند فترة الاغتسال الصباحي ، إذ كان علينا أن نعمل ليلا ونهارا بأقصى سرعة لأنهم قد ينقلوننا إلى نقرة السلمان في أية لحظة ، وبصورة مفاجئة . كنا نسرع الخطى نحو الهروب بينما متصرف اللواء محمد الحياني يسرّع الإجراءات من أجل نقلنا إلى المحكمة أولا ومن ثم نقلنا إلى النقرة .

كانت معنوياتنا ترتفع كلما تقدمنا بضعة سنتمرات في عملية الحفر .

ان حريتنا امامنا وعلينا ان نعبد طريقها بسرعة والا فان مصيرنا حتمي الى نقرة السلمان . لم تلبث النتيجة ان ظهرت جلية امامنا وفرضت حكمها علينا ذات يوم اربعاء .

قررنا تنفيذ العملية قبل نزول الظلام فجراً . فنزلتً أولهم وعندما أخرجتُ رأسي ناظراً الى أمام أولاً والى اليسار واليمين في ما بعد .. شاهدتُ من فتحة الحائط ، جنديا من فريق الأنضباط العسكري مع سيارته قبالتنا . كان يحرس مبنى مديرية الأنضباط العسكري في لواء البصرة مع زميل له يقوم بتصليح سيارة عسكرية موضوعة قريباً من مكان الفتحة كما كان آخرون على يمين الفتحة قد أشعلوا نيراناً يدفئون أيديهم بها ، فاضطررنا تأجيل العملية الى مساء اليوم نفسه بعد حلول الظلام ..

كان أملنا في الحرية قريب المنال معتقدين أننا سننام الليلة في بيت قريب جداً من المكان الذي نحن فيه ، كانت والدتي قد هيأته قبل يومين .

حدث ما لم يكن في الحسبان فقد خالفنا الحظ على حين غرة .

في الساعة الثالثة ظهراً حضر الى المركز محافظ البصرة محمد الحياني ومدير الأمن ومدير الشرطة ، أخرجونا من مكاننا بسرعة دون أن يفسحوا أي مجال لسماع رأينا بضرورة تأجيل سفرنا ليوم واحد فقط بهدف مقابلة عائلاتنا وتوديعهم قبل الذهاب الى النقرة التي اخبرونا بأمرها في تلك اللحظة . نقلونا الى محطة قطار المعقل الذي يوصلنا الى مدينة السماوة في طريقنا الى نقرة السلمان ، فضاعت منا فرصة هروب مضمونة النجاح لا يمكن تعويضها .

تعطلت ذاكرتي زمناً غير قصير إلى أن بدأتُ باستعادة ما مخزون فيها في هذه الايام ، بما تحمله من معاناة وآلام الشهور التسعة ( من آذار 1963 الى تشرين الثاني ) بأحداثها ورموزها وأسرارها .

لكن وجودي الى جانب عبد الواحد كرم في القطار لعدة ساعات أعاد لي الكثير من ذكريات ماضية .

حملنا معاً أثقال سنوات حكمنا الى نقرة السلمان ، فقد كان عبد الواحد قد نال نصيبه مثلنا حكماً بعشرين سنة من نفس المحكمة العسكرية الخاصة وفي نفس يوم صدور الحكم علينا .فقد وقف في المحكمة ليقول لحكامها : ما وجدتُ نصيراً للفلاح العراقي غير الحزب الشيوعي لذلك تشرفتُ بالانتماء إليه .

كانت الساعات السبع التي قضيناها معاً جنباً الى جنب، في عربة القطار ، فرصة مناسبة ليحدثني عن الفترة اللاحقة لأعتقالي وعن جهود الباقين من اعضاء اللجنة المحلية وغيرهم مــن الشيوعيين .

هذا الفلاح ( أبو سلام ) شخصية فريدة النوع .

حين أجلس مع الفلاحين الحزبيين متحدثاً بلغة وسيطة بين الفصحى والعامية كنتُ ألاحظ روح الانعزال عني ومن احاديثي . أتذكر يوم أجتمعتُ مع فلاحين في مدينة " المديْنة " القريبة من مدينة " القرنة " شمال البصرة ، أثناء حملة الحزب عام 1954 ضد الحلف التركي - الباكستاني وعن مخاطره العسكرية والسياسية . كان الوجوم واضحاً على وجوه الفلاحين .. صبروا معي بضع دقائق وإذا بأحدهم ( سيد سجاد ) ينهض واقفاً بوسط المضيف ، متجهم الوجه ، قائلاً بعصبية :

ـ توقف عن الكلام أيها الرفيق الأفندي .. خذ أوراقك وعد من حيث أتيت ..

كان السبب الرئيسي في قرار " الطرد " هو أنني كنتُ أتحدث بأسلوب وكلمات وموضوعات لا يفهما الفلاحون المجتمعون .

أما عبد الواحد كرم فحديثه بلغته الشعبية الاصيلة وبمفرداتها العمارتلية يسحر المستمعين الفلاحين . إذا أراد مغادرة أي أجتماع حزبي فلاحي بعد أنتهاء مهمته فأن الحاضرين يحتجون لمغادرته . يريدون المزيد من الأستماع الى أحاديثه .

جاء عبد الواحد الى البصرة منقولاً من بغداد عام 1962 وأنضم الى اللجنة المحلية مسئولاً عن تنظيمات الفلاحين من شمال البصرة حتى جنوبها ، فأعاد اليها روحها الطبقية مقوياً تنظيماتها المفككة بفعل قيادتها السابقة من قبل معلمين أو موظفين صحيين يعملون في الأرياف . أحيا من جديد وبفترة قصيرة الجمعيات الفلاحية الملغاة ، وأوجد ركائز جديدة في أرياف البصرة ،عاملاً بنشاط متواصل حتى يوم الانقلاب الاسود.

الشوق يدفعني الآن لمعرفة دوره في الاشهر السابقة ، بعد أعتقالنا ، نحن مجموعة من اللجنتين المحلية والمنطقية ، وبعد الضربة العنيفة الموجهة للحزب ولتنظيماته في البصرة .

كان صوت عربة القطار مزعجاً والبرد شديداً وهو يقودنا الى السماوة ومنها بالسيارات الى نقرة السلمان ، بينما يواصل أبو سلام لف سيكارته ، واحدة بعد أخرى ، وهو يحدثني بشيء من الحزن :

(( بعد أعتقال اللجنة المنطقية والمحلية وجدتُ نفسي أمام مسئولية كبيرة . من جهة كانت تنظيمات البصرة متقطعة وفي حالة تراجع ، بينما كانت الجماهير وخاصة العمالية تغلي وعلى استعداد للقيام بأي عمل يضعف السلطة الجديدة.

قال متحدثا بألم : أتصلتُ مع (عرب عكاب ) المرشح الى عضوية اللجنة المحلية للبدء بأعادة الأتصالات مع اللجان الفرعية ومع الخلايا المقطوعة . كان عملنا متواصلاً ليلاً ونهاراً وسريعا جداً . كنا نعمل بشعار : لا تؤجل عمل الساعة الى ما بعد ساعة .

نجحنا في شهر واحد من أعادة شمل أغلب التنظيمات الحزبية في البصرة والعشار والمعقل . كما حققنا بعض الاتصالات بالأرياف ، في الاقضية والنواحي .كان الفضل الاكبر والاهم في هذه النجاحات يعود الى الطلاب الحزبيين المتحمسين.

أكثر الاجتماعات مع الجماهير كنا نعقدها في المناطق الكادحة والفقيرة . يحضرها عمال وفلاحون وجنود.

أحد رفاقنا من تنظيم المعقل أرسل لنا رسالة يقول فيها انه هيأ اجتماعاً واسعاً لمجموعة من العمال والجنود ووجهاء من العشائر . وقد أصر المجتمعون على حضور ممثل من الحزب الشيوعي فذهبتُ مع عرب عكاب وشخص ثالث. المجتمعون جاهزون لإعلان الثورة ضد البعثيين انتقاماً لقتلهم الشيوعيين من ابنائهم ولقتلهم عبد الكريم قاسم . زاد عددهم على الثلاثين شخصاً . أخبرنا احدهم وكان قائداً نقابياً من عمال الموانيء بأن كل شيء مرتب لإعلان اضراب عمال الموانيء واحتلال المتصرفية ومقر الحرس القومي وبعض مراكز الشرطة وبعض معسكرات الجيش . طلب منا العمل بصورة مشتركة أيماناً منهم بأن وجود الحزب الشيوعي في مثل هذه الحركة يشكل عاملاً حاسماً في انجاح تمرد البصرة .

أعلمتهم بأننا على استعداد لقيادة مثل هذه الحركة التي نحتاج فيها الى التنسيق مع حزبنا في بغداد .

ظلت العلاقات مستمرة مع هذا التجمع الذي أخذ يتوسع يوماً بعد يوم بانضمام مجاميع جديدة من الشباب المتحمس .

ولولا خيانة ( الرفيق ) الذي يعيش معي في نفس الصريفة ( ي. ح ) لكانت حركة البصرة الثورية قد سبقت حركة حسن سريع في معسكر الرشيد . فقد تخاذل هذا الشخص ذات يوم ، إذ سلّم نفسه للحرس وجاء بهم الى بيتي (صريفتي) ليلقوا القبض عليّ. فواجهتً تعذيب الحرس القومي وأنا أتذكر الأجتماع المقرر بنفس اليوم مع (الجماعة الثورية) لاتخاذ قرارات هامة في تاريخ الحركة الجماهيرية بالبصرة في أقسى ظروف القمع والقهر ، فشعرتُ بعظم الخسارة ..)) .

لم ييأس رفاق آخرون من الاعتقالات اليومية التي يشاهدونها او يسمعون عنها . كان ذلك يدفعهم للأسراع بانهاء نظام الزمرة الحاكمة المحبة لسفك الدماء . وردتهم اخبار تقول ان حركة ثورية ستقوم في بغداد يوم 5/7/ 1963 وربما تبدأ من معسكر الرشيد . هيأوا انفسهم في البصرة أيضاً لليوم الموعود . نشط جعفر النداف ( من اهالي العشار ) للأتصال بعدد من العسكريين في القاعدة البحرية بالجبيلة وفي معسكر محمد القاسم وفي الشعيبة . كانت خطتهم تقوم بحركة أطلاق سراح المعتقلين في معسكر الشعيبة والسيطرة عليه ، ومن ثم التحرك للسيطرة على المعسكرات الأخرى . لكن المجموعة فوجئت بحركة حسن سريع يوم 3/7 وليس في 5/7 مما ادى الى اجهاض حركة البصرة ، فتم اعتقال مجموعة جعفر النداف في البصرة . واحيلوا فوراً الى المحاكمة فصدر الحكم باعدام ثلاثة ، منهم جعفر النداف الذي خفف الحكم الصادر بحقه " بالواسطة " الى عشرين عاماً بسبب توسط فوري مباشر من قبل صالح مهدي عماش.

كما تم تسفير المعتقلين في معسكر الشعيبة وكان عددهم أكثر من خمسمائة شيوعي يوم 6/7/1963 بقافلة تتكون من عدة سيارات عسكرية توجهت بهم من الشعيبة الى نقرة السلمان عن طريق صحراء الناصرية وكاد عدد منهم أن يواجه الموت عطشاً بسبب غرز غالبية السيارات في رمال الصحراء مما استدعى قضاء الوقت الطويل لإخراج الشاحنات من وسط الرمال بعد أن تحول المعتقلون الى دافعي الشاحنات المنغرزة بأيديهم تحت الشمس الحارة والعطش الشديد . وقد أنقذت القافلة من الموت بعد وصولهم الى إحدى قرى الناصرية حيث هرع سكانها الى تزويدهم بالماء والغذاء مواصلين الرحلة الى النقرة ليستقروا فيها بعد منتصف الليل ، وصارت هذه الحملة تعرف من ذلك اليوم باسم " قافلة الموت " كان من ضمنها مصطفى الدوغجي ، وعباس الفياض ، عباس الرباط ونصف ألف من معتقلين آخرين .

في نقرة السلمان نصب عبد الواحد كرم من أول يوم وصوله " مضيفاً " جنوبياً في ( القاووش رقم أثنين ). يجتمع حوله أغلب السجناء من الفلاحين وغيرهم . أحاديثهم متواصلة عن الحزب وثورة تموز وعذابات الحرس القومي وجرائمه .

أول موافقة تصدر من الهيأة الأدارية للسجن بالسماح لعبد الواحد كرم بأدخال " طباخ صغير " الى القاووش لضمان استمرار حرارة القهوة في مضيف ٍ سموه مضيف ابو سلام تحول الى منتدى فلاحي كبير دائم الانعقاد لمواكبة الأحداث السياسية والنشاطات الثقافية في سجن نقرة السلمان . بعد أقل من عام على وجوده في النقرة ازدادت شهرة عبد الواحد كرم أيضاً ليس بسبب اتساع مضيفه بل كان هو أول رفيق حزبي يجري تجميده في سجن نقرة السلمان بسبب " معارضته " لسياسة الحزب الجديدة (خط آب ) .

كانت خليته الفلاحية في السجن تتكون من 25 رفيقاً يقودهم صاحب الحميري ويساعده معن جواد . حضرا أجتماع الخلية يوم كان مكرساً لشرح سياسة الحزب فأبدى عبد الواحد كرم ملاحظاته وأيده جميع الرفاق الفلاحين الآخرين.

بعد يوم واحد من أنتهاء الاجتماع أبلغه معن جواد بقرار لجنة التنظيم بضرورة تخليه عن الخلية لأن التنظيم يريد له الراحة بعد ازدياد متاعبه الصحية ..!

أدرك ان صوته غير مسموع وصار مضيفه مكاناً لتجمع الفلاحين غير الراضين عن سياسة الحزب الجديدة.


 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس