| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأثنين 29/9/ 2008



نقرة السلمان
(20)

جاسم المطير

أحاديث عن التمر وأنواعه وعن عبد الكريم قاسم ..‍‍!
وردتني اليوم رسالة من والدتي كدرت خاطري إذ أنبأتني بأن بعض أوراقي المرسلة لها بواسطة ترمس شاي قد فقدته أم أحمد درويش أو زوجته في القطار أثناء العودة من السلمان . لم يأبهوا الى (محتوى ) الترمس . لهم الحق في ذلك لأنهم لم يكونوا يعرفون أن فيه مخبأً سريا بداخله أوراق سرية . كانوا يتصورون انه يحتوي على ( شاي ) فقط.

حين عاتبتهم الوالدة قرروا شراء ترمسين لها بدلاً من واحد .

أنا في حيرة الآن فكيف أعوض المفقود من الأوراق خاصة وأنني ضمنتُ تلك الاوراق خواطري بشأن إعدام عبد الله رشيد وهو من اصدقائي الحميمين بل من الذين كنتُ أعتبرهم قدوة شباب محلتي .

علي واجب اعادة كتابة الخواطر . ولابد من البدء بذلك باسرع وقت كي لا انسى ما كتبت .

على أية حال ، الخير في ما يأتي كما يقال .

كتبتُ رسالة جوابية مستعجلة شاكراً والدتي على هداياها الواصلة إليّ هذا اليوم . أهم هدية في الواقع كانت نصف تنكة تمر . نوعه برحي.

تناولنا وجبة العشاء متأخرين قليلاً هذه الليلة بسبب وجود الطبخة الأضافية التي عادة ما نعملها بعد كل مواجهة أو بعد ورود هدايا من المواد الغذائية . كانت وجبة مطبخ السجن ، هذه الليلة ، هي خبز وعروكَ . علينا أن نهيء وجبة أدسم وألذ لتضاف إلى وجبة مطبخ السجن وهي وجبة فقيرة في هذه الليلة .

طباخ مرقتنا الخصوصية ( باذنجان) كان جميل جبر. أنشغل بها كثيرا ثم كانت النتيجة أنه سوّد المرقة فبدت كالفحم.

ولا أدري كيف تحول معجون الطمامة الأحمر الى لون اسود فاحم ..! أما طباخ التمن فقد كان سعدي الحديثي الأختصاصي الماهر في هذا الشأن ..!

قدر صغير طبخ بداخله كيلو واحد لخمسة اشخاص .

ظننتً في البداية أن هذه الكمية لا تكفي لخمسة اشخاص فالكل يعرف حبي الشديد للتمن وربما آكل أكثر من المعتاد إذا كان الطبخ من قبل سعدي .

أثبت سعدي أنه طباخ ماهر فعلاً.

رائحة التمن العنبر تفوح من سفرتنا والى جانبها ماعون الفشافيش ، ومرقة الباذنجان ، وعلبة سردين مغربي دسم ، وقوطية لحم وضعنا نصفها فوق المرقة الخراب ونصفها الثاني وضعناه في صحن لمن يريد الاستمتاع به مع الخبز.

فاكهة اليوم هي التمر البرحي الواصل الينا اليوم .

مفاجأة طبخة اليوم كانت وجود الزعفران على التمن مع رائحة الهيل والقرنفل . بدت الكمية الموضوعة في صحون " السفرة " أنها تكفي لعشرة أشخاص . مثل هذه الوليمة " البورجوازية " نهيئها مرة واحدة كل اسبوعين او مرة واحدة كل شهر .

علينا ان ننتهي من العشاء سريعاً ففي الثامنة موعد الندوة الاسبوعية . ولم يبق للموعد غير ساعة واحدة . فقد نشطت الندوات في هذه الايام حتى صارت بعض الاسابيع تشهد عقد ندوتين . ففيها حوار يتم متبادلاً بالروح الديمقراطية . ومنها ينتعش جو السجناء والسجن ، كما تتبلور مواقف أدبية عديدة إزاء القضية الواحدة .المهم ان الجميع يحسون باعجاب شديد للفعاليات المتصاعدة من قبل الأدباء ـ السجناء الذين تخرج كلماتهم شعراً أو نثراً عنيفة بدموعها وعنيفة بحسراتها ولا تخلو من ذكر تمجيد الحزب الشيوعي وشهدائه .

الظاهرة الواضحة في كل الندوات هي أن أدباءنا وفنانينا في هذا المكان القاسي يحلمون بالحرية ، لا بالتململ . يحلمون بالحرية الكلية الشاملة لهم ولشعبهم عن طريق الحلم بحرية الحرف والابداع . يواصلون الفجائع مثلما يواصلون تقديس الابداع وهم بين جدران السجن . الفجيعة السجنية معاناة تؤدي دورها الى استمرار عطاءاتهم . كل واحد منهم يريد ان يرفع الستار عن موهبته السجينة في مكانين : داخل العقل المتألم الحزين . وبين جدران السجن البغيض.

كانت ندوة الليلة محل انشراح صدور اغلب السجناء . فقد قيل فيها الشعر ونقده. تحدث فيها عريف الحفل ( فاضل ثامر ) ببشر طافح مشيداً بالاحتشاد العظيم من قبل السجناء حول الادب والثقافة والشعر . وقال ان من المفرح جداً أن نجد السجناء يحاولون عبر المناقشات والنقد والرد اثناء الندوات وبعد انتهائها ، استكشاف مواهب مغمورة او مدفونة .

وقد قال فاضل ثامر مادحاً شعر الشاب خالد الخشان .

كما قال الشاعر الفريد سمعان مدحاً في شعر هاشم صاحب الذي زعل ثم أقام الدنيا وأقعدها لمدة اسبوعين على رأس ألفريد. كما حملت الندوة تشجيعاً مباشراً لكل الاقلام الجديدة البادئة في خطوها نحو المجد الادبي. اما هاشم الطعان فلم يرض عن كل ما قيل.. ‍! فمن وجهة نظره أن الندوة الشعرية كانت مفتقرة الى الشعر..

عدنا الى تجمعنا بعد الندوة فيوم غد هو عطلة الاسبوع لا يعمل فيها غير الطباخين ومساعديهم . أما صفوف الدراسة وورش الحدادة والنجارة فكلها تتعطل .

أيهما أفضل لسهرتنا : الشاي أم تمر البرحي ..؟

صوتت الغالبية لتمر البرحي .

لا يحق لنا في مثل هذا الوقت غير الجلوس في الساحة الخرجية بين قاووشبن . فالعاشرة ليلاً هي الحد الفاصل بين يقظة السجناء ومنامهم .

الآن الساعة الثانية عشرة تماماً.ولا يجوز لأحد الحديث داخل القاووش.

ضمت الجلسة عدداً غير قليل بعد ان توقف حديثنا عن شعر الندوة .

تجمع محبو التمر البصراوي :

الشيخ البدري . رجل دين اعلن اول الجلسة انه لا يستغني عن التمر .

نعيم بدوي . عبد الوهاب طاهر . ابو اسلم . كاظم علي جواد . جواد التعيسي . نصيف الحجاج. خالد حبيب. اديب جورج. فائز الزبيدي. محمد علي البناء . صادق الفلاحي. فاضل الروضان سلمان العقيدي وآخرون .

كان الأحتفاء بأجواء القصائد الشعرية قد توقف نهائياً . فقد جرتنا أبيات إحدى القصائد الى مناقشة مستوى العلاقات بين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم . منهم من اعتبر ان العلاقة انتهت في اليوم الذي اغلقت فيه جريدة طريق الشعب . منهم من يقول أنها لم تكن موجودة أساساً ، ومنهم من قال ان أعدام الرفاق بسبب أحداث الموصل وكركوك انهت العلاقة ، ومنهم من أكد أن رفض أجازة ترخيص حزبنا للعمل العلني كانت الانذار النهائي للقطيعة بين الحزب وعبد الكريم .

تذكرنا جميعاً تلك الايام وصراعاتها ومتاعبها وعذاباتها وما ترتب عليها من اخطاء في عموم الحركة الوطنية ومنها أخطاء حزبنا ، وهو الحزب العراقي الوحيد الذي أقر ببعض مواقف خاطئة منتقداً نفسه بينما كان الآخرون من قوى البورجوازيين والقوميين يحيكون المؤامرات لتطويق الحزب وضربه وتحديد فعالياته السياسية .

كان رفض ترخيص الحزب من قبل سلطة عبد الكريم قاسم قد كشف المعنى الحقيقي لمواقف البورجوازية العراقية كما انكشف الخط العام لجميع القوى التي لا تريد ان تشهد ولادة الحزب الشيوعي بصورة علنية وفي مقدمتها الرجعية المتمثلة بايتام الاقطاع ...

استدعتني اللجنة المركزية على عجل ذات يوم فأخذت الطائرة الى بغداد رغم وجود أمر إلقاء القبض علي من مديرية أمن البصرة . في مطار البصرة شاهدني أحد رجال الأمن وكاد أن يلقي القبض علي ، لكنني أقنعته أنني لست جاسم المطير بل أنا سليم عبد الجبار مدرس اللغة العربية في متوسطة المعقل فاقتنع تماماً بعد تدقيقه لهويتي المزورة التي كنتُ أحملها مع بضعة أوراق أخرى بنفس الأسم . حال وصولي الى مطار بغداد أخذت التاكسي الى مقر جريدة اتحاد الشعب وكان أحد الرفاق بانتظار وصولي بعد أن اعطيته أسمي فأخذني الى غرفة أخرى قابلني فيها أحد رفاق اللجنة المركزية الذي كنتُ قد ألتقيته آخر مرة في عام 1954 حين كان مسؤولاً في المنطقة الجنوبية . في الحال سلمني ملفاً خاصاً أطلعت عليه وكان يتضمن طلب الحزب الذي يراد تقديمه الى وزارة الداخلية لأجازة الحزب وفقاً لقانون الأحزاب الذي شرعه عبد الكريم قاسم .. ثم أشر بأصبعه على المكان الذي يجب أن أوقع فيه ، وكان رفيقان بصراويان آخران قد سبقاني بالتوقيع هما علي شعبان و سامي نادر .. أصبح توقيعي هو الأخير . وقعت أولاً ثم واصلت الاطلاع على الاوراق كلها ، وسألني : هل لديك أية ملاحظات .

أجبته : لا ملاحظات عندي غير أثنتين . الأولى أن طلب الهيئة المؤسسة للحزب تضمن توقيع عدد من الرفاق من مختلف الألوية عدا اللواء العمالي الوحيد في العراق وهو البصرة . الثانية ان طلب المؤسسين خلا من مشاركة العنصر النسائي فلم يحمل توقيع اية رفيقة ..

ضحك مؤكداً صواب ملاحظتي غير انه لامني بعدم وصولي قبل يوم أو يومين لآن اللجنة المركزية كانت قد طلبت من اللجنة المحلية في البصرة حضوري مبكراً لأن المركزية أختارتني للتوقيع على طلب التأسيس ممثلاً عن لواء البصرة . لكنه لم يرد على ملاحظتي الأخرى بغير كلمتين : هناك عدد قليل من الرفيقات الموقعات على طلب التأييد..

كانت لجنة المنطقة الجنوبية قبل ذلك قد عاقبتني بالتوبيخ وبتجميد عضويتي في اللجنة المحلية لمدة ستة شهور لخلاف كنتُ صاحب الحق فيه وقد كتبتُ رسالتين الى لجنة التنظيم المركزية موضحاً موقفي ومحتجاً على القرار غير أن أي جواب لم يصلني منها ..

ابتسم الرفيق سلام عادل قائلاً : درسنا الموقف كله وتبين أنك على حق وقد أتخذنا قراراً بألغاء قرار المنطقية وأعادتك الى المحلية لكن مشغوليتنا أخرتنا عن ارسال الجواب . أرجع فوراً الى البصرة لتجد قرارنا قد وصلها الآن ..

شكرته قائلاً : هل بالامكان ( إلغاء ) كلمة فوراً من قراركم كي ابقى يومين في بغداد ..؟

حصلتُ على موافقته الفورية مع ابتسامة عريضة منه وهو يشد على يدي بقوة ..!

تضمن التوقيع على الطلب أسماءً من أهم الكوادر الشيوعية المعروفة جماهيرياً مما أقلق مديرية الأمن العامة والاستخبارات العسكرية ناقلين قلقهم الى الزعيم عبد الكريم قاسم . كان موقعو طلب التأسيس : توفيق احمد محمد ، زكي خيري ، حسين احمد الرضي ، عزيز احمد الشيخ ، عبد الرحيم شريف ، كاظم الجاسم ، الدكتور خليل جميل الجواد ، عامر عبد الله ، عبد القادر اسماعيل ، كريم احمد الداوود ، الياس حنا كوهاري ، محمد حسين ابو العيس ، الدكتور حسين علي الوردي ، ، احمد ملا قادر الباجلاني عبد الامير عباس العبد..

وقد ارفق الطلب بتاييد كوادر اخرى وأسماء مثقفين عراقيين ضمت : حسين جواد القمر ، نوزاد نوري ، سليم حميد ، الدكتور يوسف اسماعيل البستاني ، كليبان صالح ، هنري مرمرجي ، هايبت اسكندريان ، محمد ملا عبد الكريم ، حسين علوان الرفيعي ، حسن عوينة ، جواد كاظم ، سلمان العقيدي، علي الوتار ، محمد راضي شبر ، عسكر لعيبي، عبد الفتاح حمدون ، هادي عبد الامير ، عزيز عبد الهادي ، علي شعبان ، خضر سليمان ، بديع عمر نظمي ، علي محمد موسى ، حسن محسن ، حسين محمد جودت ، حسين العلاق ، سعيد الحاج تقي ، حسين علوان العامري ، عبد الغني مهدي ، ناجي ابراهيم العبيدي ، منيرة عبد الرزاق ، غائب طعمة فرمان ، عبد الله حمزة ، باقر محمد الموراني ، حافظ تركي الهيتي ، دلي مريوش ، محي الدين عبد الرحمن ، هادي صالح متروك ، ناهدة العبايجي ، خانم زهدي ، مهدي عبد الكريم ، محمد صالح بحر العلوم ، سعيد ملا أحمد ، علي شيخ حسين برزنجي ، نائب عبد الله ، يوسف متي ، شهيد ابراهيم ، محمد علي الدجيلي ، علي حسين الرشيد ، طه علوان ، موسى ابراهيم سوادي ، عبد الوهاب أحمد ، شهاب أحمد ، وجدي شوكت سري ، عباس فاضل المرعب ، عمر حسون ، عبد الجبار وهبي ، خالص محي الدين ، رضا جليل ابراهيم ، رؤوف قادر معروف ، أحمد معروف سعيد ، صفية الشيخ محمد ، عدنان عباس الكردي ، حسين عبيد ، حسن الشيخ محي الدين ، محمد صالح الشيخ قادر ، هاشم أمين جعفر ، محمود فتاح ، جاسم محمد حطاب ، ابراهيم شماس ، مظهر علي الدليمي ، ماجد عبد الرزاق ، عبد الوهاب الرحبي ، عادل الحاج سليم ، شيخ محمد محمد، فاتح رسول ، احمد لزار مصطفى ، علي مولود ، سامي نادر ، جاسم محمد المطير ..

جوبه طلب الحزب بعرقلة واضحة ومفتعلة من قبل وزارة الداخلية . أول شيء فعلته وزارة الداخلية هو تحويل الطلب والموقعين عليه الى مديرية الأمن العامة التي دونت الكثير من الملاحظات حول " الزمرة الشيوعية " المقدمة للطلب كما دونت الكثير من الملاحظات الاخرى حول الميثاق الوطني .. ملخصة رأيها بان الحركة الشيوعية هي حركة اممية لا تعرف لها وطنا تسعى لغاية السيطرة على العالم وتاليف حكومة شيوعية اممية لذلك فانها تتعاون تعاونا وثيقا مع كافة الاحزاب الشيوعية في العالم لمصلحة حزبية بحتة دون الحساب لمصلحة الوطن..

على ضوء ذلك وغيره قامت وزارة الداخلية بتوجيه رد الى الرفيق زكي خيري باعتباره موقع طلب اجازة الحزب الشيوعي تضمن عدة ملاحظات كان اغلبها هامشيا فقام الحزب ببعض التعديلات على مشروع برنامج الحزب ونظامه الداخلي واعاد تقديمهما معدلين الى الوزارة . غير ان الوزارة عادت ورفضت الطلب بحجة انها منحت ترخيصاً لجماعة داود الصائغ باسم " الحزب الشيوعي العراقي " فبادر الحزب لاسقاط هذه الحجة بالموافقة على تغيير اسم الحزب الشيوعي الى " حزب اتحاد الشعب " ولكن جاء جواب الوزارة في 14 شباط 196. برفض الطلب بحجج عديدة اخرى فقام الحزب بتقديم مذكرة الى الزعيم عبد الكريم قاسم الذي اولاها أذنه الطرشة مؤكدا ليس فقط على زيف دعواه عن الديمقراطية بل اكد ايضا ان قانون الاحزاب ليس سوى محاولة مهزلة سياسية لها اهداف معينة ومحدودة ..

بعد رفض الطلب بدأ تحريك بعض العناصر الدينية في اصدار اول فتوى معادية للحزب الشيوعي وللشيوعية بنهاية شهر شباط بعد تصريح سلام عادل بان حزبنا موجود في اعماق الشعب وهو لا يحتاج الى ترخيص من احد ، وقد اعقبتها فتاوى أخرى ختمها الأمام السيد محسن الحكيم بفتواه المعلومة التي جاء فيها ( بسم الله الرحمن الرحيم ولله الحمد لا يجوز الانتماء الى الحزب الشيوعي فان ذلك كفر والحاد او نزوع للكفر اعاذكم الله جميع المسلمين عن ذلك وزادكم ايمانا وتسليما والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..)

تمت بسهولة ودون أي اعتراض اجازة طلب أجازة حزب داود الصائغ الذي وقعه الى جانبه كل من سليم شاهين ، وابراهيم عبد الحسين ، وجميل العلوي ، السيدة زكية ناصر ، كاظم الشاوي ، سالمة الصالحي ، عجاج خلف ، عبد محسن ، كاظم محمد ، وجاسم محمد .

يجب أن أدون هنا للحقيقة والتاريخ أن داود الصائغ كان معزولاً تماماً عن الجماهير الى الحد الذي لم يستطع أن يجمع من بين اصدقائه ومعارفه العدد المقررمن المؤيدين لطلبه كما ينص القانون على ذلك ، فأوصتنا اللجنة المركزية بزج بعض رفاقنا بالدخول الى هذه اللعبة للسيطرة على هذا الحزب الذي أفتعله عبد الكريم قاسم نكاية بحزبنا . ويكفي أن أقول أن الحزب قرر إدخال الرفيق " الفكه " أنور طه البصري الى هذا الحزب " المهزلة " فصار عضواً في اللجنة المركزية لحزب داود الصائغ..! كما سيطرت اللجنة المحلية في البصرة على فرع هذه " المهزلة " في لواء البصرة إذ أصبح رفيقنا محمد جواد طعمة مسؤولاً عن الفرع ..!!

الحقيقة أن المضايقات اشتدت مطوقة ليس فقط الشيوعيين بل امتدت الى الاصوات الحرة كلها وكان هدفها الاساسي سلب حرية التعبير من القوى التقدمية واطلاق حرية التعبير للقوى الرجعية التي كانت جريدتا الحرية وبغداد لسانهما الفصيح والصريح المليء بالشتائم والاكاذيب والافتراءات . فالصحيفتان لا تسميان الشيوعيين إلاّ بلفظة " الفوضويين "" و" الشعوبيين " و " عملاء موسكو " . بعض من هذه الألفاظ شمل وطنيين آخرين منهم الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي نال أقذع الاوصاف من المدعو خضر العباسي صاحب جريدة بغداد الذي كان الصحفي يونس الطائي صاحب جريدة الثورة الناطق غير الرسمي باسم عبد الكريم قاسم يسانده ويدفعه سراً لكتابة المقالات المعادية للحزب الشيوعي والعناصر التقدمية . كما كان جاسم العزاوي سكرتير الزعيم عبد الكريم يحرضه أيضاً ..

ففي احدى المناسبات كتب العباسي مقالاً في الصفحة الاولى وبالمانشيتات العريضة تهجم فيه على الجواهري صاحب جريدة الرأي العام ورئيس تحريرها ورئيس اتحاد الادباء العراقيين واصفاً أياه بعبارات شتائمية مثل (انتهازي ..سافل .. شعوبي .. إيراني ..) كما قال عبارات تحقيرية لا تنم إلاّ عن حقد شديد على هذه الشخصية الوطنية ، من مثل وصف الجواهري بكشوانجي البلاط الملكي .

كان رد فعل الجواهري عنيفاً فكتب في اليوم التالي مقالاً تحدث فيه عن المستوى الذي وصلت فيه أخلاق بعض الصحفيين الرجعيين تحت سمع وبصر الحكومة .

الحق أقوله أن أعتماد الجواهري على أقوال الوفد الفلاحي الميموني كان قد ورطه أمام عبد الكريم قاسنم . فمن جملة احتجاجات الوفد الفلاحي التي نشرها في مقالته أن الشرطة قد أغتصبوا نساء من الميمونة ، لكن التحقيق لم يثبت ذلك وقد أعتذر أعضاء الوفد الفلاحي أمام رفاقنا انهم بالغوا في ذلك متعمدين من اجل الحصول على تأييد الحكومة ..

يبدو واضحاً أن مقال العباسي كان بأيعاز مباشر من عبد الكريم قاسم الذي أمتعض من مقال الجواهري الذي كان قد نشره بعنوان ( ماذا جرى في العمارة .. ماذا جرى في الميمونة ) منتصراً فيه لموقف الفلاحين ومطالبهم فاضحاً موقف السلطة المحلية في العمارة حيث هوجم الفلاحون بالرصاص أسفر عن مقتل أحد المناضلين الفلاحين وجرح عدد منهم مما أثار عبد الكريم قاسم .

بهذه الموضوعات المتنوعة بدأنا " حفلتنا " التمرية هذه الليلة .

ثم تركنا حديث وأحداث الماضي المؤلم ..

بدأت احاديث مفعمة بالهموم السجنية والهواجس الانسانية . بينما كان خالد حبيب واديب جورج اكثر الحكائيين بالنكات والقصص المضحكة والنوادر المسلية . ليست من ( التراث ) بل من واقعنا في السجن .

تدريجياً ، تمرة بعد تمرة ، تذوقها كل منا ، تركز الحديث حول التمر وطيباته وكيفية زراعته وتنميته وانواعه وفوائده .

أصر نصيف الحجاج على أن ندشن مذاقاً جديداً للتمر البرحي .

كلنا نأكله خلالاً ورطباً وتمراً فما هو المذاق الجديد للتمر يا أبا خلود ..؟

أخذ حريته بقليل من الوقت في مطبخ القاووش يساعده أديب جورج ثم عاد ألينا بدلة القهوة وفناجينها .

تذوقوا القهوة مع البرحي.

تذوقناها جميعا وإذا بالحدث يرتقي الى اعلى مذاق.

صار التمر البصراوي الليلة عالمنا في حديث ممتع وشيق قدمه عبد الرزاق ابو اسلم وهو من اهالي عين تمر بكربلاء:

أقر و أعترف أنا أبو أسلم من خبراء التمر الكربلائي أن أحسن أنواع التمر هو البرحي البصراوي .

نصيف الحجاج أصر على أن تمر السعمران هو من ارقى التمور . ثم تحدث عن كثرة هذا النوع من التمر موجودة في (كوت الحجاج ) حيث موقع نخيل بساتين آل الحجاج في البصرة .

كان فاضل الروضان من أهالي القرنة يصغي الى احاديث الجميع دون ان يدلي بدلوه الى حين انتهت معلومات كل واحد منا فراح يحدثنا بموسوعية عن تمر " القنطار " الذي هو ارقى الانواع بلا منازع لا من حيث المذاق انما من حيث الفوائد التي لا توجد في أي نوع آخر.لكن " القنطار " لا يؤكل خلالاً لأنه ليس حلواً ولا يؤكل تمراً لأنه يسيل عند حفظه لأكثر من عدة ساعات . يؤكل فقط عندما يكون رطباً وهو شديد الحلاوة.

عــدّد بعدها عشرات الانواع من التمور وعدد ايضاً مزايا كل نوع . تمر الاشقر ، والسكري ، والبريم ، واللؤلؤي ، والخستاوي ، والحلاوي ، والاشرسي وغيرها ، مؤكداً أنها تغذي الانسان بمحتوياتها البروتينية والكاربوهيدراتية.

في الثالثة صباحاً أخذ كل منا طريقه الى قاووشه بعد ( ندوتين ) جميلتين عن التمر والشعر أعقبتا آلام الحديث في السياسة .

غفوت ، متمراً ، مشعراً ، مسيساً ، بعد قراءة صفحتين من كتاب لم أكمله بعد.

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس