جاسم المطير
الثلاثاء 30/9/ 2008
نقرة السلمان
(21)جاسم المطير
رسمية وشمس الملوك ولودفيلا ..
أيها الحب .. هل لك مكان بيننا..
أيها العأشقون .. هل تتعذبون مثلنا..
أيها المتزوجون .. هل تعانون مثلنا..
أيها الأباء.. هل تبكون بصمت مثلنا..
السجين مثل الناس الاخرين.. كما يحمل الفعل والحركة والانتقال داخل السجن كذلك يحمل مشاعر الحب . مثلما يذود بصبر عن حب وطنه كذلك يذود وهو في السجن عن حبه لأمه او لأخته او لزوجته او لحبيبته .
كثيرة هي احاديث الحب بين سجناء نقرة السلمان وكثيرة هي رسائل الغرام تخرج من السجن وتدخل اليه .
حين كنا شباباً كان كل واحد منا يحس بالحب. يحس به عاطفة نبيلة وشعوراً وجدانياً نقياً . بل كنتُ أحس ان الحب روح الوجود. ما ارتبطت بالحزب الشيوعي إلاّ بعد أن توهج في قلبي حب لأفكاره ومبادئه . وما ضحى أي شيوعي بحياته وبزهرة شبابه في سبيل قضية الشعب إلاّ حين رفعه الحب الى اعلى مراتب الارتباط بالشعب وبالشعب الفقير خاصة . وما أنبنى الحزب الشيوعي طابوقة فوق أخرى وخلية جنب أخرى إلاّ بالحب ، إلاّ حين تقاربت قلوب الشيوعيين وترابطت مشاعرهم وتآلفت أفكارهم واتحدت أهدافهم وامتزجت أحاسيسهم.
كنتُ وحيداً بلا أخ وبلا أخت. فهما يكبراني وقد ماتا معاً قبل نهوض فتوتي بسنين عديدة حين غزت الكوليرا جسديهما . وحين انتميتُ للحزب الشيوعي وجدتُ أن أخي موجود وقريب مني وان اختي موجودة وحاضرة معي . فكل رفيق في خليتي أخ لي أرضعته أمي ، وكل رفيقة أخت لي أنجبتها أمي . حين أحببتُ سميرة محمود أبتكرتُ فيها سعادتي محببة عندي علاقتي بالشيوعية وعملي بالحزب الشيوعي ، كما نما حبها للحزب بشوق حبها لي.
مأوانا في هذا السجن يقوم على الحب أيضاً. تسود الجميع مشاعر شفوقة وحنونة . يتعاون الجميع في يوميات حياتهم بشكل يندر مثيله في أي مكان آخر . الحب في نقرة السلمان ليس بالنسب والقرابة وصلة الرحم بل باستعداد الواحد للتضحية بكل شيء حتى بحياته من أجل الجميع ، وباستعداد الجميع للتضحية من أجل الحزب.
لكن ..
لا يعيش سجين بلا مشاعر متطلعة الى خارج السجن ، نحو أخته وأمه وزوجته أو حبيبته.
لا ينام سجين بلا احتراق.
لا ينام سجين بلا ضغط عصبي رهيب .
لا ينام سجين بلا صراع داخلي مجنون.
لا ينام سجين بلا لوعة.
في السجون القريبة من المدن كسجن البصرة وبعقوبة والحلة وبغداد والموصل تكون لوعة السجين العاشق اقل قساوة نسبة لسجين النقرة ففي النقرة يقضي السجين اشهرا طويلة دون ان يقابل امه او اخته او زوجته . في السجون الاخرى لا تطول المدة اكثر من شهر واحد..
يجد السجين هنا نفسه كما الصحراء يساهر النجوم فلا توفيه في الاخير غير النوم مقهورا. بعض هذه المعاناة اخذت من السجين ايمانه بقضيته فلم يبدُ له زمان السجن غير عذاب يومي متصل . من يتذكر زوجته وهو يقرأ رسالة قادمة منها يكتشف ان جدران السجن لم تزعزع اخلاص زوجته او وفاء اخته او صبر حبيبته او خطيبته . لكن السجين الذي تاتيه رسالة زوجته بالقول ان أولادك جائعون او عراة فأن أزمته تشتد ليس في داخله حسب بل في خارجه متبلورة في مسلكه القاسي او المتشنج مع رفاقه السجناء الاخرين .أو ان استعداده لتوقيع البراءة من الشيوعية ينمو عنده تدريجيا حتى تحل لحظة الضعف القصوى ناهيا حياته السجنية والشيوعية بالتوقيع على ورقة مذلة.
تجد اخرين قادرين على الصبر الطوبل.
من الصابرين كان سامي أحمد. فأنا شاهد حبه العنيف لزوجته الجميلة أيام خطوبته . وأنا شاهد ليلة زفافه . وأنا شاهد سروره البالغ يوم ولادة أبنه البكر وميض.. وأنا شاهد فراقه عن أبنه وزوجته يوم اعتقاله.
ما وجدتُ مثله عاشقاً لحزبه الذي يراه بعينين جميلتين كأجمل شيء في الوجود. وما وجدت عاشقاً مثله لزوجته التي لا يرى كجمالها امرأة.
وأنا شاهد صبره في سجن النكَرة .
كنتُ أطلع على أغلب رسائله التي يكتبها لزوجته ويطلعني على كل رسالة تأتيه من زوجته " رسمية ".
كما كنتُ أحس مبلغ معاناته وهو يحسر في باطن عينيه دموعاً تريد أن تنساب.
لشدة حبه لولده الطفل الصغير أنه يشغل نفسه كل ليلة لساعة او ساعتين ينظم لوميض ألبومات خاصة في رسائل شفافة وكلمات ابوية غاية في الطيبة الى جانب صور ملونة كان يقتطعها من المجلات تضم اخباراً عن الطبيعة أو العلوم وغيرها ثم يرسلها اليه تحت عنوان : من أب يحب أبنه.
كانت الالبومات متعبة حقاً لكنها موحية لأبنه بكثير من الاشياء ، أولها أن حب هذا الأب لأبنه له ميزة خاصة .
لكن هذه الارادة وهذا الشعور كانت تقابله ارادة ومشاعر مغايرة من زوجته .
كل رسالة تأتي منها فيها تواطؤ مع البراءة . تطلب منه أن يعود متبرئاً من الشيوعية وإلاّ فأنها تطلب الطلاق .
بلغت رسائل طلب الطلاق سبعاً خلال فترة وجودي في نقرة السلمان . وكتبتُ لها رسالتين طالباً منها الكف عن الضغط المقيت واحترام مشاعره وتقدير ظروفه الصعبة .
اليوم جاءتني زوجتي للمواجهة مع والدتي ، متخفية بهوية مزورة تحت اسم جواهر. يا له من يوم ملأ القلب سروراً لم يتفوق عليه سرور عندي من قبل . كان يوماً مترعاً برسائل خفية كثيرة . فمن عيني والدتي وصلتني رسالة أن صبر الصابرين لا ينفذ ، ومن عيني زوجتي وصلتني رسالة أن حبها لي لا يتعثر وأن إخلاصها زهرة تتواصل في النمو وتنتشر في خلاياها مثلما تنمو خلايا حزبها الذي تفرغت له.
كانت في سلة الفاكهة ترتيبات " فنية " سرية حملت بريداً حزبياً ثقيلاً . رسائل ونشرات وبيانات وتقارير .
هذه ظهيرة لا أنساها مدى الحياة .
من جيبها حملتني والدتي رسالة خاصة الى سامي أحمد .
الرسالة من زوجته أم وميض.
حين قرأها تعثر أمله فيها الى الأبد وهو في هذا السجن المنفى .
لا مجال عندي لنسيان المشهد : فمه الجريح كان يخبرني ، أنها قررت الطلاق.
ظلت صلابته معه حين قرر أن ينساها الى الأبد.
كثيرات هن اللواتي فارقن أخوانهن أو أزواجهن أو أحبابهن أو أولادهن لفترة طويلة في هذا السجن . لكن أغلبهن لم ينقدن لمؤثرات الحكومة ولا لمؤثرات الجسد ولا لمؤثرات المال ولا لمؤثرات الواقع المر في حياتهن . كان صبرهن ولا يزال إدانة أبدية لظلم الحكومات التي لا تعرف حواراً مع خصومها إلاّ من وراء قضبان السجون .
فلم يكن في السجن سجين لم يسمع باسم شمس الملوك .
أسم غريب يدخل الى السجن لأول مرة مع دخول شاب نشيط كثير الحركة كثير الكلام كثير النشاط كثير المعرفة كثير الحب والمفاخرة دائماً بالحزب الشيوعي . اسم هذا الشخص عبد اللطيف عباس الطباطبائي الكاظمي .
قادم إلينا من بعيد ، من موسكو بعد إكماله مرحلته الدراسية في إحدى جامعاتها بتفوق . أول يوم من وجوده في السجن كان للتعارف مع عدد من السجناء وخاصة الشيوعيين .
في اليوم الثاني قدم اقتراحاً الى اللجنة الثقافية متطوعاً لتدريس اللغة الروسية .
لم تمض أيام قليلة حتى صار الصف يستقبل طلاب اللغة الروسية .
ـ هل انت متزوج يا عبد اللطيف..؟
ـ كلا .. لكنني أحب واحدة .. وواحدة أخرى تحبني .. وثالثة تهواني ورابعة تركض خلف ظلي.
وراح يحدث السجناء من اصدقائه عن مغامراته وغرامه بكثير من السرور والمرح والنكتة . كان في حديثه متعة للسامعين .
ثم يتوقف عند شمس الملوك شقيقته التي تحتل في قلبه من دون الاخريات مكانة خاصة . كما يحتل هو أيضاً في قلبها نفس المكانة .
كان حبها لشقيقها قد أضعفها الى الحد الذي أستقبلته في مركز السراي بعد اعتقاله في المطار عند عودته من الخارج. تبكي وتبكي كلما تسمع من ضابط المركز أن شقيقها لطيف عباس سيرحل الى سجن نقرة السلمان.
الدموع تنهمر من عينيها ومع نزولها على وجنتيها كان يشعر بفخر الانتماء الى ســجن النكَرة .
ـ لا تخشي شيئاً يا شمس الملوك فقلبي يظل ينبض طالما سفيتنا تنبض حتى وسط المياه العكرة . لا تخشي شيئاً عليّ.
ـ أخشى على نفسي يا لطيف .. اخشى على والدتك فقد تموت . أخشى على أخوتي وأخواتي والكثير من أهلي ممن يحبونك وينتظرونك لتعيش بينهم .
لم يكن حديثها صريحاً ولا مباشراً لكن فيه تلميحاً جعله يقول لها قولاً حاداً:
ـ سأبقى في السفينة يا شمس الملوك . لن أغادرها مهما فعلوا ومهما طغوا.
ـ وقـّع الوريقة يا لطيف لتكون مع امك .. وأبق في السفينة .لا نجبرك على مغادرتها ..
ـ من يوقـّع الوريقة يا شمس الملوك يفقد شمس السفينة الى الأبد يعيش ذليلاً منبوذا.. هل توافقين .
ظلت تبكي .. تنشج وتهمهم : لن أوافق .. لن أوافق .. عش كريماً يا لطيف ..
فصار طريقه الى نقرة السلمان وكانت شمس الملوك وعشرات النساء الأخريات يودعن وجبة من ثلاث سيارات تحمل سجناء ومحتجزين متجهة من سراي بغداد الى نقرة السلمان .
النساء يهلهلن بفرح وسرور فعلامة الرجولة والبطولة في هذا الزمان أن يقاوم الابن والاخ والزوج والحبيب ظلم الحكومة وقهرها حتى وهو في نقرة السلمان .
حين رفعت شمس الملوك يدها في توديع شقيقها سمع منها أقوى هلهولة . كانت تهوّس بحماس مع المهوسين والمهوسات الهوسة الشعبية المشهورة : الما يزور السلمان عمره خساره ..
وحط رحاله في زاوية القاووش تاركاً وراءه خارج السجن الفتاة التي أحبها والفتاة التي أحبته والفتاة التي تركض خلف ظله . وكانت ذكريات شمس الملوك ماثلة أمام عينية لم تفارقه لحظة واحدة .
حل يوم وصلت اليه فيها رسالة بريدية من أحداهن . قال لسامي أحمد وآخرين :
ـ وصلتني رسالة من زميلتي السوفياتية ..
وقال لي :
ـ وصلتني رسالة من صديقتي السوفياتية .
وقال لكاظم فرهود :
ـ وصلتني رسالة من حبيبتي لودميلا ..
ـ من هي لودميلا يا عبد اللطيف..
ـ أنها لودميلا السوفياتية . هي وردة ندية.
راح يشرح لكاظم فرهود معنى كلمة لودميلا الروسية أسمها " رحمة الناس " ثم استغرق في الحديث ليكشف تطور هذا المعنى من مرحلة الى أخرى وكيف تطورت من معناها الديني الأول حتى ألتصق هذا الأسم بفتاة روسية معاصرة زميلة له في الكلية .
ثم أنتقل الى كلمة سماور الروسية فاستوقفه كاظم فرهود :
ـ دعك من السماور وقل لي ماذا في الرسالة .
ـ فيها اسمى عواطف الحب وفيها مشاعر تفيض بالاخلاص . فيها شوق وهيام . وفيها كلمات تدعوني الى الصبر في سجني .
أخذت من بعض أشعار بوشكين بعض أبيات شعره من قصيدة البلبل والوردة .
الى حبيبي لطوفجٍي:
في صمت الحدائق .. في الربيع .. في ظلمة الليل
يشدو البلبل الشرقي في أعلى الوردة
لكن الوردة لا تشعر .. لا تصغي
تتمايل وتغفو في اسفل النشيد العاشق
تنادي .. تنادي لكن ما من إجابة..
مضى الى قاووشه مودعاً كاظم فرهود عند منتصف الليل ليكمل سهرته مع جاره جواد . قارئاً كلمات الرسالة أمامه فأجبره على ترجمة الرسالة خطياً ترجمة حرفية كاملة ليحول معناها ومضمونها الى رسالة خاصة وجهها في اليوم التالي الى خطيبته بتوقيع جواد في نقرة السلمان ..
في الليلة التالية انشغل عبد اللطيف عباس طوال ساعات بكتابة جواب رسالة حبيبته قائلاً:
آه .. يا لودميلا
آه .. أيتها الوردة أنني في الاغلال
لكنني لا أخشى الاغلال
سأظل أنشد اسمك في الصحراء
الأسر عذاب
لكن ذكراك أغنية عذبة سأظل أنشدها
في ظلام الليل والآهات..
حين قصّ قصته أمامي في اليوم التالي قفزت الى ذهني فكرة كتابة قصة في الحب الرومانسي بعنوان : لطيف ورحيمة.
يظل كل سجين يلتمع في عينيه وميض حب ومعاناة .
يتبع
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)