جاسم المطير
الجمعة 3/10/ 2008
نقرة السلمان
(23)جاسم المطير
الكربلائي أبو أسلم يذكرني بوالدي
يوماً بعد يوم يزداد اصطراع نفسي مع نفسي وأسألها دائماً : هل ان لي نصيب في ما حدث لعيني والدي في آذار 1963 واصابته بالعمى الفجائي حال سماعه ان الحرس القومي ألقى القبض عليّ..!
من هو صاحب الخطيئة : أنا أم الحرس القومي..؟
هل ان والدي هو صاحب الخطيئة لأنه رفض أن يجري العملية ..؟
ربما بموقفه المتواصل لرفض العملية يقدم صورته الاحتجاجية عن يأسه من حياة لا يريد أن يراها بعد أن وجدها تتسم بالقسوة والطغيان والآلام طيلة خمسة وستين عاماً عاشها ملطخة بالداء والآلام بمسالك دنيوية لا طائل من وراءها . لذلك يعاند الآن جميع الآراء الاخرى مفضلاً بقاء عينيه مغلقتين كي لا يرى مسالك مماثلة وكي لا يرى أسباب اليأس ودواعيه . ظل اسير الغيبية المطلقة مرددا كلماته : (الذي أخذ مني بصري هو القادر على إعادته .) .
احيانا يخاطب أمي بكلام من نوع آخر حين يقول لها بهدوء : لقد تجرعت من الدنيا مرارة كافية لا أريد أن أرى مزيدا .
جاءت هذه الكلمات في احدى رسائل والدتي قبل بضعة شهور فالمتني كثيرا بل شعرت كان كل حرف فيها ضربة قوية موجهة الى عيني .
صرت من لحظة قراءة تلك الكلمات كثير التفكير . والدي رجلا من نوع لا يعرف الحزن والكآبة واليأس أبدا . كان منكتا بارعا لكن الحرس القومي ووجودي في سجن السلمان بعيدا عنه غير قادر على مواجهتي جعلاه مجرد كتلة حزينة في فراش يتدثر بذكرياته .س
من قال أن مجرد أن مجرد اطلاق سراحي سيؤدي الى زوال العمى من عينيه . هذه بكل الحالات ليست فكرة مؤكدة . مثلما أن اطلاق سراحي ليس أمراً مؤكداً .
لكن الشيء المؤكد ان الذي أخذ بصره قد ولى وهو الحرس القومي . ليس بوسع إيمانه بفكرة معينة ان يشفي الناس العميان . لا مرض يشفى من دون علاج . ولا عين عمياء تبصر من دون عملية جراحية .
شعوري بالذنب ازداد كلما مرت أيام جديدة في نقرة السلمان . شعوري بالذنب له مقام مستقر في داخل عقلي وصدري يجيئني كلما تذكرته وكلما سمعتُ يحي قاف يشكو من تناقص البصر في عينيه كلما مر يوم على السجناء حاملاً لهم عاصفة ترابية تزيد معاناة مرضى الربو ومرضى العيون وكلما تذكرت العمى الفجائي الذي اصاب السجين علي حسين الرشيد حين هبت ذات يوم عاصفة ترابية شديدة ..
كتبتُ رسالة الى والدتي قلتُ فيها : ( آه لو تدركين ، يا والدتي ، كم أعاني من العذاب الصامت الذي يذكرني بحب هذا الانسان العظيم الذي ضحى بكل حياته من أجل حياتي . امنيتي الكبرى تظل معتمدة عليك ِ في أن أسمع يوماً ما أن جرعة الاصابة بالعمى التي وجهت ضد والدي قد انتهت بالعملية الجراحية . انه فيض السعادة حقاً إن سمعتُ خبراً كهذا .
هل هناك في سجن السلمان خطيئة مثل خطيئتي ..؟
هل هناك معاناة شبيهة لمعاناة والدي ..؟ هل هناك أمراض وصدمات مماثلة تقع مسئوليتها على الحرس القومي وعلى الحكومات الظالمة ..؟
اعيش انا في القاعة الرابعة أشاهد كل يوم رجلاً يخرج من القاعة السادسة المقابلة يذكرني في الحال بوالدي . قصير القامة ، نحيف ، يضع الكوفية والعقال على رأسه قبل ان يخرج للتمشي في ساحة كرة القدم قبل موعد الافطار . رجل خجول . عندما تحدثت إليه أول مرة وجدت في عينيه براءة الاطفال . في الحقيقة ان دهشة ساحرة قد اصابتني في لقاء الرجل الذي يكنى ( أبو أسلم ) من اهالي كربلاء . على وجه الدقة انه من عين التمر . يشبه والدي في كثير من الصفات إلاً أنه اصغر عمراً . كل اصدقائي من البصرة الذين سبق أن شاهدوا والدي يؤكدون دائما أن السجين أبا أسلم يذكرهم به أيضا .
استجابت عينا أبي أسلم لنظراتي الاولى فأكدت القدر الكبير بين الرجلين . سمعتُ العديد من السجناء يمتدحون هذا الرجل الى حد المبالغة بصفاته . فعلاً أنها صفات موجودة وملموسة في سلوكه اليومي .
شربتُ عنده فنجاناً من القهوة ذات يوم ، متحدثاً عن اسباب وجوده في السجن . نفس التهمة : الشيوعية .
قال لي : أنا رجل أحب الناس كلهم واحب العدل والحق وأرفض الباطل والسيئات فاتهموني بالشيوعية وجاءوا بي الى النكَرة لأنني خطر . وأصبحت عائلتي وحيدة بلا معيل .
هل أنا السبب في نكبة عائلتي ..؟
بالتأكيد ان الحرس القومي هو صاحب الخطيئة ولست أنا .
أنت بلا خطيئة يا جاسم . ما أصاب والدك جاء من خطايا الحرس القومي بحق العراقيين جميعاً .
تصور أنهم جلبوني من عين تمر الى النكَرة بدون أوراق . بدون تحقيق . بدون محاكمة . حتى مدير السجن حائر بأمري . أنا الذي أعطيتهم أسمي في أول يوم وصولي الى السجن . لا يوجد عندهم لا قرار حكم ولا قرار توقيف ولا قرار حجز. أنا سجين بلا محاكمة .
أنا شبيه بطل رواية (المحاكمة ) التي ألفها فرانز كافكا في بعض الجوانب .
بطل كافكا استيقظ من نومه وكان على مائدة الأفطار حين اقتحم شرطيان بيته فجلسا الى جانبه والتهما طعامه ثم اقتيد الى المحكمة .
أنا ايضاً كنتُ قد استيقظت من النوم وأديت صلاة الفجر ثم جلستُ مع العائلة أتناول فطوري فاقتحم بيتنا حارسان قوميان فجلسا ليتناولا الإفطار ثم أقتاداني الى مقر الحرس في كربلاء ومن هناك الى نقرة السلمان مع مجموعة من الشباب .
بطل كافكا أقتيد الى منطقة نائية .
أنا هنا في منطقة نائية .
بطل كافكا لا يعرف تهمته .
وأنا أيضاً لا أعرف تهمتي .
لكن بطل كافكا يقتل في النهاية في تلك المنطقة النائية بعد ان طرحه حارساه الى الأرض.
أما أنا فلا أعرف مصيري هل أقتل هنا أو أموت في هذه المنطقة النائية .
أليس هذا مضحكاً مبكياً ..؟
لم يكن ضجراً وهو يتحدث بطريقة ممتعة . الحقيقة أنني أنبهرت ان يكون هذا الرجل صاحب الكوفية والعقال والدشداشة كان قد تفهم فلسفة كافكا من خلال قصته . بينما لم أكن قد قرأث فرانز كافكا ، بعد . ضحك من أستغرابي وقال : أنا قرأت كافكا هنا في النقرة . هاك اقرأها إن شئت .
أعطاني القصة فقرأتها بنفس الليلة .
كل احاديثه ممتعة . بدا لي انه من محبي الشعر والشعر الشعبي خصوصاً وأنه كان قد حفظ الكثير من شعر مظفر النواب والمتنبي ومحمد مهدي الجواهري قبل ان يأتي الى هنا . لا يتحدث عن جانب من جوانب الحياة إلاّ وأتاني بمثل من شاعر أو فيلسوف .
عمره في الستين ويبدو عليه انه في الخمسين . صحته ممتازة . جذاب . انيق في ملبسه . يشكل نموذجاً رائعاً للرجل الريفي الذي اتمنى لو ان ظروف الريف العراقي في المستقبل تسمح لتنشئة أناس بهذا المستوى من المعرفة وبهذا المستوى من الاستيعاب .
لا يوجد سجين لا يحب أبو اسلم ولا يوجد سجين لا يحبه أبو اسلم . إذا جلست بجانبه كأنك تجلس مع فيلسوف . يحمل بساطة الفلاحين كما يحمل وعياً شاملاً مذهلاً. يتحدث بطلاقة وبسعة معرفة عن اسماء وشخصيات لامعة في التاريخ الانساني ابتداء من رومل ، والحبيب بورقيبة ، والدكتور مصدق ، وايزنهاور وكارل ماركس ، وانتهاء بجواهر لال نهرو ولومومبا وغيرهم من قادة العالم وفلاسفته . كما يتحدث بمستوى زاخر بالمعلومات عن الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية والعدوان الثلاثي على مصر وعن المعاهدات الاستعمارية وعن وعد بلفور .
ثم ينهي حديثه بالقول :
ـ أحب ثلاثة اشخاص أرسطو وستالين وأم كلثوم .
شدتني به علاقة قوية خاصة بعد ان اصبح أحد طلابي في الصف الدراسي الخاص بالاقتصاد السياسي الذي كنتُ القي فيه محاضرتين باليوم الواحد عدا أيام الجمعة. يواظب على الدوام كل يوم حتى في حالة اصابته بتعب أو أنفلونزا . كثير الاسئلة وينجح بتفوق في جميع الامتحانات الاسبوعية . وفي حفل التخرج من الدورة منحته جائزة التفوق بعد قرار من اللجنة الثقافية واللجنة التنظيمية الحزبية.
لشد ما أذهلني ذات يوم حين كنا نتحدث عن عمى والدي حال سماعه خبر اعتقالي ، فأعطاني تفسيراً لهذا المصاب مبتدءاً بتأثير الخبر المفاجىء على القلب ، فالأعصاب ، فالدماغ ، ثم تركز العبء الأساسي على العينين اللتين فقدتا قي الحال قوة الابصار .
قدم ، كما لو كان حكيماً في طب العيون ، شرحاً للصدمة التي ألمت بوالدي وقادته الى العمى . ثم أبحر في عالم العيون متحدثاً بكثير من المعلومات عن العيون التي قال ان بياضها شيء مشترك بين الناس أجمعين . الشيء الذي يختلف في عيني هذا الانسان عن عيني غيره هو حجم العينين ولونهما . هناك انسان يحمل عينين شديدتي السواد أو الزرقة . ربما يحمل انسان آخر ، رجل أو أمرأة ، عينين تميلان الى الخضرة أو الحمرة .
راح يقدم مدلولات تنجيمية . قال أنه قرأها في كتب المنجمين الاقدمين . مثلاً إن صاحب العين الشهلاء يكون سريع البديهة ، ذكياً ، عارفاً ببواطن الامور والقلوب التي تحاول خداعه . أما صاحب العين الكبيرة إذا كان رجلاً فسيكون محبوباً من النساء الجميلات . أما الانثى فستكون محبوبة من الرجال الطيبين. والعين الكبيرة تحمل الى صاحبها العقل الواسع والذكاء الحاد .
إذا كانت العين غائرة فانها تجر صاحبها المتزوج الى اختلاطات كثيرة في حياته وربما يكون الطلاق في مقدمة تلك الاختلاطات اضافة الى ان صاحب العين الغائرة يكون محظوظا بجمع الثروة .
العين الحولاء تقود صاحبها الى معالجة الامور بنصف عقل ونصف حكمة ونصف عدل . اما العين العوراء فتقود صاحبها الى الشعور بالمرض والى الكآبة في الوجه والاعماق . ومن كانت عيناه جاحظتين صار حسودا ونشيطا وان كانت حمراء يصير مقداماً.
ثم قال لي :
هل تعلم يا صديقي ان العين هي اصل الحب .
أغرورقت عيناه بالدموع وهو يودعنا ، ذات يوم ، مطلق السراح قائلاً:
ما اصعب الحياة من دون نقرة السلمان ومن دون رؤية الاحباب فيها .
بعد مغادرته احس السجناء بفراغ وخسارة .
يتبع
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)