| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الجمعة 3/10/ 2008



نقرة السلمان
(24)

جاسم المطير

أكملت اليوم قراءة كتاب (الأمير)
لم اصدق انني انهيت قراءة كتاب غير شيوعي في سجن ٍ اكثريته الساحقة من الشيوعيين . هل يعقل ان يقرأ سجين ما بأي سجن ٍ في العالم كتاب " الأمير " ..؟ أليس السجان هو " الأمير " الوحيد في السجن وهو " الجلاد " الذي يفرض سلطته على حياة سجناء لا يحلمون الا بموعد فك قيودهم ..؟

أجمل الكتب التي اعتاد السجناء على قراءتها هي القصص والروايات ودواوين القصائد القادرة على جعل السجين يشعر بصوت حبيبته بين سطور كتاب بين يديه ، أو يتصور انه يعانقها وسط عذابات الجحيم في نقرة السلمان ، أو ان يقرأ كتبا تذكـّره بمواعيد غرامية كانت تتم في حديقة المدينة بانتظار قدوم الحبيبة ..؟

لكنني وجدت نفسي في آخر تلك الليلة التي أكملت فيها قراءة الأمير انني أهذي مع نفسي حتى دقت لحظة النوم في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل من دون أن أدري . لم أنتبه انني نائم الا عندما نبهني الزمن ان الصبح قد بدأ بزوغه .

أحسست بحاجة ماسة الى تأمل عميق للأفكار الواردة في كتاب الأمير .أو أنني بحاجة الى أعادة نظر في كل ما سمعته أو قرأته سابقاً عن( الأمير)المشحون بالكثير من الأفكار المحتدة ، وبالكثير من مظاهر خوارق الذكاء.

مؤلف الكتاب كان أسماً مرعباً بالنسة لي طيلة سنوات عديدة . لا أدري من أين وكيف تولد الأنطباع. لكنني أعتقد أن ذلك تراكم عندي من ملاحظات سمعتها من قادة شيوعيين بصريين ،على الأغلب ، ممن كانوا يحذرون من قراءة الكتاب ،أعتماداً على ملاحظات سطحية وليست عميقة كما أظن .المهم أن قراءتي الواعية للكتاب جعلتني منتبهاً إليه بأعتباره من أبرز الكتب في علم السياسة . وقد وجدت مؤلفه من أبرز مفكري عصر النهضة وليس من مفكري عصور الظلام كما كنت قد سمعت من قبل .لقد نشأ ميكافيللي (1) في أيطاليا المجزأة التي كانت تعاني من الأوضاع الفاسدة والقلقة والمضطربة والتي أدت الى أنقسام أيطاليا ألى أمارات متناحرة ومتصارعة فيما بينها في الوقت الذي كانت فيها الدول الأوربية الأخرى، في الغرب خاصة، تتقدم بخطى حضارية واسعة نحو الأزدهار الشامل. كان هذا الوضع دافعاً لميكافيللي لدراسته ودراسة معطياته وخلفياته التاريخية مما جعله يسجل أهم أفكاره في ابرز مؤلفاته وهو كتاب (الأمير) المنشور في عام 1513م كما ظهرت أفكاره الأخرى في كتاب آخر سماه(المقالات) المنشور في سنة 1531م.وحسبما علمت فأن الكتاب الثاني لم يترجم الى اللغة العربية . بهذا الصدد سألت السجين بديع عمر نظمي (2) فأكد أنه لم يسمع عن ترجمة الكتاب الذي قرأ عنه شيئاً باللغة الأنجليزية، وقال أن كل المعلومات التي قرأها عن الكتابين تشير الى وجود تناقض واضح وعميق بين الأراء المعروضة في الكتابين . بشكل خاص فأن التناقض يبرز من خلال موقف ميكافييللي من نظام الحكم وشكله ونوعه.

فهو أولاً يقسم في (الأمير)الحكومات الى نوعين: النوع الأول ملكي والنوع الثاني جمهوري.وهو يحبذ في متن الكتاب النظام الملكي المطلق .ويعطي الحق للحكم المطلق بعدم التقيد بأية قيود، وأنتهاج مختلف الوسائل حتى اللامشروعة لكي تحتفظ بسلطة الحكم.

وهو ثانياً تخلى عن هذا الرأي في الكتاب الثاني(المقالات)أذ يحبذ هذه المرة النظام الجمهوري لأنه يرتكز على سيادة الشعب ويصون الحريات.وهذا الوضع ، من وجهة نظر ميكافيللي يؤدي الى أزدهار الدولة الجمهورية وتحقيق المصلحة العامة لكل الشعب.

أفاض ميكافيللي في بيان مزايا نظام الحكم الجمهوري فذكر أنه نظراً لقيامه على أساس الأنتخاب يفسح المجال أمام المواطنين لخدمة الوطن . وبذلك تتاح الفرصة لظهور الكفاءات والمواهب.

أتذكر أنني سألت جعفر البدر(3) ، نأئب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي ، ذات يوم، عن رأيه بميكافيللي وكتاب(الأمير) عندما كنت حاضرا بمجلسه في بيته فأجاب بهدوئه المعهود:أنهما المؤلف والكتاب يؤديان دوراً خاصاً أيجابياً في الفكر السياسي . وقد نزع البدر الى التلميح بأن ميكافيللي يمتلك آراءاً أنسانية ديموقراطية بارعة. تعمدتُ أن أسأله عن ميكافيللي لأننا كنا نسمع من بعض الشيوعيين المثقفين أن الحزب الوطني الديمقراطي يعتمد على أفكار وسياسات ميكافيللية .

وقد سنحت لي فرصة الأستفسار والجدل في جلسة مع حمزة سلمان (4) عن كتاب (الأمير)أيضاً ، فأبدى رأياً جريئاً بقوله :أن الكتاب يمتلك قدرة أنضاج الناس لتولي القيادة .أن كتاب ( الأمير) يحمل الجلال والهيبة بالرغم من أنه يفر من ألتزام القيم والأخلاق من روح العدالة..

كانت ليلة شيقة جداً قضيناها ، أنا وحمزة سلمان ، في فندق شط العرب بالبصرة ( المعقل ) بعد حفل عشاء أقيم في حدائق الفندق تكريماً للملا مصطفى البارزاني الذي وصل من بغداد الى البصرة في منتصف نيسان1959 لأستقبال البارزانيين العائدين من الأتحاد السوفياتي على ظهر الباخرة (جورجيا). في تلك الليلة قضى المجتمعون من نخب الحاضرين الذين هم من نخب الأحزاب العراقية وقتاً زاد على الساعتين في حوار حول ميكافيللي أذ كان مدير الفندق ( صديق الشيوعيين ) يمسك بنسخة منه لقضاء وقت فراغه بقراءته.

في يوم 15/4 /59 أستقبلت جماهير البصرة في مطار المدينة بالمعقل، الطائرة العسكرية الخاصة التي أقلت الملا مصطفى البارزاني ،وحمزة عبد الله عضو المكتب السياسي للحزب الديموقراطي الكردستاني، والعقيد عبد الباقي كاظم مدير شرطة بغداد، وحمزة سلمان المحامي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وقد أستقبل الوفد أستقبالاً حافلاً شاركت فيه الأحزاب الوطنية والمنظمات الجماهيرية في لواء البصرة . كما شارك فيه ممثلو الدوائر الحكومية والجيش .

أنطلقنا على ظهر الباخرة العراقية الصغيرة نسبة إلى البواخر الاجنبية العملاقة التي تمخر شط العرب ،وهو يخت الملك فيصل الثاني الذي أطلقوا عليه بعد ثورة 14 تموز تسمية (يخت الثورة) لأستقبال الباخرة السوفياتيةحال دخولها من الخليج إلى الشط . وقد تم تنظيم مظاهرة نهرية ضخمة شارك فيها آلاف المواطنين .كنت ضمن وفد الأستقبال للبارزانيين المتكون من : جعفر البدر (ممثل الحزب الوطني الديموقراطي.) وعبد الحميد الناصر(الحزب الشيوعي في البصرة)، وممثل نقابة المعلمين عزيز وطبان ، وممثل أتحاد طلبة البصرة ( صبري شمعون ) و ممثل عن جمعيات الفلاحين ونقابات العمال وغيرهم .أضافة الى مشاركتي وحميد الحكيم  (5) بالوفد .أما الوفد القادم من بغداد فقد مكث في فندق شط العرب بالمعقل.

قبيل وصولنا الى ميناء الفاو على الخليج العربي بقليل كانت الباخرة (جورجيا) تقترب لمقابلة الباخرة (الثورة).كان الوقت ظهراً حين أنطلقت صفارات الباخرتين فرحة باللقاء . تقدمت (جورجيا) وتبعتها (الثورة) باتجاه المعقل بأقل سرعة ممكنة، بعد أن أحاطت بهما الزوارق البخارية الصغيرة وهي تحمل آلاف المواطنين المستقبلين . ومع الأسف الشديد حدث حادث عكر صفو المظاهرة النهرية حين سقط من على ظهر أحد الزوارق طالب نشيط ( خالد السكوتي) عضو أتحاد طلبة البصرة ولم يكن يجيد السباحة فغرق شهيداً دون أن يستطيع أحد أنقاذه برغم محاولات كثيرة.

في حوالي الساعة السابعة مساءً وصل الموكب الى رصيف المعقل حيث كان الملا مصطفى البارزاني على رأس المستقبلين ،والى جانبه وقف حمزة سلمان ، وقنصل الأتحاد السوفياتي، وعبد المجيد علي (6) آمر موقع البصرة العسكري ، وممثلون عن لجنة أرتباط المنظمات الديموقراطية والأجتماعية التي كنت رئيساً لها.

بعد انتهاء مراسم الأستقبال في الميناء أنتقل العائدون والمستقبلون إلى ساحة محطة قطار المعقل حيث أعد مهرجان خطابي . أعتليت المنصة المعدة لهذا الغرض ،اذ تم تكليفي بأن أكون عريفاً للحفل. بدأت القول خطيباً أمام آلاف من المحتشدين:ها أنتم تعودون الى بلدكم بعد سنوات من الغربة.تعودون الى العراق الذي تحرر من ربقة الأستعمار. ونحن نشكر الأتحاد السوفياتي الذي رد الأمانة الى أهلها.وشكراً له لأنه أحتضن هؤلاء الأخوة وأحسن ضيافتهم.

ثم تقدم عبد الحميد الناصر الذي ألقى كلمة مرحباً فيها بالضيوف وشاكراً الأتحاد السوفياتي وبحارة الباخرة (جورجيا) ومهنئاً الأخوة البارزانيين بسلامة العودة الى الوطن.

بعد ذلك قدمتُ حمزة عبد الله ممثل الحزب الديموقراطي الكردستاني لإلقاء كلمته التي أكد فيها أن الشعب الكردي وجميع الأقليات يقفون اليوم أشد تضامناً مع الشعب العربي في العراق دفاعاً عن الجمهورية الفتية وتطويرها.

ثم تقدم حمزة سلمان موفد الحزب الشيوعي العراقي ولجنته المركزية الى المنصة وبدأ خطابه بالقول: باسم الحزب الشيوعي العراقي أرحب بكم يوم عودتكم الى الوطن الحبيب ، وطن الرابع عشر من تموز ، بعد أن تطهر من رجس السيطرة الأستعمارية وظلم عملاء الأستعمار .وأختتم كلمته بتوجبه التحية الى الرفاق السوفيات على الضيافة الكريمة التي قوبل بها الأكراد طيلة 14 عاماً في الأراضي السوفياتية.

بعد ذلك قدمتُ الشاعر أسعد محمد رضا الشبيبي فألقى قصيدة وطنية حيا فيها الأكراد المناضلين العائدين من منفاهم. نالت أغلب أبيات القصيدة تصفيقاً حاداً من الجمهور.

قدمتُ الملا مصطفى البارزاني الى الجماهير المحتشدة فشكرها على الأستقبال الرائع بالقول:أنني أعبر عن أسمى تقديري لشعوركم الوطني الفياض أزاء أخوانكم العائدين ألى أرض الوطن العزيز. وقال أيضاً: أنني أشكركم أيضاً حينما كان أخي الكبير الشيخ أحمد البارزاني سجيناً في سجن البصرة، وما لاقاه من كرم ورعاية أهالي البصرة أثارت في وقته حفيظة السلطةالبائدة. وهتف عالياً بحياة الجمهورية العراقية والزعيم عبد الكريم قاسم.

وقدم الملا البارزاني هدايا بأسم الشعب العراقي الى بحارة الباخرة (جورجيا) تقديراً لمشاعرهم النبيلة.

تحدث أحد البحارة السوفيات شاكراً شعب العراق على الحفاوة البالغة التي قوبل بها البحارة وباخرتهم.

أنتهى الأحتفال . تحرك القطار في الساعة الحادية عشرة متجهاً الى بغداد .وقد دعا جميع الخطباء بالعمر المديد للزعيم عبد الكريم قاسم ،وبالتقدم للجمهورية الفتية.

من غرفته في فندق شط العرب أرسل الملاّ مصطفى البارزاني برقيته الى رئيس الوزرا ءالزعيم عبد الكريم قاسم جاء فيها : باسم البارزانيين العائدين الى الوطن الحبيب وباسم جميع الاكراد الشرفاء وباسمي اقدم جزيل شكري وامتناني لسيادتكم وللشعب العراقي الابي . ان شكرنا هذا لا يمكن التعبير عنه بكلمات ولكنني بدلا من الكلام اعد سيادتكم بالنيابة عن اخواني العائدين اننا سوف ندافع عن كيان جمهوريتنا المستقلة وشرف وطننا بكل ما اوتينا من قوة واخلاص وسنرد كيد الطامعين ونحطم جميع المؤامرات والدسائس من اية جهة جاءت وذلك تحت قيادتكم وبالتضامن التام المتين مع اخواننا العرب الاشاوس موطدين اركان جمهوريتنا الخالدة مجدين السير بها الى الامام .

ختاما ارجو ان تقبلوا فائق شكرنا وعظيم امتناننا على ما بذلتموه والشعب العراقي في سبيل عودة البارزانيين وتأمين راحتهم .

عاشت جمهوريتنا حرة ديمقراطية .عاشت الى الابد الاخوة الوثقى بين العرب والاكراد .عاش الزعيم الاوحد للعراقيين كلهم عبد الكريم قاسم نصير السلم والديمقراطية .

تزامنت ذكرياتي ، اليوم ، مع حمزة سلمان الذي أعدم من قبل البعثين عام 1963، وعن كتاب (الأمير)الذي ظل في نفسي عشق قراءته منذ أن شرح لي هذا الأنسان بعض مضامينه حين طالعه في نفس يوم مجيء البارزانيين طالباً مني بقاء النسخة معه لحين انهاء قراءته التي بدأها في الفندق .

كانت النسخة قد استلمتها في نفس اليوم من ( عباس سكران ) أحد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي التي جاءته من الكويت أنذاك.. قد شوقني الى قراءته السريعة خاصة بعد أن أطلعنا معاً على كلمة مختصرة وضعها ناشر الكتاب على غلافه الخارجي مأخوذة من قول ميكافيللي: أن المواطن لا يشعر بكرامته وبالمساواة في النظام الجمهوري أكثر من النظام الملكي المطلق. يذكر ميكافيللي مزايا النظام الجمهوري أنه يستجيب للتغيير والتطوير.

من رأي حمزة سلمان أنه لا توجد أية مجموعة بشرية في الحياة من دون " أمير " .

العائلة لها أمير ، الحكومة لها أمير ، الثورة لها أمير ، الأحزاب لها أمير . الأكراد لهم أمير ، ثم أشار الى الجالس قبالتنا الملا مصطفى البارزاني . ثورة تموز لها أمير أيضاً حتى الشيوعية لها أمير ..

بصورة عامة يمكن تلخيص كتاب (الأمير) كما قلت في ندوة عقدت مساء في قاووش رقم 3 أول من أمس حضرها عدد قليل من السجناء حيث شخصت النقاط التالية:أنه بالنسبة للحاكم ليست العبرة بالتصرفات والوسائل بل العبرة بالنتائج. فأذا أفلح (الأمير) في تحقيق (الغاية..) مهما كانت ( الوسيلة..!) محتفظاً بدولته فأن الناس جميعاً سرعان ما يؤيدون هذه (الوسائل..)ويرونها شريفة حتى ولو كانت غير مشروعة أو مستندة الى رذائل معينة.

اهتمامي في تلك الندوة تركز على المضمون الأساسي لكتاب (الأمير)،أي على العلاقة بين (الهدف..) و (الوسيلة..) في تفكير ميكافيللي.مما أثار فضولي قيامه بمقارنات عديدة بين أشكال أنظمة الحكم.

بدون عناء أدركت أن الفكر السياسي كله ، بما فيه الفكر الماركسي ، يمكن أن ينفتح على مضامين كتاب (الأمير..) وعلى أفكار مؤلفه.. الأختلاف ،في رأيي ،كما قلت في الندوة ، بين هذا الهدف أو غيره ،بين هذه الوسيلة أو غيرها، أنما هو ناتج أو تابع لجوهر النظام السياسي ولعواطفه تجاه شعبه ، سواء كانت عواطف الحقد التي تولد العداء، او عواطف الأحسان التي يراد لها أن تثير في الناس تأييداً للحكم. أي أن العلاقة بين الهدف والوسيلة في كل نظام جوهرها الصبر في التشاؤم ، والقمع في كل مقاومة، والقتل أذا كانت فعالياته الفردية والجماعية بما فيها الحروب قادرة على التنسيق بين النظام المطلق والرغبة في أمتلاك وعي الشعب وتسخيره لذاتية النظام.

في البيت ، وفي المدرسة والجامعة، وفي الخلية الحزبية، وفي عقود الزواج، وفي التجارة والبنوك والحسابات، ما وجدت غير معاني (الأمير) كصورة شاملة تغلب عليها أنفعالات الأقوى، وأنفعالات الحاكم والمسيطر ومالك المال..كل تلك الأنفعالات تستهدف تحقيق التوازن بين رغبة ا( الأمير ) الشخصية، ورغبته في تسخير أدوات الفعل والطبيعة لتحقيق تلك الرغبة.داخل كل أنسان ، نجد (أميراً..) يتحدى المشاعر ونظم التربية والأخلاق والتفكير العقلي والجمال والحب والحرية ليقف على منصة القوى العليا القاهرة.

ما أكثر (الأمراء..) حتى داخل سجننا. أبتداءً من مدير السجن الذي هو (الأمير..) الخارجي وأنتهاءً بمدير المطبخ الذي هو (أمير..) البطون، مروراً بالمسؤولين الحزبيين الذين هم (أمراء..)الفكر. أما السجناء فهم (أمراء..) في خيالهم وأحلامهم فقط. هم (أمراء..) عندما يكتبون رسائلهم الى ذويهم وأحبابهم. هم (أمراء..) فقط عندما ينامون أحياءً على مساحة أرض تقل عن مساحة القبر.

حين نجحت ثورة تموز كان الشعب في حالة متاهة وأرتباك. شيء من العتمة يحيط بالكثير من الأشياء. الأحزاب والأفكار متباعدة رغم ظاهرية تقاربها في جبهة الأتحاد الوطني. كان كل حزب بورجوازي أو قومي يعتبر نفسه (أميراً) .كل أمير يسأل نفسه ويسأل غيره: ما شكل النظام الجديد..؟جمهوري ديموقراطي أم جمهوري دكتاتوري..؟ ليس بوسع أحد الأجابة. الحاكم الفرد هو (الأمير ) الحقيقي في الثورة وفي الحكم. حتى (الأمير) الفرد غير قادر على تحديد المسار.الشيء الوحيد الذي شغل الناس هو التساؤل اليومي المتواصل لمعرفة تفصيلات كثيرة: هل قامت الثورة كي تطيح بالملكية..؟ لماذا..؟ هل لها عداء مع أقطاب حلف بغداد..؟ أهي ثورة قومية أم وطنية..أهي ثورة أشتراكية أم رأسمالية .

هل هي ثورة متدرجة في الوعي أم يراد لها أجتياز مرحلة تشابك الوعي.
هل هي ثورة تربوية أم أنها ثورة وسيلة لا أهداف لها..؟
هل يستخدمها الشيوعيون أو غيرهم لتحقيق الأندماج مع الشعب أم يستخدمها السوفيات للدخول الى رأس الخليج.
هل يوجد شيء مشترك بينها وبين بلدان عربية اخرى .
هل يوجد شيء مشترك بينها وبين الفكر الديموقراطي الغربي.
هل يوجد بينها شيء مشترك بين الحاضر والمستقبل ومنظومة تصورات الأنسان العراقي عن بناء أجتماعي جديد..؟

من يتابع حياة هذه الثورة.. من يغذيها..من يطورها..من هو الفاعل القادر على إدامتها في امتداداتها بعد حدوثها..من هو القويّ في الثورة ومن هو الضعيف..من القاتل ومن المقتول..من يملك الرؤية العامة المألوفة لبناء مجتمع ديموقراطي متحد..من يملك الميول المتجهة نحو الأكراه والضغط والقهر كوسيلة أميرية في تركيب نظام حكم جديد..؟

في جميع شوارع بغداد والبصرة والموصل والسليمانية وغيرها كانت ترتفع اللافتات وأصوات المتظاهرين بأسم عبد الكريم قاسم بأعتباره " الزعيم الأوحد " أي أن الجماهير ونحن الشيوعيين أيضاً أعترفنا بوجود قاسم " أميراً " على العراق وعلى شعبنا . شيئاً فشيئاً أنفرد باستخدام " الوسيلة " الخاصة ( قتل واعدام وسجون وغيرها ) لتحقيق " الأهداف " الخاصة ببقائه منفرداً على رأس السلطة . كان الكثير من الوسائل التي استخدمها يعوزها روح الحق ، وكان الكثير من أهدافه يعوزها وجه الحق .

كانت الوسائل والاهداف في التطبيق الفعلي تتناقض مع آمال الشعب ومع أركان الحرية والديمقراطية التي يريدها الشعب ويتاجر بها الأمير .

لم تتوقف الأسئلة عن ثورة 14 تموز وأميرها عبد الكريم قاسم مطلقاً.. لم تتوقف الاسئلة عن الثورة الكردية وأميرها مطلقاً .. لم تتوقف الاسئلة عن سياسة الحزب الشيوعي الجديدة واميرها مطلقاً لكن الأجوبة كانت متوقفة. لم يقدم أي حزب ولا أي قوة سياسية ولا أي كتاب أجوبة لأستلة الناس عن ثورة تموز التي جاءت وذهبت مثل بالون أنفجر وصار أشلاءً. لم نجد جواباً او تفسيراً لا في كتب لينين ولا في كتب كارل ماركس ولا حتى في كتاب (الأمير) فاصبحت حياتنا عصّية على الجميع..ضاعت الثورة وأعدم " أميرها " كما أعدم الثائرون..

متاهة هذه الاسئلة انتقلت مع السجناء الى نقرة السلمان وما خلا يوم ولا خلت جلسة أو أجتماع هنا إلاّ ونحن نواجه نفس الاسئلة بتشكيل جديد بعد أن وثقت شرعيتها الكثير من الاحداث التي مرت على ثورة تموز وبنيتها وممارساتها حولتها من قوة اجتماعية للتغيير الى صراعات كان التدمير بعض ناتجها وأولها كان تدمير الشيوعيين ومنهم القابعين داخل هذا السجن تستثيرهم انتقادات دواخلهم لأجراء مراجعة شديدة على الصعيدين السياسي والتنظيمي .

الحق ان اهم فضائل سجن نقرة السلمان هي اجبار ساكنيه على توسيع عدسات رؤيتهم .

هوامش:
1-
ميكافيللي. سياسي وكاتب أيطالي 1469-1527م. ولد في أسرة نبيلة الأصل معوزة لا يعرف الشيء الكثير عن نشأته وفتوته. الثابت تاريخياً أنه في حوالي الثلاثين من عمره أي عام 1498 تولى مركزاً رفيعاً في مدينته. عمل بسفارات دبلوماسية في البلاط البابوي والبلاط الفرنسي وبلاطات الأمراء في أيطاليا وخارجها. وظل في مهمات دبلوماسية حتى عام 1512 عند سقوط مدينة فلورنسا وأنتقال الحكم الى أسرة أخرى زجت به في السجن وعذبته. ولما أطلقوا سراحه أبتعد عن السياسة وأنسحب ليقيم في دارة له منعزلة وبعيدة. وأقبل في وحدته على صقل أفكاره. ثم بدأ بتأليف كتاب يعالج فيه قضية الحكم الجمهوري الديموقراطي. وأخذ في صياغة كتاب الأمير .كتب أيضاً تاريخ فلورنسا وعدة مسرحيات.
2- بديع عمر نظمي. مترجم قدير من اللغة الأنجليزية.عمل في الصحافة العراقية لفترة طويلة. وترجم العديد من الكتب والكراسات.
3- جعفر البدر. تاجر حبوب في البصرة. كان رئيساً للحزب الوطني االديموقراطي فرع البصرة.ثم أصبح من العاملين في مجال صناعة المشروبات الغازية.
4- حمزة سلمان . محامي معروف. كان يدافع عن المتهمين بقضايا سياسية.أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. أرتبطت معه بعلاقة عمل حزبي مشترك. أصبحنا صديقين لفترة طويلة.كان معروفاً بجرأته في طرح أفكاره الصريحة في الأجتماعات الحزبية.أعدم عام 1963
5- حميد الحكيم. أحد قضاة التحقيق في البصرة.عضو في الحزب الشيوعي.
6- عبد المجيد علي. برتبة عقيد آمر موقع البصرة.

 
يتبع
 

¤ نقرة السلمان (23)
¤ نقرة السلمان (22)
¤ نقرة السلمان (21)
¤ نقرة السلمان (20)
¤ نقرة السلمان (19)
¤ نقرة السلمان (18)
¤ نقرة السلمان (17)
¤ نقرة السلمان (16)
¤ نقرة السلمان (15)
¤ نقرة السلمان (14)
¤ نقرة السلمان (13)
¤ نقرة السلمان (12)
¤ نقرة السلمان (11)
¤ نقرة السلمان (10)
¤ نقرة السلمان (9)
¤ نقرة السلمان (8)
¤ نقرة السلمان (7)
¤ نقرة السلمان (6)
¤ نقرة السلمان (5)
¤ نقرة السلمان (4)
¤ نقرة السلمان (3)
¤ نقرة السلمان (2)
¤ نقرة السلمان (1)


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس